الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب

                                      قال المصنف - رحمه الله تعالى ( وإن كانت ناسية لوقت الحيض ذاكرة العدد  ، فكل زمن تيقنا فيه الحيض ألزمناها اجتناب ما تجتنبه الحائض ، وكل زمان تيقنا فيه طهرها أبحنا فيه ما يباح للطاهر وأوجبنا ما يجب على الطاهر ، وكل زمان شككنا في طهرها حرمنا وطأها وأوجبنا ما يجب على الطاهر احتياطا ، وكل زمان جوزنا فيه انقطاع الحيض أوجبنا عليها أن تغتسل فيه للصلاة ، ويعرف ذلك بتنزيل أحوالها ، ونذكر من ذلك مسائل تدل على جميع أحكامها إن شاء الله - تعالى - وبه الثقة . فإذا قالت : كان حيضي عشرة أيام من الشهر لا أعرف وقتها لم يكن لها حيض  ولا طهر بيقين ; لأنه يمكن في كل وقت أن تكون حائضا ويمكن أن تكون [ ص: 498 ] طاهرا ، فيجعل زمانها في الصلاة والصوم زمان الطهر ، وتتوضأ في العشر الأول لكل فريضة ، ولا تغتسل ، ; لأنه لا يمكن انقطاع الدم فيه ، فإذا مضى العشر أمرناها بالغسل لإمكان انقطاع الدم ، ثم نلزمها بعد ذلك أن تغتسل لكل صلاة إلى آخر الشهر ; لأن كل وقت من ذلك يمكن انقطاع الدم فيه ، فإن عرفت وقتا من اليوم كان ينقطع دمها فيه ألزمناها أن تغتسل كل يوم في ذلك الوقت ، ولا يلزمها أن تغتسل في غيره ; لأنا قد علمنا وقت انقطاع دمها من اليوم . وإن قالت : كنت أحيض إحدى العشرات الثلاث من الشهر فليس لها حيض ولا طهر بيقين ، فنجعل زمانها زمان الطهر فتصلي من أول الشهر وتتوضأ لكل فريضة وتغتسل في آخر كل عشر لإمكان انقطاع الدم فيه ، وإن قالت : حيضي ثلاثة أيام في العشر الأول من الشهر  فليس لها حيض ولا طهر بيقين في هذه العشرة ، فتصلي من أول العشر ثلاثة أيام بالوضوء ثم تغتسل لكل صلاة ، [ إلى آخر العشر ] إلا أن تعرف انقطاع الدم في وقت بعينه فتغتسل ذلك الوقت في كل يوم وتتوضأ في غيره .

                                      وإن قالت : كان حيضي أربعة أيام من العشر الأول  صلت بالوضوء أربعة أيام ثم تغتسل لكل صلاة ، [ إلى آخر العشر ] وعلى هذا التنزيل في الخمس والست والسبع والثمان والتسع ، فإن علمت يقين طهرها في وقت بأن قالت : كان حيضي عشرة أيام في كل شهر ، وأعلم أني كنت في العشر الأخيرة طاهرا   . فإنها في العشر الأول تتوضأ لكل صلاة ; لأنه لا يحتمل انقطاع الدم فيه ، فإذا مضت العشر اغتسلت لكل صلاة ، إلا أن تعلم انقطاع الدم في وقت بعينه فتغتسل فيه دون غيره ، وفي العشر الثالثة طاهر بيقين فتتوضأ لكل فريضة . وإن قالت : كان حيضي خمسة أيام في العشر الأول وكنت في اليوم الأول من العشر الأول طاهرا  ، ففي اليوم الأول طهر بيقين فتتوضأ فيه لكل صلاة فريضة وفي اليوم الثاني والثالث والرابع والخامس طهر مشكوك فيه فتتوضأ فيه لكل فريضة ، والسادس حيض بيقين ، فإنه على أي تنزيل نزلنا لم يخرج اليوم السادس منه ، فتترك فيه ما تترك الحائض ثم تغتسل في آخره لإمكان انقطاع الدم فيه ، ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة إلى آخر العاشر ، ثم تدخل في طهر بيقين فتتوضأ لكل فريضة ، وإن قالت : كان حيضي ستة أيام في العشر الأول  ، كان لها يوما حيض بيقين ، وهما الخامس والسادس ، ; لأنه إن ابتدأ الحيض من أول العشر فآخره السادس ، وإن ابتدأ من الخامس فآخره العاشر ، والخامس والسادس داخلان فيه بكل حال . وإن قالت : كان حيضي سبعة أيام من العشر الأول  حصل لها أربعة أيام حيض بيقين ، وهي من الرابع إلى السابع ، وإن قالت : ثمانية كان حيضها بيقين ستة من الثالث إلى آخر الثامن .

                                      فإن قالت : تسعة كان ثمانية من الثاني إلى آخر التاسع لما بينا وإن قالت : كان حيضي في كل شهر عشرة أيام لا أعرفها وكنت في اليوم السادس طاهرا فإنها من أول الشهر إلى آخر السادس في طهر بيقين . ومن السابع إلى آخر الشهر في طهر مشكوك فيه ، فتتوضأ لكل فريضة إلى أن [ ص: 499 ] يمضي عشرة أيام بعد السادس ، ثم تغتسل لامكان انقطاع الدم فيه ، ثم تغتسل بعد ذلك لكل صلاة ، إلا أن تعرف الوقت الذي كان ينقطع فيه الدم فتغتسل كل يوم فيه دون غيره .

