الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { اسْتَقِيمُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ } وَلِأَنَّهَا تَجْمَعُ مِنْ الْقُرَبِ مَا لَا يَجْمَعُ غَيْرُهَا مِنْ الطَّهَارَةِ ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُمْنَعُ فِيهَا مِنْ كُلِّ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْمَشْيِ وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ . وَتَطَوُّعُهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعِ ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الْوُضُوءِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِيهِ وَفِي فَضَائِلِ الصَّلَوَاتِ قَبْلَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ رَوَيَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ بِلَفْظِهِ هُنَا ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ قَالَ : { اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ إلَخْ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ مِنْ خَيْرِ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةَ } وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبَيْهَقِيّ إثْبَاتُ ( مِنْ ) وَفِي بَعْضِهَا حَذْفُهَا وَإِسْنَادُ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِيهِ ضَعْفٌ ، وَإِسْنَادُ رِوَايَةِ ثَوْبَانَ جَيِّدٌ لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ ثَوْبَانَ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَمْ يَسْمَعْ سَالِمٌ مِنْ ثَوْبَانَ وَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مُرْسَلًا مُعْضَلًا . فَقَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ ، وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ } قَالَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ : الْزَمُوا طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ ، وَقَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَإِنَّكُمْ لَا تُطِيقُونَ جَمِيعَ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَلَنْ تُحْصُوا أَنْ تُطِيقُوا الِاسْتِقَامَةَ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ ، وَقِيلَ : لَنْ تُحْصُوا مَا لَكُمْ فِي الِاسْتِقَامَةِ مِنْ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ . ( أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ وَسَائِرِ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُسْتَظْهِرِيِّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ : اُخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : الصَّلَاةُ أَفْضَلُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ وَالصَّوْمُ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ ، قَالَ : وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَيُحْتَجُّ بِتَرْجِيحِ الصَّوْمِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعمِائَةٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي } وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدْخُلُ فِيهِ الصَّائِمُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ غَيْرُهُمْ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَمَّا الدَّلِيلُ لِتَرْجِيحِ الصَّلَاةِ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ - فَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مَشْهُورَةٌ ( مِنْهَا ) : " حَدِيثُ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ " وَقَدْ سَبَقَ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّوْمِ ، وَالْعَرَبُ تَبْدَأُ بِالْأُمِّ ( وَحَدِيثُ ) ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ ؟ وَفِي رِوَايَةٍ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْهُ : { أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنْ امْرَأَةٍ قُبْلَةً فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } فَقَالَ الرَّجُلُ : أَلِي هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ لِجَمِيعِ أُمَّتِي } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ؟ قَالُوا : لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ ، قَالَ : فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ الْبَرْدَانِ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ ، وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ، يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَعَنْ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ ، فَانْظُرْ يَا بْنَ آدَمَ لَا يُطَالِبَنَّكَ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْأَحَادِيثُ فِي الْبَابِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ . وَيُسْتَدَلُّ أَيْضًا لِتَرْجِيحِ الصَّلَاةِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَوْنِهَا تَجْمَعُ الْعِبَادَاتِ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَسْقُطُ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ مَا دَامَ مُكَلَّفًا إلَّا فِي حَقِّ الْحَائِضِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَإِنْ قِيلَ ) قَوْلُ الْمُصَنِّفِ : وَتَطَوُّعُهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعِ يُرَدُّ عَلَيْهِ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ الصَّلَاةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَسَائِرُ الْفُقَهَاءِ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ . فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْإِيرَادَ غَلَطٌ وَغَفْلَةٌ مِنْ مُورِدِهِ ; لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا تَطَوُّعٌ ، وَكَلَامُنَا هُنَا فِي التَّطَوُّعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية