الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب

                                      [ ص: 451 ] قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( قال الشافعي - رحمه الله : ولا يجمع في مصر - وإن عظم وكثرت مساجده - إلا في مسجد واحد والدليل عليه أنه لم يقمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء من بعده في أكثر من موضع ، واختلف أصحابنا في بغداد ، فقال أبو العباس : يجوز في مواضع ; لأنه بلد عظيم ، ويشق الاجتماع في موضع واحد ، وقال أبو الطيب بن سلمة : يجوز في كل جانب جمعة ; لأنه كالبلدين ، ولا يجوز أكثر من ذلك ، وقال بعضهم : كانت قرى متفرقة في كل موضع منها جمعة ، ثم اتصلت العمارة فبقيت على حكم الأصل [ وإن عقدت جمعتان في بلد إحداهما قبل الأخرى وعرفت الأولى منهما نظرت - فإن لم يكن مع واحدة منهما إمام أو كان الإمام مع الأولى - فالجمعة هي الأولى والثانية باطلة ، وبأي شيء يعتبر السبق ؟ فيه قولان ( أحدهما ) : بالفراغ ; لأنه لا يحكم بصلاتها إلا بعد الفراغ منها ، فوجب أن يعتبر السبق بالفراغ .

                                      ( والثاني ) : يعتبر بالإحرام ; لأنها بالإحرام تنعقد ، فلا يجوز أن تنعقد بعدها جمعة - فإن كان الإمام مع الثانية ففيه قولان - أحدهما : أن الجمعة هي الأولى ; لأنها جمعة أقيمت شروطها فكانت هي الجمعة .

                                      والثاني : أن الجمعة هي الثانية ; لأن في تصحيح الأولى افتياتا على الإمام وتفويتا للجمعة على عامة الناس .

                                      وإن كانت الجمعتان في وقت واحد من غير إمام بطلتا ; لأنه ليس إحداهما أولى من الأخرى فوجب إبطالهما كما نقول فيمن جمع بين أختين في عقد واحد ، وإن لم يعلم هل كانتا في وقت واحد أو في وقتين بطلتا ; لأنه ليس كونهما في وقت واحد بأولى من تقدم إحداهما على الأخرى فحكم ببطلانهما ، وإن علم أن إحداهما قبل الأخرى ، ولم تتعين حكم ببطلانهما ; لأن كل واحدة من الطائفتين شك في إسقاط الفرض ، والفرض لا يسقط بالشك .

                                      وفيما يجب عليهم قولان ( أحدهما ) : تلزمهم الجمعة إن كان الوقت باقيا ; لأن التي تقدمت لما لم تتعين لم يثبت حكمها فصارت كأن لم تكن ( والثاني ) : يصلون الظهر ; لأنا تيقنا أن المتقدم منهما جمعة صحية فوجب أن يصلوا الظهر احتياطا ، وإن علمت السابقة منهما ثم أشكلت حكم ببطلانهما ; لأنه لا يمكن التوقف إلى أن تعرف ; لأنه يؤدي إلى فوات الوقت أو فواتهما بالموت ، فوجب الحكم ببطلانهما ، وبالله التوفيق ] ) .

                                      باب الأذكار المستحبة في الليل والنهار وعند الأحوال العارضة هذا الباب واسع جدا وقد جمعت فيه مجلدا مشتملا على نفائس لا يستغنى عن مثلها ( فمنها ) : ماله ذكر في كتب الفقه ; وقد ذكره المصنف في [ ص: 480 ] مواطنه

                                      وضممت إليه ما يتعلق به ، وذلك كأذكار الوضوء والصلاة والأذان والإقامة والجمعة والعيد والكسوف والاستسقاء والجنائز والزكاة والمناسك والنكاح وغيرها

                                      ( ومنها ) : ما لا يذكر غالبا في كتب الفقه فأذكر منه إن شاء الله - تعالى - جملة مختصرة بحذف الأدلة

                                      وهي مقررة بأدلتها من الأحاديث الصحيحة في كتاب الأذكار : فمن ذلك يستحب الإكثار من الذكر في كل وقت

                                      وحضور مجالس الذكر ويكون الذكر بالقلب وباللسان وبهما وهو الأفضل ثم القلب

                                      قال سعيد بن جبير وغيره : كل عامل بطاعة ذاكر

                                      وسبق في باب الغسل إجماع العلماء على جواز الذكر غير القرآن للجنب والحائض وغيرهما

                                      ويندب كون الذاكر على أكمل الصفات متخشعا متطهرا مستقبل القبلة ، خاليا نظيف الفم ، ويحرص على حضور قلبه وتدبر الذكر ولهذا كان المذهب الصحيح المختار : أن مد الذاكر قوله : لا إله إلا الله أفضل من حذفه ; لما في المد من التدبر ، ومن كان له وظيفة من الذكر ففاتته ندب له تداركها ، وإذا سلم عليه رد السلام ثم عاد إلى الذكر ، وكذا لو عطس عنده إنسان فليشمته أو سمع مؤذنا فليجبه أو رأى منكرا فليزله أو مسترشدا فلينصحه ثم يرجع إلى الذكر ، وكذا يقطعه إذا غلبه نعاس ونحوه ، ويندب عد التسبيح بالأصابع

                                      ( فصل ) في الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم } وفي مسلم { أحب الكلام إلى الله : سبحان الله وبحمده } وفي مسلم { أحب الكلام إلى الله - تعالى - أربع : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت } وفيه : { الحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين الأرض والسموات } وفيه الحث على : { سبحان الله وبحمده عدد خلقه ثلاث مرات سبحان الله وبحمده رضاء نفسه ثلاثا سبحان الله وبحمده زنة عرشه ثلاثا سبحان الله وبحمده مداد كلماته ثلاثا }

                                      وفي الصحيحين ( { من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب ، [ ص: 481 ] وكتب له مائة حسنة ، ومحيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه
                                      }

                                      ومن قال : سبحان الله وبحمده ، في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ) وفي مسلم { قل : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، سبحان الله رب العالمين ، لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم } وفي الصحيحين { لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة } وفي حسان الترمذي { غراس الجنة : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر وفيه من قال : سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة } وفي حسانه { لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله - تعالى - } وفي البخاري { مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت }

                                      التالي السابق


                                      الخدمات العلمية