                                      وإن قالت : كان حيضي في كل شهر خمسة أيام لا أعرف موضعها وأعلم إني كنت في الخمسة الأخيرة طاهرا وأعلم أن لي طهرا صحيحا غيرها في كل شهر ، فإنه يحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الأولى والباقي طهرا ، ويحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الثانية والباقي طهرا ، ولا يجوز أن يكون في الخمسة الثالثة ; لأن ما قبلها وما بعدها دون أقل الطهر ، ويحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الرابعة ويكون ما قبلها طهرا ، ويحتمل أن يكون حيضها في الخمسة الخامسة ويكون ما قبلها طهرا فيلزمها أن تتوضأ لكل صلاة في الخمسة الأولى وتصلي ; لأنه طهر مشكوك فيه ، ثم تغتسل لكل فريضة من أول السادس إلى آخر العاشر ; لأنه طهر مشكوك فيه ، ويحتمل انقطاع الدم في كل وقت منه ومن أول الحادي عشر إلى آخر الخامس عشر تتوضأ لكل فريضة ; لأنه طهر بيقين ، ومن أول السادس عشر تتوضأ لكل صلاة إلى آخر العشرين ; لأنه طهر مشكوك فيه لا يحتمل انقطاع الحيض فيه ، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الخامس والعشرين ; لأنه طهر مشكوك فيه ، وتغتسل لكل صلاة ; لأنه يحتمل انقطاع الحيض في كل وقت منها ، ومن أول السادس والعشرين إلى آخر الشهر تتوضأ لكل فريضة ; لأنه طهر بيقين . وإن علمت يقين الحيض في بعض الأيام بأن قالت : كان حيضي في كل شهر عشرة أيام وكنت أكون في اليوم العاشر حائضا ، فإنه يحتمل أن يكون العاشر آخر حيضها ويكون ابتداؤها من أول الشهر ويحتمل أن يكون العاشر أول حيضها فيكون آخره التاسع عشر ، ويحتمل أن يكون ابتداؤها ما بين اليوم الأول من الشهر واليوم العاشر ، فهي من أول الشهر إلى اليوم التاسع في طهر مشكوك فيه ، ولا يحتمل انقطاع الدم فيه فتتوضأ لكل صلاة وتصلي ، واليوم العاشر يكون حيضا بيقين ، تترك فيه ما يجب على الحائض تركه وتغتسل في آخره ، ثم تغتسل لكل صلاة إلى تمام التاسع عشر ، إلا أن تعلم انقطاع الدم في وقت بعينه فتغتسل فيه من الوقت إلى الوقت ، ثم بعد ذلك في طهر بيقين إلى آخر الشهر ، فتتوضأ لكل صلاة فريضة .

                                      فإن قالت : كان حيضي في كل شهر عشرة أيام ، ولي في كل شهر طهر صحيح ، وكنت في اليوم الثاني عشر حائضا ، فإنها في خمسة عشر يوما من آخر الشهر في طهر بيقين ، وفي اليوم الأول والثاني من أول الشهر في طهر بيقين ، وفي الثالث والرابع والخامس في طهر مشكوك فيه ، تتوضأ فيه لكل فريضة ، وفي السادس إلى تمام الثاني عشر في حيض بيقين ، ومن الثالث عشر إلى تمام الخامس عشر في طهر مشكوك فيه ، ويحتمل انقطاع الحيض في كل وقت منها فتغتسل لكل صلاة . وإن قالت : كان حيضي خمسة أيام من العشر الأول ، وكنت في اليوم الثاني من الشهر طاهرا وفي اليوم الخامس حائضا ، فإنه يحتمل أن يكون ابتداء حيضها من الثالث وآخره إلى تمام السابع ، ويحتمل أن يكون من الرابع وآخره إلى [ ص: 500 ] تمام الثامن ، ويحتمل أن يكون ابتداؤه من الخامس وآخره تمام التاسع ، فاليوم الأول والثاني طهر بيقين ، والثالث والرابع طهر مشكوك فيه ، والخامس والسادس والسابع حيض بيقين ، ثم تغتسل في آخر السابع ، فيكون ما بعده إلى تمام التاسع طهرا مشكوكا فيه تغتسل فيه لكل صلاة .

                                      وإن قالت : كان لي في كل شهر حيضتان ولا أعلم موضعهما ولا عددهما  ، فإن الشيخ أبا حامد الإسفراييني - رحمه الله - ذكر أن أقل ما يحتمل أن يكون حيضها يوما من أول الشهر ويوما من آخره ويكون ما بينهما طهرا . وأكثر ما يحتمل أن يكون حيضها أربعة عشر يوما من أول الشهر أو من آخره ويوما وليلة من أول الشهر أو من آخره ويكون بينهما خمسة عشر يوما طهرا ، ويحتمل ما بين الأقل والأكثر فيلزمها أن تتوضأ وتصلي في اليوم الأول من الشهر ; لأنه طهر مشكوك فيه ، ثم تغتسل لكل صلاة إلى آخر الرابع عشر لاحتمال انقطاع الدم فيه ، ويكون الخامس عشر والسادس عشر طهرا بيقين ; لأنه إن كان ابتداء الطهر في اليوم الثاني ، فاليوم السادس عشر آخره . وإن كان من الخامس عشر ، فالخامس عشر والسادس عشر داخل في الطهر ، ومن السابع عشر إلى آخر الشهر طهر مشكوك فيه . وقال شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري - رحمه الله - : هذا خطأ ; لأنا إذا نزلناها هذا التنزيل لم يجز أن يكون هذا حالها في الشهر الذي بعده ، بل يجب أن تكون في سائر الشهور كالمتحيرة الناسية لأيام حيضها ووقته ، فتغتسل لكل صلاة ولا يطؤها الزوج . وتصوم رمضان وتقضيه على ما بيناه ) .

                                      التالي السابق



                                      الخدمات العلمية