الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { حَقٌّ وَسُنَّةٌ أَنْ لَا يُؤَذِّنَ لَكُمْ أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ } وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى طَهَارَةٍ انْصَرَفَ لِأَجْلِ الطَّهَارَةِ فَيَجِيءُ مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا فَيَنْصَرِفُ ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ ; لِأَنَّ الَّذِي رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ كَانَ عَلَى جِذْمِ حَائِطٍ ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ } وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا وَهُوَ رَاكِبٌ أَذَّنَ قَاعِدًا كَمَا يُصَلِّي قَاعِدًا . وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَسْتَدِيرُ ، لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " رَأَيْتُ بِلَالًا خَرَجَ إلَى الْأَبْطُحِ فَأَذَّنَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ " وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ جِهَةٍ فَجِهَةُ الْقِبْلَةِ أُولَى ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ قَالَ : { رَأَيْتُ بِلَالًا وَأُصْبُعَاهُ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ } وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ لِلصَّوْتِ ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) أَمَّا حَدِيثُ وَائِلٍ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ مُرْسَلٌ ، ; لِأَنَّ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ عَبْدَ الْجَبَّارِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : إنَّمَا وُلِدَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِيهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، وَحُجْرٌ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ جِيمٍ سَاكِنَةٍ ، وَكُنْيَةُ وَائِلٍ أَبُو هُنَيْدَةَ ، وَهُوَ مِنْ بَقَايَا مُلُوكِ حِمْيَرَ ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَعَاشَ إلَى أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ; لِأَنَّ الَّذِي رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ كَانَ عَلَى جِذْمِ حَائِطٍ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد مَعْنَاهُ ، قَالَ : ( قَامَ عَلَى الْمَسْجِدِ ) وَجِذْمُ الْحَائِطِ أَصْلُهُ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ . وَأَمَّا حَدِيثُ { يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ } فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ فَصَحِيحَانِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ " رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا يَمِينًا وَشِمَالًا ، يَقُول حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد " فَلَمَّا بَلَغَ : حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ " وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَفِي رِوَايَةِالتِّرْمِذِيِّ : " رَأَيْتُ بِلَالًا يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا وَأُصْبُعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَأَبُو جُحَيْفَةَ بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاسْمُهُ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَقِيلَ وَهْبُ اللَّهِ السُّوَائِيُّ بِضَمِّ السِّينِ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ ، قِيلَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ . ( أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ ) فَفِيهِ مَسَائِلُ ( إحْدَاهَا ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى طَهَارَةٍ فَإِنْ أَذَّنَ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ أَوْ أَقَامَ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ صَحَّ أَذَانُهُ وَإِقَامَتُهُ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ ، نَصَّ عَلَى كَرَاهَتِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهَا ، وَدَلِيلُنَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَعَ مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالُوا : وَالْكَرَاهَةُ فِي الْجُنُبِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْمُحْدِثِ ، وَفِي الْإِقَامَةِ أَغْلَظُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْأُمِّ : وَلَوْ ابْتَدَأَ فِي الْأَذَانِ طَاهِرًا ثُمَّ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ بَنَى عَلَى أَذَانِهِ وَلَمْ يَقْطَعْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ حَدَثُهُ جَنَابَةً أَوْ غَيْرَهَا . قَالَ وَلَوْ قَطَعَهُ وَتَطَهَّرَ ثُمَّ رَجَعَ بَنَى عَلَى أَذَانِهِ ، وَلَوْ اسْتَأْنَفَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ . هَذَا نَصُّهُ : وَتَابَعَهُ الْأَصْحَابُ . قَالُوا : وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ إتْمَامُهُ ، وَلَا يَقْطَعُهُ ، لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ . وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ إذَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ طُولًا فَاحِشًا ، وَإِنْ طَالَ طُولًا غَيْرَ فَاحِشٍ فَفِي صِحَّةِ الْبِنَاءِ طَرِيقَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ : ( أَحَدُهُمَا ) يَصِحُّ الْبِنَاءُ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ ( وَالثَّانِي ) فِيهِ قَوْلَانِ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِذَا أَذَّنَ أَوْ أَقَامَ وَهُوَ جُنُبٌ فِي الْمَسْجِدِ أَثِمَ بِلُبْثِهِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَصَحَّ أَذَانُهُ وَإِقَامَتُهُ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ حُصُولُ الْإِعْلَامِ وَقَدْ حَصَلَ ، وَالتَّحْرِيمُ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ : وَكَذَا لَوْ أَذَّنَ الْجُنُبُ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ يَأْثَمُ وَيَصِحُّ أَذَانُهُ . قَالَ : وَالرَّحْبَةُ كَالْمَسْجِدِ فِي التَّحْرِيمِ عَلَى الْجُنُبِ ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ : وَلَوْ أَذَّنَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ أَثِمَ وَأَجْزَأَهُ . ( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَذَانِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ أَذَانَ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ وَإِقَامَتَهُمَا صَحِيحَانِ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَصِحُّ أَذَانُهُ وَلَا إقَامَتُهُ ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ مَالِكٌ يَصِحُّ الْأَذَانُ وَلَا يُقِيمُ إلَّا مُتَوَضِّئًا ، وَأَصَحُّ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ حَدِيثُ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى تَوَضَّأَ ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إلَيَّ فَقَالَ : إنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إلَّا عَلَى طُهْرٍ ، أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ } حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ . وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، هَكَذَا قَالَ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا هُرَيْرَةَ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية