الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) فَفِيهِ مَسَائِلُ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْمُرَادُ مِنَ الْوَجْهِ هَاهُنَا جُمْلَةُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِجُمْلَتِهِ لَا بِوَجْهِهِ فَقَطْ ، وَالْوَجْهُ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ نَفْسُ الشَّيْءِ ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ ، وَلِأَنَّ بِالْوَجْهِ تُمَيَّزُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ ، فَلِهَذَا السَّبَبِ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْ كُلِّ الذَّاتِ بِالْوَجْهِ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الشَّطْرُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : النِّصْفُ يُقَالُ : شَطَرْتُ الشَّيْءَ أَيْ جَعَلْتُهُ نِصْفَيْنِ ، وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ أَجْلِبُ جَلْبًا لَكَ شَطْرُهُ أَيْ نِصْفُهُ . وَالثَّانِي : نَحْوَهُ وَتِلْقَاءَهُ وِجْهَتَهُ ، وَاسْتَشْهَدَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي كِتَابِ " الرِّسَالَةِ " عَلَى هَذَا بِأَبْيَاتٍ أَرْبَعَةٍ : قَالَ خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ : أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا رَسُولًا وَمَا تُغْنِي الرِّسَالَةُ شَطْرَ عَمْرِو وَقَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ : أَقُولُ لِأُمِّ زِنْبَاعٍ : أَقِيمِي صُدُورَ الْعِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ وَقَالَ لَقِيطٌ الْإِيَادِيُّ : وَقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ شِعْرِكُمُ هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ يَغْشَاكُمُ قِطَعَا وَقَالَ آخَرُ : إِنَّ الْعَسِيرَ بِهَا دَاءٌ مُخَامِرُهَا فَشَطْرُهَا بَصَرُ الْعَيْنَيْنِ مَسْحُورُ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : يُرِيدُ تِلْقَاءَهَا بَصَرُ الْعَيْنَيْنِ مَسْحُورٌ ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ : فِي الْآيَةِ قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ ، وَاخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ : أَنَّ الْمُرَادَ : جِهَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتِلْقَاءَهُ وَجَانِبَهُ ، قَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ " تِلْقَاءَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ " . الْقَوْلُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ الْجُبَّائِيِّ وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الشَّطْرِ هَاهُنَا : وَسَطُ الْمَسْجِدِ وَمُنْتَصَفُهُ ؛ لِأَنَّ الشَّطْرَ هُوَ النِّصْفُ ، وَالْكَعْبَةُ وَاقِعَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فِي النِّصْفِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ ، فَلَمَّا كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ التَّوَجُّهُ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ وَاقِعَةً فِي نِصْفِ الْمَسْجِدِ حَسُنَ مِنْهُ تَعَالَى أَنْ يَقُولَ : ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) يَعْنِي النِّصْفَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ ، وَكَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ بُقْعَةِ الْكَعْبَةِ ، قَالَ الْقَاضِي : وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْنَا وَجْهَانِ . الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمُصَلِّيَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَوْ وَقَفَ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إِلَى مُنْتَصَفِ الْمَسْجِدِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ . الثَّانِي : أَنَّا لَوْ فَسَّرْنَا الشَّطْرَ بِالْجَانِبِ لَمْ يَبْقَ لِذِكْرِ الشَّطْرِ مَزِيدُ فَائِدَةٍ ؛ لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَدْ حَصَلَتِ الْفَائِدَةُ الْمَطْلُوبَةُ ، أَمَّا لَوْ فَسَّرْنَا الشَّطْرَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ كَانَ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ ، فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ : فَوَلِّ وَجْهَكَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ وُجُوبُ التَّوَجُّهِ إِلَى مُنْتَصَفِهِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْكَعْبَةِ ، فَلَمَّا قِيلَ : ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) حَصَلَتْ هَذِهِ الْفَائِدَةُ الزَّائِدَةُ ، فَكَانَ حَمْلُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى هَذَا الْمَحْمَلِ أَوْلَى ، فَإِنْ قِيلَ : لَوْ حَمَلْنَا الشَّطْرَ عَلَى الْجَانِبِ يَبْقَى لِذِكْرِ الشَّطْرِ فَائِدَةٌ زَائِدَةٌ ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : فَوَلِّ وَجْهَكَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي أَقْصَى الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُوَلِّيَ وَجْهَهُ الْمَسْجِدَ ، أَمَّا إِذَا قَالَ : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، أَيْ جَانِبَ الْمَسْجِدِ ، دَخَلَ فِيهِ الْحَاضِرُونَ وَالْغَائِبُونَ ، قُلْنَا : هَذِهِ الْفَائِدَةُ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ قَوْلِهِ : ( وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) فَلَا يَبْقَى لِقَوْلِهِ : شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ زِيَادَةُ فَائِدَةٍ ، هَذَا تَقْرِيرُ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ : فَوَلِّ وَجْهَكَ نِصْفَ الْمَسْجِدِ وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ هَذَا التَّكْلِيفَ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالنِّصْفِ ، وَفَرْقٌ بَيْنَ النِّصْفِ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ يُقْبَلُ التَّنْصِيفُ ، وَالْكَلَامُ إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الثَّانِي ، إِلَّا أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ ؟ يُحْكَى فِي كِتَابِ " شَرْحِ السُّنَّةِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ ، وَالْمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ ، وَالْحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْقِبْلَةُ هِيَ الْكَعْبَةُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا أُخْرِجَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، قَالَ : لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ ، فَلَمَّا خَرَجَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ : هَذِهِ الْقِبْلَةُ ، قَالَ الْقَفَّالُ : وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ الْكَثِيرَةُ فِي صَرْفِ الْقِبْلَةِ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَفِي خَبَرِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ : ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَفِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ فِي صَلَاةِ أَهْلِ قُبَاءَ : فَأَتَاهُمْ آتٍ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُوِّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ : جَاءَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ فَنَادَى : إِنَّ الْقِبْلَةَ حُوِّلَتْ إِلَى الْكَعْبَةِ ، وَهَكَذَا عَامَّةُ الرِّوَايَاتِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الْمُرَادُ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ كُلُّهُ ، قَالُوا : لِأَنَّ الْكَلَامَ يَجِبُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهِ إِلَّا إِذَا مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ ، وَقَالَ آخَرُونَ : الْمُرَادُ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْحَرَمُ كُلُّهُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) [ الْإِسْرَاءِ : 1 ] وَهُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِنَّمَا أُسْرِيَ بِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْحَرَمَ كُلَّهُ مُسَمًّى بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية