الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى ) فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ لَظَى كَيْفَ تَدْعُو الْكَافِرَ ، فَذَكَرُوا وُجُوهًا : أَحَدُهَا : أَنَّهَا تَدْعُوهُمْ بِلِسَانِ الْحَالِ كَمَا قِيلَ : سَلِ الْأَرْضَ مَنْ شَقَّ أَنْهَارَكِ ، وَغَرَسَ أَشْجَارَكِ ؟ فَإِنْ لَمْ تُجِبْكَ جُؤَارًا ، أَجَابَتْكَ اعْتِبَارًا . فَهَهُنَا لَمَّا كَانَ مَرْجِعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا جَهَنَّمَ ، كَأَنَّ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ تَدْعُوهُمْ وَتُحْضِرُهُمْ . وَثَانِيهَا : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ الْكَلَامَ فِي جِرْمِ النَّارِ حَتَّى تَقُولَ صَرِيحًا : إِلَيَّ يَا كَافِرُ ، إِلَيَّ يَا مُنَافِقُ ، ثُمَّ تَلْتَقِطُهُمُ الْتِقَاطَ الْحَبِّ . وَثَالِثُهَا : الْمُرَادُ أَنَّ زَبَانِيَةَ النَّارِ يَدْعُونَ فَأُضِيفَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ إِلَى النَّارِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ . وَرَابِعُهَا : تَدْعُو تُهْلِكُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ دَعَاكَ اللَّهُ أَيْ أَهْلَكَكَ ، وَقَوْلُهُ : ( مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ) يَعْنِي مَنْ أَدْبَرَ عَنِ الطَّاعَةِ وَتَوَلَّى عَنِ الْإِيمَانِ ( وَجَمَعَ ) الْمَالَ ( فَأَوْعَى ) أَيْ : جَعَلَهُ فِي وِعَاءٍ وَكَنَزَهُ ، وَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ وَالْحُقُوقَ الْوَاجِبَةَ فِيهَا فَقَوْلُهُ : ( أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ) إِشَارَةٌ إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ، وَقَوْلُهُ : ( وَجَمَعَ فَأَوْعَى ) إِشَارَةٌ إِلَى حُبِّ الدُّنْيَا ، فَجَمَعَ إِشَارَةٌ إِلَى الْحِرْصِ ، وَأَوْعَى إِشَارَةٌ إِلَى الْأَمَلِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَجَامِعَ آفَاتِ الدِّينِ لَيْسَتْ إِلَّا هَذِهِ . قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) فِيهِ مَسَائِلُ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ بَعْضُهُمْ : الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ هَهُنَا الْكَافِرُ ، وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْهُ إِلَّا الْمُصَلِّينَ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : يُقَالُ هَلَعُ الرَّجُلُ يَهْلَعُ هَلَعًا وَهَلَاعًا فَهُوَ هَالِعٌ وَهَلُوعٌ ، وَهُوَ شِدَّةُ الْحِرْصِ وَقِلَّةُ الصَّبْرِ ، يُقَالُ : جَاعَ فَهَلَعَ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْهَلُوعُ الضَّجُورُ ، وَقَالَ الْمُبَرِّدُ : الْهَلَعُ الضَّجَرُ ، يُقَالُ : نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْهَلَعِ عِنْدَ مُنَازَلَةِ الْأَقْرَانِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى ، قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ : مَا الْهَلَعُ ؟ فَقُلْتُ : قَدْ فَسَّرَهُ اللَّهُ ، وَلَا تَفْسِيرَ أَبْيَنُ مِنْ تَفْسِيرِهِ ، هُوَ الَّذِي إِذَا نَالَهُ شَرٌّ أَظْهَرَ شِدَّةَ الْجَزَعِ ، وَإِذَا نَالَهُ خَيْرٌ بَخِلَ وَمَنَعَهُ النَّاسَ . الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ) نَظِيرٌ لِقَوْلِهِ : ( خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ) [الْأَنْبِيَاءِ : 37] وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّهُ عَلَيْهِ وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَذُمُّ فِعْلَهُ ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَاهَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي تَرْكِ هَذِهِ الْخَصْلَةِ الْمَذْمُومَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ ضَرُورِيَّةً حَاصِلَةً بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَمَا قَدَرُوا عَلَى تَرْكِهَا . وَاعْلَمْ أَنَّ الْهَلَعَ لَفْظٌ وَاقِعٌ عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْحَالَةُ النَّفْسَانِيَّةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا يَقْدُمُ الْإِنْسَانُ عَلَى إِظْهَارِ الْجَزَعِ وَالتَّضَرُّعِ . وَالثَّانِي : تِلْكَ الْأَفْعَالُ الظَّاهِرَةُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالَّةُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ النَّفْسَانِيَّةِ ، أَمَّا تِلْكَ الْحَالَةُ النَّفْسَانِيَّةُ فَلَا شَكَّ أَنَّهَا تَحْدُثُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ مَنْ خُلِقَتْ نَفْسُهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يُمْكِنُهُ إِزَالَةُ تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ نَفْسِهِ ، وَمَنْ خُلِقَ شُجَاعًا بَطَلًا لَا يُمْكِنُهُ إِزَالَةُ تِلْكَ الْحَالَةِ عَنْ نَفْسِهِ بَلِ الْأَفْعَالُ الظَّاهِرَةُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ يُمْكِنُهُ تَرْكُهَا وَالْإِقْدَامُ عَلَيْهَا فَهِيَ أُمُورٌ اخْتِيَارِيَّةٌ ، أَمَّا الْحَالَةُ النَّفْسَانِيَّةُ الَّتِي هِيَ الْهَلَعُ فِي الْحَقِيقَةِ فَهِيَ مَخْلُوقَةٌ عَلَى سَبِيلِ الِاضْطِرَارِ .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية