الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : ( قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ : وَلَا يُجَمَّعُ فِي مِصْرٍ - وَإِنْ عَظُمَ وَكَثُرَتْ مَسَاجِدُهُ - إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُقِمْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَغْدَادَ ، فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ : يَجُوزُ فِي مَوَاضِعَ ; لِأَنَّهُ بَلَدٌ عَظِيمٌ ، وَيَشُقُّ الِاجْتِمَاعُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ : يَجُوزُ فِي كُلِّ جَانِبٍ جُمُعَةٌ ; لِأَنَّهُ كَالْبَلَدَيْنِ ، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَتْ قُرًى مُتَفَرِّقَةً فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا جُمُعَةٌ ، ثُمَّ اتَّصَلَتْ الْعِمَارَةُ فَبَقِيَتْ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ [ وَإِنْ عُقِدَتْ جُمُعَتَانِ فِي بَلَدٍ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى وَعُرِفَتْ الْأُولَى مِنْهُمَا نَظَرْتَ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إمَامٌ أَوْ كَانَ الْإِمَامُ مَعَ الْأُولَى - فَالْجُمُعَةُ هِيَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يُعْتَبَرُ السَّبْقُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) : بِالْفَرَاغِ ; لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصَلَاتِهَا إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ السَّبْقُ بِالْفَرَاغِ . ( وَالثَّانِي ) : يُعْتَبَرُ بِالْإِحْرَامِ ; لِأَنَّهَا بِالْإِحْرَامِ تَنْعَقِدُ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَنْعَقِدَ بَعْدَهَا جُمُعَةٌ - فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مَعَ الثَّانِيَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ - أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ الْأُولَى ; لِأَنَّهَا جُمُعَةٌ أُقِيمَتْ شُرُوطُهَا فَكَانَتْ هِيَ الْجُمُعَةَ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ الثَّانِيَةُ ; لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ الْأُولَى افْتِيَاتًا عَلَى الْإِمَامِ وَتَفْوِيتًا لِلْجُمُعَةِ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ . وَإِنْ كَانَتْ الْجُمُعَتَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ إمَامٍ بَطَلَتَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى فَوَجَبَ إبْطَالُهُمَا كَمَا نَقُولُ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ كَانَتَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي وَقْتَيْنِ بَطَلَتَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ كَوْنُهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِأَوْلَى مِنْ تَقَدُّمِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَحُكِمَ بِبُطْلَانِهِمَا ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى ، وَلَمْ تَتَعَيَّنْ حُكِمَ بِبُطْلَانِهِمَا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ شَكَّ فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ ، وَالْفَرْضُ لَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ . وَفِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) : تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ إنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا ; لِأَنَّ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَمَّا لَمْ تَتَعَيَّنْ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا فَصَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ ( وَالثَّانِي ) : يُصَلُّونَ الظُّهْرَ ; لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ مِنْهُمَا جُمُعَةٌ صِحِّيَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ احْتِيَاطًا ، وَإِنْ عُلِمَتْ السَّابِقَةُ مِنْهُمَا ثُمَّ أَشْكَلَتْ حُكِمَ بِبُطْلَانِهِمَا ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّوَقُّفُ إلَى أَنْ تُعْرَفَ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ الْوَقْتِ أَوْ فَوَاتِهِمَا بِالْمَوْتِ ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِهِمَا ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ ] ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) قَوْلُهُ : يُجَمَّعُ هُوَ - بِضَمِّ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَفِي بَغْدَادَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَبِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ، وَبَغْدَانُ وَمَغْدَانُ ، وَيُقَالُ لَهَا : مَدِينَةُ السَّلَامِ ، وَسَبَقَ فِي بَيَانِهَا زِيَادَةٌ فِي مَسْأَلَةِ الْقُلَّتَيْنِ ، وَهَذَا النَّصُّ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : فَشَرْطُ الْجُمُعَةِ أَنْ لَا يَسْبِقَهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ جُمُعَةٌ أُخْرَى ، وَلَا يُقَارِنَهَا . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَقَدْ دَخَلَ الشَّافِعِيُّ بَغْدَادَ وَهُمْ يُقِيمُونَ الْجُمُعَةَ فِي مَوْضِعَيْنِ وَقِيلَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ ، وَفِي حُكْمِبَغْدَادَ فِي الْجُمُعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الثَّلَاثَةَ الْأُولَى مِنْهَا هُنَا ، وَكَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِالرَّابِعِ . ( أَحَدُهَا ) : أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى جُمُعَةٍ فِي بَغْدَادَ جَائِزَةٌ وَإِنَّمَا جَازَتْ ; لِأَنَّهُ بَلَدٌ كَبِيرٌ يَشُقُّ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : فَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى جُمُعَةٍ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ الَّتِي تَكْثُرُ النَّاسُ فِيهَا ، وَيَعْسُرُ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَوْضِعٍ . وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الصَّحِيحُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَاخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا تَصْرِيحًا وَتَعْرِيضًا ، وَمِمَّنْ رَجَّحَهُ ابْنُ كَجٍّ وَالْحَنَّاطِيُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ الْمُجَرَّدِ وَالرُّويَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى - : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } . ( وَالثَّانِي ) : إنَّمَا جَازَتْ الزِّيَادَةُ فِيهَا ; لِأَنَّ نَهْرَهَا يَحُولُ بَيْنَ جَانِبَيْهَا فَيَجْعَلُهَا كَبَلَدَيْنِ . قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ ، فَعَلَى هَذَا لَا تُقَامُ فِي كُلِّ جَانِبٍ مِنْ بَغْدَادَ إلَّا جُمُعَةٌ ، وَكُلُّ بَلَدٍ حَالَ بَيْنَ جَانِبَيْهَا نَهْرٌ يُحْوِجُ إلَى السِّبَاحَةِ فَهُوَ كَبَغْدَادَ ، وَاعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ سَلَمَةَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَانِبَانِ كَبَلَدَيْنِ لَقَصَرَ مَنْ عَبَرَ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخِرِ مُسَافِرًا إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، فَالْتَزَمَ ابْنُ سَلَمَةَ وُجُوبَ الْقَصْرِ . ( وَالثَّالِثُ ) : تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَإِنَّمَا جَازَتْ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ قُرًى مُتَفَرِّقَةً قَدِيمَةً اتَّصَلَتْ الْأَبْنِيَةُ فَأَجْرَى عَلَيْهَا حُكْمَهَا الْقَدِيمَ ، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ تَعَدُّدُ الْجُمُعَةِ فِي كُلِّ بَلَدٍ ، هَذَا شَأْنُهُ ، وَاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ بِمَا اُعْتُرِضَ عَلَى ابْنِ سَلَمَةَ ، وَأُجِيبَ بِجَوَابِهِ وَأَشَارَ إلَى هَذَا الْجَوَابِ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ . وَالرَّابِعُ ) : لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى جُمُعَةٍ فِي بَغْدَادَ وَلَا فِي غَيْرِهَا ، وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ الْمَذْكُورِ ، وَرَجَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ قَالُوا : وَإِنَّمَا لَمْ يُنْكِرْهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ ; لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ ، وَلَيْسَ لِمُجْتَهِدٍ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى مُجْتَهِدٍ ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ فِيمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْكَارِ بِالْيَدِ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُنْكِرَهَا بِقَلْبِهِ وَسَطَّرَهَا فِي كُتُبِهِ ، وَالصَّحِيحُ : هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الْجَوَازُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَكْثَرَ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ وَعُسْرِ الِاجْتِمَاعِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : طُرُقُ الْأَصْحَابِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَى جُمُعَةٍ بِبَغْدَادَ وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَحَيْثُ مَنَعْنَا الزِّيَادَةَ عَلَى جُمُعَةٍ فَعُقِدَتْ جُمُعَتَانِ فَلَهُ صُوَرٌ : ( إحْدَاهَا ) : أَنْ تَسْبِقَ إحْدَاهُمَا ، وَلَا يَكُونَ الْإِمَامُ مَعَ الثَّانِيَةِ ، فَالْأُولَى هِيَ الصَّحِيحَةُ وَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَفِيمَ يُعْتَبَرُ بِهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ فِي طَرِيقَتَيْنِ لِلْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ ( أَصَحُّهُمَا ) : بِالْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ ( وَالثَّانِي ) : بِالسَّلَامِ مِنْهَا ، هَكَذَا حَكَاهُمَا الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَجْهَيْنِ ، وَحَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ قَوْلَيْنِ ; وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ فَحَصَلَتْ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، الصَّحِيحُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ فَأَيَّتُهُمَا أُحْرِمَ بِهَا أَوَّلًا فَهِيَ الصَّحِيحَةَ وَإِنْ تَقَدَّمَ سَلَامُ الثَّانِيَةِ وَخُطْبَتُهَا ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ وَآخَرُونَ ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لِلْمُزَنِيِّ . فَعَلَى هَذَا لَوْ أُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا وَتَقَدَّمَ سَلَامُ إحْدَاهُمَا وَخُطْبَتُهَا فَهُمَا بَاطِلَتَانِ وَالِاعْتِبَارُ عَلَى هَذَا بِالْفَرَاغِ مِنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، فَلَوْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا بِهَمْزَةِ التَّكْبِيرَةِ وَالْأُخْرَى بِالرَّاءِ مِنْهَا ، فَالصَّحِيحَةُ هِيَ السَّابِقَةُ بِالرَّاءِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّ السَّابِقَةَ بِالْهَمْزَةِ هِيَ الصَّحِيحَةُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا افْتِتَاحُ أُخْرَى ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ دَاخِلًا فِي الْجُمُعَةِ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ التَّكْبِيرَةِ بِكَمَالِهَا . وَلَوْ أَحْرَمَ إمَامٌ بِهَا وَفَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ آخَرُ بِالْجُمُعَةِ إمَامًا ثُمَّ أَحْرَمَ أَرْبَعُونَ مُقْتَدِينَ بِالثَّانِي ثُمَّ أَحْرَمَ أَرْبَعُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ فَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ : أَنَّ الصَّحِيحَةَ هِيَ جُمُعَةُ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ بِإِحْرَامِهِ بِهَا تَعَيَّنَتْ جُمُعَتُهُ لِلسَّبْقِ وَامْتَنَعَ عَلَى غَيْرِهِ افْتِتَاحُ جُمُعَةٍ أُخْرَى . وَعَلَى جَمِيعِ الْأَوْجُهِ لَوْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا وَكَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الثَّانِيَةِ فَقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ : أَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ السَّابِقَةُ ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالرَّافِعِيُّ ; لِأَنَّهَا جُمُعَةٌ وُجِدَتْ شُرُوطُهَا فَلَا تَنْعَقِدُ بِهَا أُخْرَى ، وَالسُّلْطَانُ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ . ( وَالثَّانِي ) : أَنَّ الْجُمُعَةَ الصَّحِيحَةَ هِيَ الَّتِي فِيهَا الْإِمَامُ ; لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ الْأُولَى افْتِئَاتًا عَلَيْهِ وَتَفْوِيتًا لَهَا عَلَى غَالِبِ النَّاسِ ; لِأَنَّ غَالِبَهُمْ يَكُونُ مَعَ الْإِمَامِ . وَلَوْ دَخَلَتْ طَائِفَةٌ فِي الْجُمُعَةِ فَأُخْبِرُوا فِي أَثْنَائِهَا بِأَنَّ جُمُعَتَهُمْ سَبَقَتْهُمْ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ ، وَهَلْ لَهُمْ الْبِنَاءُ عَلَى صَلَاتِهِمْ ظُهْرًا ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالظُّهْرِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ ، وَعَلَى مَا إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُمْ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْمَسْأَلَتَيْنِ ( الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ ) : أَنْ تَقَعَ الْجُمُعَتَانِ مَعًا فَهُمَا بَاطِلَتَانِ وَيَجِبُ اسْتِئْنَافُ جُمُعَةٍ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لَهَا . ( الثَّالِثَةُ ) : أَنْ يُشْكَلَ الْحَالُ فَلَا يُدْرَى أَوَقَعَتَا مَعًا أَوْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا ، فَيَجِبُ إعَادَةُ الْجُمُعَةِ أَيْضًا وَتُجْزِئُهُمْ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جُمُعَةٍ مُجْزِئَةٍ . هَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ وَشَذَّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فَقَالَ : لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ . وَفِي جَوَازِهَا قَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) : الْجَوَازُ ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ عَنْ الْأَصْحَابِ . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : قَدْ حَكَمَ الْأَئِمَّةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِأَنَّهُمْ إذَا أَعَادُوا جُمُعَةً بَرِئَتْ ذِمَّتُهُمْ ، وَفِيهِ إشْكَالٌ لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ إحْدَاهُمَا ، وَحِينَئِذٍ لَا تَنْعَقِدُ هَذِهِ وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُمْ بِهَا ، فَطَرِيقُهُمْ فِي الْبَرَاءَةِ بِيَقِينٍ أَنْ يُصَلُّوا جُمُعَةً ثُمَّ ظُهْرًا ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُسْتَحَبٌّ وَإِلَّا فَالْجُمُعَةُ كَافِيَةٌ فِي الْبَرَاءَةِ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ جُمُعَةٍ مُجْزِئَةٍ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ . ( الرَّابِعَةُ ) : أَنْ يُعْلَمَ سَبْقُ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ تَلْتَبِسَ . قَالَ الْأَصْحَابُ : لَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ ; لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَشُكُّ فِي بَرَاءَتِهَا مِنْ الْفَرْضِ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْبَرَاءَةِ ، وَفِيمَا يَلْزَمهُمْ طَرِيقَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) : يَلْزَمُهُمْ الظُّهْرُ - قَوْلًا وَاحِدًا - لِأَنَّ الْجُمُعَةَ صَحَّتْ ، فَلَا يَجُوزُ عَقْدُ جُمُعَةٍ أُخْرَى بَعْدَهَا ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَصَحَّحَهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ ( وَالثَّانِي ) : فِيهِ قَوْلَانِ كَالصُّورَةِ الْخَامِسَةِ ( أَحَدُهُمَا ) : الظُّهْرُ ( وَالثَّانِي ) : الْجُمُعَةُ ; لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَحْصُلْ بِهَا الْبَرَاءَةُ ، فَهِيَ كَجُمُعَةٍ فَاسِدَةٍ لِفَوَاتِ بَعْضِ شُرُوطِهَا أَوْ أَرْكَانِهَا ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ . ( الْخَامِسَةُ ) أَنْ تَسْبِقَ إحْدَاهُمَا وَنَعْلَمَ السَّبْقَ وَلَا نَعْلَمَ عَيْنَ السَّابِقَةِ بِأَنْ سَمِعَ مَرِيضَانِ أَوْ مُسَافِرَانِ أَوْ غَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ تَكْبِيرَتَيْنِ لِلْإِمَامَيْنِ مُتَلَاحِقَتَيْنِ ، وَهُمَا خَارِجُ الْمَسْجِدِ فَأَخْبَرَاهُمْ بِالْحَالِ وَلَمْ يَعْرِفَا الْمُتَقَدِّمَةَ فَلَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ ، خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ أَيْضًا ، وَفِيمَا يَلْزَمُهُمْ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ ( أَحَدُهُمَا ) : الْجُمُعَةُ وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ ( وَالثَّانِي ) : الظُّهْرُ ، وَصَحَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ ، قَالُوا : ، وَهُوَ الْقِيَاسُ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَدَلِيلُ الْقَوْلَيْنِ مَا سَبَقَ فِي الصُّورَةِ الرَّابِعَةِ . وَلَوْ كَانَ السُّلْطَانُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ الْأَخِيرَةِ مَعَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ - فَإِنْ قُلْنَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى : الْجُمُعَةُ هِيَ السَّابِقَةُ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ - فَلَا أَثَرَ لِحُضُورِهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : الْجُمُعَةُ هِيَ الَّتِي فِيهَا السُّلْطَانُ فَهُنَا أُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ ثُمَّ أُخْبِرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَنَّ أَرْبَعِينَ أَقَامُوهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْبَلَدِ وَفَرَغُوا مِنْهَا قَبْلَ إحْرَامِهِ أَتَمَّهَا ظُهْرًا . قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَلَوْ اسْتَأْنَفُوا الظُّهْرَ كَانَ أَفْضَلَ . ( فَرْعٌ ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ( وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ حُكِمَ بِبُطْلَانِهِمَا ) ، وَفِيمَا يَلْزَمُهُمْ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) : الْجُمُعَةُ ( وَالثَّانِي ) : الظُّهْرُ ، قَالَ : ( وَإِنْ عُلِمَتْ السَّابِقَةُ مِنْهُمَا ثُمَّ أَشْكَلَتْ ، حُكِمَ بِبُطْلَانِهِمَا ) هَذَا مِمَّا يُنْكَرُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ جَزَمَ بِبُطْلَانِهِمَا فِي الصُّورَتَيْنِ مَعَ أَنَّ الْأَصَحَّ فِي الصُّورَتَيْنِ وُجُوبُ الظُّهْرِ ، وَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ الظُّهْرَ فَكَيْفَ تَكُونُ الْجُمُعَةُ بَاطِلَةً ، فَإِنَّهَا لَوْ بَطَلَتْ وَجَبَ إعَادَتُهَا قَطْعًا ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ : لَمْ تُجْزِئْ الْجُمُعَةُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ . وَفِيمَا يَلْزَمُهُمْ قَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) : الظُّهْرُ لِوُقُوعِ جُمُعَةٍ صَحِيحَةٍ ( وَالثَّانِي ) : الْجُمُعَةُ ; لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تُجْزِئْ فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ ، وَهَذَا مُرَادُ الْمُصَنِّفِ ، وَلَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ إبْهَامٌ وَضَرْبُ تَنَاقُضٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية