الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            الْحُجَّةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : الْمَلَكُ أَعْلَمُ مِنَ الْبَشَرِ ، وَالْأَعْلَمُ أَفْضَلُ فَالْمَلَكُ أَفْضَلُ إِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْمَلَكَ أَعْلَمُ مِنَ الْبَشَرِ ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مُعَلِّمًا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) [النَّجْمِ : 5] وَالْمُعَلِّمُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنَ الْمُتَعَلِّمِ ، وَأَيْضًا فَالْعُلُومُ قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا : الْعُلُومُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا بِالْعُقُولِ كَالْعِلْمِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ ، فَلَا يَجُوزُ وُقُوعُ التَّقْصِيرِ فِيهَا لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ فِي ذَلِكَ جَهْلٌ وَهُوَ قَادِحٌ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَمَّا الْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ ، وَالْعِلْمُ بِأَحْوَالِ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَطِبَاقِ السَّمَاوَاتِ وَأَصْنَافِ الْمَلَائِكَةِ وَأَنْوَاعِ الْحَيَوَانَاتِ فِي الْمَغَاوِرِ وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ فَلَا شَكَّ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْلَمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَطْوَلُ عُمْرًا وَأَكْثَرُ مُشَاهَدَةً لَهَا فَكَانَ عِلْمُهُ بِهَا أَكْثَرَ وَأَتَمَّ . وَثَانِيهَا : الْعُلُومُ الَّتِي لَا يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْوَحْيِ لَا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا لِسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَضِيلَةٌ فِيهَا عَلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَأَمَّا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهُوَ كَانَ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ ، فَكَانَ عَالِمًا بِكُلِّ الشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ وَالْحَاضِرَةِ ، وَهُوَ أَيْضًا عَالِمٌ بِشَرَائِعِ الْمَلَائِكَةِ وَتَكَالِيفِهِمْ ، وَمُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ ، فَثَبَتَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَكْثَرَ عِلْمًا مِنْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْهُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) [الزُّمَرِ : 9] . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنَ الْبَشَرِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِأَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكْثَرُ عِلْمًا مِنْهُمْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ) ثُمَّ إِنْ سَلَّمْنَا مَزِيدَ عِلْمِهِمْ ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي كَثْرَةَ الثَّوَابِ ، فَإِنَّا نَرَى الرَّجُلَ الْمُبْتَدِعَ مُحِيطًا بِكَثِيرٍ مِنْ دَقَائِقِ الْعِلْمِ وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الثَّوَابِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُهُ أَكْثَرَ وَسَبَبُهُ مَا نَبَّهْنَا مِرَارًا عَلَيْهِ أَنَّ كَثْرَةَ الثَّوَابِ إِنَّمَا تَحْصُلُ بِحَسَبِ الْإِخْلَاصِ فِي الْأَفْعَالِ ، وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّ إِخْلَاصَ الْمَلَائِكَةِ أَكْثَرُ . الْحُجَّةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ) [الْأَنْبِيَاءِ : 29] فَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُمْ بَلَغُوا فِي التَّرَفُّعِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ إِلَى أَنَّهُمْ لَوْ خَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَمَا خَالَفُوهُ إِلَّا بِادِّعَاءِ الْإِلَهِيَّةِ لَا بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ مُتَابَعَةِ الشَّهَوَاتِ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نِهَايَةِ جَلَالِهِمْ . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَا نِزَاعَ فِي نِهَايَةِ جَلَالِهِمْ ، أَمَّا قَوْلُهُ : إِنَّهُمْ بَلَغُوا فِي التَّرَفُّعِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ إِلَى حَيْثُ لَوْ خَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَمَا خَالَفُوهُ إِلَّا فِي ادِّعَاءِ الْإِلَهِيَّةِ فَهَذَا مُسَلَّمٌ وَذَلِكَ لَأَنَّ عُلُومَهُمْ كَثِيرَةٌ وَقُوَاهُمْ شَدِيدَةٌ ، وَهُمْ مُبَرَّءُونَ عَنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَوْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ لَمْ يُخَالِفْ إِلَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْتُهُ لَكِنْ لِمَ قُلْتُمْ إِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنَ الْبَشَرِ ؟ فَإِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ لَيْسَ إِلَّا ذَاكَ . الْحُجَّةُ الْعِشْرُونَ : قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رِوَايَةً عَنِ اللَّهِ تَعَالَى : " وَإِذَا ذَكَرَنِي عَبْدِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَئِهِ " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلَأَ الْأَعْلَى أَشْرَفُ ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَذَا خَيْرٌ وَاحِدٌ وَأَيْضًا فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَلَأَ الْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنْ مَلَأِ الْبَشَرِ ، وَمَلَأُ الْبَشَرِ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَوَامِّ لَا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَلَكِ أَفْضَلَ مِنْ عَامَّةِ الْبَشَرِ كَوْنُهُمْ أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، هَذَا آخِرُ الْكَلَامِ فِي الدَّلَائِلِ النَّقْلِيَّةِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ السَّمَاوِيَّةَ الْمُسَمَّاةَ بِالْمَلَائِكَةِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَرْوَاحِ النَّاطِقَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَاعْتَمَدُوا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى وُجُوهٍ عَقْلِيَّةٍ نَحْنُ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الْحُجَّةُ الْأُولَى : قَالُوا : الْمَلَائِكَةُ ذَوَاتُهَا بَسِيطَةٌ مُبَرَّأَةٌ عَنِ الْكَثْرَةِ وَالْبَشَرُ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ وَالنَّفْسُ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْقُوَى الْكَثِيرَةِ وَالْبَدَنُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْكَثِيرَةِ ، وَالْبَسِيطُ خَيْرٌ مِنَ الْمُرَكَّبِ ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الْعَدَمِ لِلْمُرَكَّبِ أَكْثَرُ مِنْهَا لِلْبَسِيطِ ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ فَرْدَانِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ جَلَالِهِ وَنُعُوتِ كِبْرِيَائِهِ . الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبَسِيطَ أَشْرَفُ مِنَ الْمُرَكَّبِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ جَانِبَ الرُّوحَانِيِّ أَمْرٌ وَاحِدٌ ، وَجَانِبَ الْجُسْمَانِيِّ أَمْرَانِ رُوحُهُ وَجِسْمُهُ فَهُوَ مِنْ حَيْثُ الرُّوحِ مِنْ عَالَمِ الرُّوحَانِيَّاتِ وَالْأَنْوَارِ ، وَمِنْ حَيْثُ الْجَسَدِ مِنْ عَالَمِ الْأَجْسَادِ فَهُوَ لِكَوْنِهِ مُسْتَجْمِعًا لِلرُّوحَانِيِّ وَالْجُسْمَانِيِّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الرُّوحَانِيِّ الصِّرْفِ وَالْجُسْمَانِيِّ الصِّرْفِ ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي أَنْ جَعَلَ الْبَشَرَ الْأَوَّلَ مَسْجُودًا لِلْمَلَائِكَةِ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الْمَلَكِيَّةَ مُجَرَّدَاتٌ مُفَارِقَةٌ عَنِ الْعَلَائِقِ الْجُسْمَانِيَّةِ ، فَكَأَنَّ اسْتِغْرَاقَهَا فِي مَقَامَاتِهَا النُّورَانِيَّةِ عَاقَهَا عَنْ تَدْبِيرِ هَذَا الْعَالَمِ الْجَسَدَانِيِّ ، أَمَّا النُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ فَإِنَّهَا قَوِيَتْ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَالَمَيْنِ فَلَا دَوَامَ تَرَقِّيهَا فِي مَعَارِجِ الْمَعَارِفِ وَعَوَالِمِ الْقُدْسِ يَعُوقُهَا عَنْ تَدْبِيرِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ ، وَلَا الْتِفَاتُهَا إِلَى مَنَاظِمِ عَالَمِ الْأَجْسَامِ يَمْنَعُهَا عَنِ الِاسْتِكْمَالِ فِي عَالَمِ الْأَرْوَاحِ ، فَكَانَتْ قُوَّتُهَا وَافِيَةً بِتَدْبِيرِ الْعَالَمَيْنِ مُحِيطَةً بِضَبْطِ الْجِنْسَيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أَشْرَفَ وَأَعْظَمَ . الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ : الْجَوَاهِرُ الرُّوحَانِيَّةُ مُبَرَّأَةٌ عَنِ الشَّهْوَةِ الَّتِي هِيَ مَنْشَأُ سَفْكِ الدِّمَاءِ ، وَالْأَرْوَاحُ الْبَشَرِيَّةُ مَقْرُونَةٌ بِهَا وَالْخَالِي عَنْ مَنْبَعِ الشَّرِّ أَشْرَفُ مِنَ الْمُبْتَلَى بِهِ . الِاعْتِرَاضُ : لَا شَكَّ أَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الْخِدْمَةِ مَعَ كَثْرَةِ الْمَوَانِعِ وَالْعَوَائِقِ أَدَلُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ مِنَ الْعَوَائِقِ وَالْمَوَانِعِ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الْبَشَرِ فِي الْمَحَبَّةِ أَعْلَى وَأَكْمَلُ ، وَأَيْضًا فَالرُّوحَانِيَّاتُ لَمَّا أَطَاعَتْ خَالِقَهَا لَمْ تَكُنْ طَاعَتُهَا مُوجِبَةً قَهْرَ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ ، أَمَّا الْأَرْوَاحُ الْبَشَرِيَّةُ لَمَّا أَطَاعَتْ خَالِقَهَا لَزِمَ مِنْ تِلْكَ الطَّاعَةِ قَهْرُ الْقُوَى الشَّهْوَانِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ وَهِيَ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ فَكَانَتْ طَاعَاتُهُمْ أَكْمَلَ ، وَأَيْضًا فَمِنَ الظَّاهِرِ أَنَّ دَرَجَاتِ الرُّوحَانِيَّاتِ حِينَ قَالَتْ : ( لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ) أَكْمَلُ مِنْ دَرَجَاتِهِمْ حِينَ قَالَتْ : ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ) وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِسَبَبِ الِانْكِسَارِ الْحَاصِلِ مِنَ الزَّلَّةِ ، وَهَذَا فِي الْبَشَرِ أَكْمَلُ ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِكَايَةً عَنْ رَبِّهِ تَعَالَى : " لَأَنِينُ الْمُذْنِبِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ زَجَلِ الْمُسَبِّحِينَ " الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ : الرُّوحَانِيَّاتُ مُبَرَّأَةٌ عَنْ طَبِيعَةِ الْقُوَّةِ فَإِنَّ كُلَّ مَا كَانَ مُمْكِنًا لَهَا بِحَسَبِ أَنْوَاعِهَا الَّتِي فِي أَشْخَاصِهَا فَقَدْ خَرَجَ إِلَى الْفِعْلِ ، وَالْأَنْبِيَاءُ لَيْسُوا كَذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مِائَةَ مَرَّةٍ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ " ( مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ) [الشُّورَى : 52] وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا بِالْفِعْلِ التَّامِّ أَشْرَفُ مِمَّا بِالْقُوَّةِ . الِاعْتِرَاضُ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا بِالْفِعْلِ التَّامِّ فَلَعَلَّهَا بِالْقُوَّةِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ ، وَلِهَذَا قِيلَ : إِنَّ تَحْرِيكَاتِهَا لِلْأَفْلَاكِ لِأَجْلِ اسْتِخْرَاجِ التَّعَقُّلَاتِ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ وَهَذِهِ التَّحْرِيكَاتُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا كَالتَّحْرِيكَاتِ الْعَارِضَةِ لِلْأَرْوَاحِ الْحَامِلَةِ لِقُوَى الْفِكْرِ وَالتَّخَيُّلِ عِنْدَ مُحَاوَلَةِ اسْتِخْرَاجِ التَّعَقُّلَاتِ الَّتِي هِيَ بِالْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ . الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ : الرُّوحَانِيَّاتُ أَبَدِيَّةُ الْوُجُودِ مُبَرَّأَةٌ عَنْ طَبِيعَةِ التَّغَيُّرِ ، وَالْقُوَّةُ وَالنُّفُوسُ النَّاطِقَةُ الْبَشَرِيَّةُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ . الِاعْتِرَاضُ : الْمُقَدِّمَتَانِ مَمْنُوعَتَانِ أَلَيْسَ أَنَّ الرُّوحَانِيَّاتِ مُمْكِنَةُ الْوُجُودِ لِذَوَاتِهَا وَاجِبَةُ الْوُجُودِ بِمَادَّتِهَا فَهِيَ مُحْدَثَةٌ سَلَّمْنَا ذَلِكَ ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ الْبَشَرِيَّةَ حَادِثَةٌ ، بَلْ هِيَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَزَلِيَّةٌ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا : هَذِهِ الْأَرْوَاحُ كَانَتْ سَرْمَدِيَّةً مَوْجُودَةً كَالْأَظْلَالِ تَحْتَ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ إِلَّا أَنَّ الْمُبْدِئَ الْأَوَّلَ أَمَرَهَا حَتَّى نَزَلَتْ إِلَى عَالَمِ الْأَجْسَامِ وَسَكَنَاتِ الْمَوَادِّ ، فَلَمَّا تَعَلَّقَتْ بِهَذِهِ الْأَجْسَامِ عَشِقَتْهَا ، وَاسْتَحْكَمَ إِلْفُهَا بِهَا فَبَعَثَ مِنْ تِلْكَ الْأَظْلَالِ أَكْمَلَهَا وَأَشْرَفَهَا إِلَى هَذَا الْعَالَمِ لِيَحْتَالَ فِي تَخْلِيصِ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ عَنْ تِلْكَ السَّكَنَاتِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ بَابِ الْحَمَامَةِ الْمُطَوَّقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِ " كَلَيْلَةَ وَدِمْنَةَ " .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية