الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : ( وَإِنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ فَفِيهِ قَوْلَانِ ، قَالَ فِي الْقَدِيمِ : لَهُ أَنْ يَقْصُرَ لِأَنَّهَا صَلَاةُ سَفَرٍ فَكَانَ قَضَاؤُهَا كَأَدَائِهَا فِي الْعَدَدِ ، كَمَا لَوْ فَاتَتْهُ فِي الْحَضَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ . وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ تَعَلَّقَ بِعُذْرٍ فَزَالَ بِزَوَالِ الْعُذْرِ ، كَالْقُعُودِ فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ ، وَإِنْ فَاتَتْهُ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ فَفِيهِ قَوْلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) : لَا يَقْصُرُ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ رُدَّتْ مِنْ أَرْبَعٍ إلَى رَكْعَتَيْنِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهَا الْوَقْتُ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ ( وَالثَّانِي ) : لَهُ أَنْ يَقْصُرَ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ تَخْفِيفٌ تَعَلَّقَ بِعُذْرٍ وَالْعُذْرُ بَاقٍ فَكَانَ التَّخْفِيفُ بَاقِيًا فَأَرَادَ قَضَاءَهَا كَالْقُعُودِ فِي صَلَاةِ الْمَرِيضِ . وَإِنْ فَاتَتْهُ فِي الْحَضَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ صَلَاةٌ تَامَّةٌ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ . وَقَالَ الْمُزَنِيّ : لَهُ أَنْ يَقْصُرَ كَمَا لَوْ فَاتَهُ صَوْمٌ فِي الْحَضَرِ وَذَكَرَهُ فِي السَّفَرِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ ، هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الصَّوْمَ تَرَكَهُ فِي حَالِ الْأَدَاءِ وَكَانَ لَهُ تَرْكُهُ ، وَهَهُنَا فِي حَالِ الْأَدَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فَوِزَانُهُ مِنْ الصَّوْمِ أَنْ يَتْرُكَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ فِي السَّفَرِ ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) قَوْلُهُ " فَكَانَ قَضَاؤُهَا كَأَدَائِهَا فِي الْعَدَدِ " احْتِرَازٌ مِمَّنْ فَاتَتْهُ فِي الصِّحَّةِ فَقَضَاهَا فِي الْمَرَضِ قَاعِدًا أَوْ بِالتَّيَمُّمِ . ( أَمَّا حُكْمُ الْفَصْلِ ) فَقَالَ أَصْحَابُنَا : إذَا فَاتَتْهُ صَلَاةٌ فِي الْحَضَرِ فَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ إلَّا الْمُزَنِيَّ فَجَوَّزَ الْقَصْرَ ، وَإِنْ فَاتَتْهُ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ فَقَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ : يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ ( وَالثَّانِي ) : لَهُ الْقَصْرُ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ ، فَلَوْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ فَأَقَامَ وَقَدْ بَقِيَ بَعْضُ الْوَقْتِ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا فَاتَتْ بِكَمَالِهَا فِي السَّفَرِ ، صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ . أَمَّا إذَا فَاتَتْهُ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي ذَلِكَ السَّفَرِ فَقَوْلَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَعِنْدَ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالْمَحَامِلِيِّ وَجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ لَهُ الْقَصْرُ ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا تَصْحِيحَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ ( وَالثَّانِي ) يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي . وَالْمَذْهَبُ جَوَازُ الْقَصْرِ . فَعَلَى هَذَا لَوْ فَاتَتْهُ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ ثُمَّ سَافَرَ سَفَرًا آخَرَ فَقَضَى فِي السَّفَرِ الْبَاقِي هَلْ لَهُ الْقَصْرُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلْخُرَاسَانِيَّيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) لَهُ الْقَصْرُ ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَجَمَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الصُّوَرَ فَقَالَ : إذَا فَاتَتْهُ فِي السَّفَرِ فَأَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ ( أَظْهَرُهَا ) إنْ قَضَى فِي سَفَرٍ قَصَرَ وَإِنْ قَضَى فِي حَضَرٍ أَتَمَّ ( وَالثَّانِي ) : يُتِمُّ مُطْلَقًا ( وَالثَّالِثُ ) : يَقْصُرُ مُطْلَقًا ( وَالرَّابِعُ ) : إنْ قَضَى فِي ذَلِكَ السَّفَرِ قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا ( فَإِنْ قُلْنَا ) يُتِمُّ مُطْلَقًا فَشَرَعَ فِي صَلَاةٍ فِي السَّفَرِ فَخَرَجَ الْوَقْتُ فِي أَثْنَائِهَا ، فَفِيهِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي يَقَعُ بَعْضُهَا فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ أَمْ قَضَاءٌ ؟ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ رَكْعَةٌ فَأَدَاءٌ ، وَإِنْ كَانَ دُونَهَا فَقَضَاءٌ ، فَإِنْ قُلْنَا : قَضَاءً لَمْ يَقْصُرْ ، وَإِنْ قُلْنَا : أَدَاءً قَصَرَ عَلَى الصَّحِيحِ ; وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ : وَفِيهِ وَجْهٌ قَالَهُابْنُ الْقَاصِّ لَا يَقْصُرُ ، وَلَوْ فَاتَهُ صَلَاةٌ وَشَكَّ هَلْ فَاتَتْ فِي الْحَضَرِ أَمْ السَّفَرِ ؟ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ . ( فَرْعٌ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأُمِّ : لَوْ نَسِيَ الْمُسَافِرُ صَلَاةَ الظُّهْرِ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ فَصَلَّى الْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ صَارَ حَاضِرًا فِي وَقْتِهَا فَقَضَى الظُّهْرَ فِي أَوَاخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ لَزِمَهُ إتْمَامُهَا . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا قَوْلًا وَاحِدًا وَلَا يَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ نَسِيَهَا فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ ، لِأَنَّ آخِرَ وَقْتِ الْعَصْرِ هُوَ وَقْتٌ لِلظُّهْرِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ ، فَكَأَنَّهُ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا وَهُوَ حَاضِرٍ فَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ ، هَذَا كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَهَذِهِ فَائِتَةُ سَفَرٍ . وَأَمَّا نَصُّهُ فِي الْأُمِّ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِنَفْيِ الْخِلَافِ لِأَنَّهُ فِي الْأُمِّ يَقُولُ : إنَّ مَنْ فَاتَهُ صَلَاةٌ فِي السَّفَرِ فَقَضَاهَا فِي الْحَضَرِ أَتَمَّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ فِي الْأُمِّ خِلَافًا . وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا عَنْ الْأُمِّ ، وَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ مِمَّنْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْأُمِّ ، فَالصَّحِيحُ جَرَيَانُ الْقَوْلَيْنِ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية