الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . اعْلَمْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا أَمَرَنَا فِي الْآيَةِ السَّالِفَةِ بِتَنَاوُلِ الْحَلَالِ فَصَّلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْوَاعَ الْحَرَامِ . وَالْكَلَامُ فِيهَا عَلَى نَوْعَيْنِ : النَّوْعُ الْأَوَّلُ : مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّفْسِيرِ . وَالنَّوْعُ الثَّانِي : مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي اسْتَنْبَطَهَا الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ . فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ فِيهِ مَسَائِلُ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ ( إِنَّمَا ) عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ حَرْفًا وَاحِدًا ، كَقَوْلِكَ : إِنَّمَا دَارِي دَارُكَ ، وَإِنَّمَا مَالِي مَالُكَ . الثَّانِي : أَنْ تَكُونَ ( مَا ) مُنْفَصِلَةً مِنْ : " إِنَّ " وَتَكُونُ ( مَا ) بِمَعْنَى الَّذِي ، كَقَوْلِكَ : إِنَّ مَا أَخَذْتَ مَالُكَ ، وَإِنَّ مَا رَكِبْتَ دَابَّتُكَ ، وَجَاءَ فِي التَّنْزِيلِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ؛ أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ : ( إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) [ النِّسَاءِ : 171 ] وَ ( إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ) [ هُودٍ : 12 ] . وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَقَوْلُهُ : ( إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ) [ طه : 69 ] وَلَوْ نَصَبْتَ " كَيْدَ سَاحِرٍ " عَلَى أَنْ تَجْعَلَ " إِنَّمَا " حَرْفًا وَاحِدًا كَانَ صَوَابًا ، وَقَوْلُهُ : ( إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ) [ الْعَنْكَبُوتِ : 25 ] تَنْصِبُ الْمَوَدَّةَ وَتَرْفَعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ " إِنَّمَا " تُفِيدُ الْحَصْرَ ، وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ وَالشِّعْرِ وَالْقِيَاسِ ؛ أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ) [ النِّسَاءِ : 171 ] أَيْ مَا هُوَ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ ، وَقَالَ : ( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ) [ التَّوْبَةِ : 60 ] أَيْ لَهُمْ لَا لِغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) [ الْكَهْفِ : 110 ] أَيْ مَا أَنَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، وَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى : ( قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ) [ الْأَنْعَامِ : 145 ] فَصَارَتِ الْآيَتَانِ وَاحِدَةً ، فَقَوْلُهُ : ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ) فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ : ( قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ) إِلَّا كَذَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ ، وَأَمَّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ الْأَعْشَى : وَلَسْتُ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرِ وَقَوْلُ الْفَرَزْدَقِ : أَنَا الذَّائِدُ الْحَامِي الذِّمَارَ وَإِنَّمَا يُدَافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِ أَنَا أَوْ مِثْلِي وَأَمَّا الْقِيَاسُ ، فَهُوَ أَنَّ كَلِمَةَ " إِنَّ " لِلْإِثْبَاتِ وَكَلِمَةَ ( مَا ) لِلنَّفْيِ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَبْقَيَا عَلَى أَصْلَيْهِمَا ؛ فَإِمَّا أَنْ يُفِيدَا ثُبُوتَ غَيْرِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيَ الْمَذْكُورِ - وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ - أَوْ ثُبُوتَ الْمَذْكُورِ وَنَفْيَ غَيْرِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَا يُفِيدُ الْحَصْرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ) [ هُودٍ : 12 ] وَلَقَدْ كَانَ غَيْرُهُ نَذِيرًا ، وَجَوَابُهُ ؛ مَعْنَاهُ : مَا أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ فَهُوَ يُفِيدُ الْحَصْرَ ، وَلَا يَنْفِي وُجُودَ نَذِيرٍ آخَرَ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قُرِئَ ( حَرَّمَ ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَ ( حُرِّمَ ) لِلْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَ ( حَرُمَ ) بِوَزْنِ كَرُمَ .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية