الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- : الْقَصْرُ رُخْصَةٌ ، فَإِنْ شَاءَ الْمُكَلَّفُ أَتَمَّ ، وَإِنْ شَاءَ اكْتَفَى عَلَى الْقَصْرِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْقَصْرُ وَاجِبٌ ، فَإِنْ صَلَّى الْمُسَافِرُ أَرْبَعًا وَلَمْ يَقْعُدْ فِي الثِّنْتَيْنِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ قَعَدَ بَيْنَهُمَا مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ تَمَّتْ صَلَاتُهُ ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى قَوْلِهِ بِوُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ " مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ : " فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ " فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ ، بَلْ هَذَا اللَّفْظُ إِنَّمَا يُذْكَرُ فِي رَفْعِ التَّكْلِيفِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ ، فَأَمَّا إِيجَابُهُ عَلَى التَّعْيِينِ فَهَذَا اللَّفْظُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ فِيهِ ، أَمَّا أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فَأَجَابَ عَنْهُ : بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْقَصْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَا تَقْلِيلَ الرَّكَعَاتِ ، بَلْ تَخْفِيفَ الْأَعْمَالِ . وَاعْلَمْ أَنَّا بَيَّنَّا بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ، فَسَقَطَ هَذَا الْعُذْرُ . وَذَكَرَ صَاحِبُ "الْكَشَّافِ" وَجْهًا آخَرَ فِيهِ ، فَقَالَ : إِنَّهُمْ لَمَّا أَلِفُوا الْإِتْمَامَ ، فَرُبَّمَا كَانَ يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ نُقْصَانًا فِي الْقَصْرِ ، فَنَفَى عَنْهُمُ الْجُنَاحَ لِتَطِيبَ أَنْفُسُهُمْ بِالْقَصْرِ ، فَيُقَالُ لَهُ : هَذَا الِاحْتِمَالُ إِنَّمَا يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ إِذَا قَالَ الشَّارِعُ لَهُمْ : رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي هَذَا الْقَصْرِ ، أَمَّا إِذَا قَالَ : أَوْجَبْتُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْقَصْرَ ، وَحَرَّمْتُ عَلَيْكُمُ الْإِتْمَامَ ، وَجَعَلْتُهُ مُفْسِدًا لِصَلَاتِكُمْ ، فَهَذَا الِاحْتِمَالُ مِمَّا لَا يَخْطُرُ بِبَالِ عَاقِلٍ أَصْلًا ، فَلَا يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ لَائِقًا بِهِ . الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ : مَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ : اعْتَمَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ ، فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، قَصَرْتُ وَأَتْمَمْتُ وَصُمْتُ وَأَفْطَرْتُ ، فَقَالَ : أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ ! وَمَا عَابَ عَلَيَّ . وَكَانَ عُثْمَانُ يُتِمُّ وَيَقْصُرُ ، وَمَا ظَهَرَ إِنْكَارٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ . الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ : أَنَّ جَمِيعَ رُخَصِ السَّفَرِ شُرِعَتْ عَلَى سَبِيلِ التَّجْوِيزِ ، لَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْيِينِ جَزْمًا فَكَذَا هَهُنَا ، وَاحْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ ، مِنْهَا مَا رَوَى عُمَرُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهِ : " صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ " فَظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْقَصْرِ مَشْرُوعًا وَجَائِزًا ، إِلَّا أَنَّ الْكَلَامَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ غَيْرُهُ ؟ وَلَمَّا دَلَّ لَفْظُ الْقُرْآنِ عَلَى جَوَازِ غَيْرِهِ كَانَ الْقَوْلُ بِهِ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ بَعْضُهُمْ : صَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ ، تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ ، وَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ أُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ . وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ يُبْطِلُ هَذَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْقَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ تَخْفِيفُ الرَّكَعَاتِ ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ مَا ذَكَرُوهُ لَمَا كَانَ هَذَا قَصْرًا فِي صَلَاةِ السَّفَرِ ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية