الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) . فِيهِ مَسَائِلُ . الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ : ( تَسَاءَلُونَ ) بِالتَّخْفِيفِ وَالْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ ، فَمَنْ شَدَّدَ أَرَادَ : تَتَسَاءَلُونَ فَأَدْغَمَ التَّاءَ فِي السِّينِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي أَنَّهُمَا مِنْ حُرُوفِ اللِّسَانِ وَأُصُولِ الثَّنَايَا وَاجْتِمَاعِهِمَا فِي الْهَمْسِ ، وَمَنْ خَفَّفَ حَذَفَ تَاءَ تَتَفَاعَلُونَ لِاجْتِمَاعِ حُرُوفٍ مُتَقَارِبَةٍ ، فَأَعَلَّهَا بِالْحَذْفِ كَمَا أَعَلَّهَا الْأَوَّلُونَ بِالْإِدْغَامِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْحُرُوفَ الْمُتَقَارِبَةَ إِذَا اجْتَمَعَتْ خُفِّفَتْ تَارَةً بِالْحَذْفِ وَأُخْرَى بِالْإِدْغَامِ . الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَرَأَ حَمْزَةُ وَحْدَهُ ( وَالْأَرْحَامِ ) بِجَرِّ الْمِيمِ قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَقَدْ رُوِيتُ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ عَنْ غَيْرِ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ فَكُلُّهُمْ قَرَءُوا بِنَصْبِ الْمِيمِ . وَقَالَ صَاحِبُ " الْكَشَّافِ " : قُرِئَ ( وَالْأَرْحَامَ ) بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ ، أَمَّا قِرَاءَةُ حَمْزَةَ فَقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إِلَى أَنَّهَا فَاسِدَةٌ ، قَالُوا : لِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي عَطْفَ الْمُظْهَرِ عَلَى الْمُضْمَرِ الْمَجْرُورِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ . وَاحْتَجُّوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ بِوُجُوهٍ : أَوَّلُهَا : قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ : الْمُضْمَرُ الْمَجْرُورُ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْفِ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ عَطْفُ الْمُظْهَرِ عَلَيْهِ ، إِنَّمَا قُلْنَا الْمُضْمَرُ الْمَجْرُورُ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْفِ لِوُجُوهٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَا يَنْفَصِلُ الْبَتَّةَ كَمَا أَنَّ التَّنْوِينَ لَا يَنْفَصِلُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْهَاءَ وَالْكَافَ فِي قَوْلِهِ : بِهِ ، وَبِكَ لَا تَرَى وَاحِدًا مُنْفَصِلًا عَنِ الْجَارِ الْبَتَّةَ فَصَارَ كَالتَّنْوِينِ . الثَّانِي : أَنَّهُمْ يَحْذِفُونَ الْيَاءَ مِنَ الْمُنَادَى الْمُضَافِ فِي الِاخْتِيَارِ كَحَذْفِهِمُ التَّنْوِينَ مِنَ الْمُفْرَدِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : يَا غُلَامِ ، فَكَانَ الْمُضْمَرُ الْمَجْرُورُ مُشَابِهًا لِلتَّنْوِينِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْمُضْمَرَ الْمَجْرُورَ بِمَنْزِلَةِ حَرْفِ التَّنْوِينَ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ عَطْفُ الْمُظْهَرِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْعَطْفِ حُصُولَ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا لَمْ تَحْصُلِ الْمُشَابَهَةُ هَهُنَا وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ الْعَطْفُ . وَثَانِيهَا : قَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى : إِنَّهُمْ لَمْ يَسْتَحْسِنُوا عَطْفَ الْمُظْهَرِ عَلَى الْمُضْمَرِ الْمَرْفُوعِ . فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : اذْهَبْ وَزَيْدٌ ، وَذَهَبْتُ وَزَيْدٌ بَلْ يَقُولُونَ : اذْهَبْ أَنْتَ وَزَيْدٌ ، وَذَهَبْتُ أَنَا وَزَيْدٌ . قَالَ تَعَالَى : ( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا ) [ الْمَائِدَةِ - 24 ] مَعَ أَنَّ الْمُضْمَرَ الْمَرْفُوعَ قَدْ يَنْفَصِلُ ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ عَطْفُ الْمُظْهَرِ عَلَى الْمُضْمَرِ الْمَرْفُوعِ مَعَ أَنَّهُ أَقْوَى مِنَ الْمُضْمَرِ الْمَجْرُورِ بِسَبَبِ أَنَّهُ قَدْ يَنْفَصِلُ ، فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ عَطْفُ الْمُظْهَرِ عَلَى الْمُضْمَرِ الْمَجْرُورِ مَعَ أَنَّهُ الْبَتَّةَ لَا يَنْفَصِلُ كَانَ أَوْلَى . وَثَالِثُهَا : قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ : الْمَعْطُوفُ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُتَشَارِكَانِ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ عَطْفُ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي لَوْ جَازَ عَطْفُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ ، وَهَهُنَا هَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ حَاصِلٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّكَ لَا تَقُولُ : مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَبِكَ ، فَكَذَلِكَ لَا تَقُولُ : مَرَرْتُ بِكَ وَزَيْدٍ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ لَيْسَتْ وُجُوهًا قَوِيَّةً فِي دَفْعِ الرِّوَايَاتِ الْوَارِدَةِ فِي اللُّغَاتِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ حَمْزَةَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ، بَلْ رَوَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِصِحَّةِ هَذِهِ اللُّغَةِ ، وَالْقِيَاسُ يَتَضَاءَلُ عِنْدَ السَّمَاعِ لَا سِيَّمَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ الَّتِي هِيَ أَوْهَنُ مِنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ ، وَأَيْضًا فَلِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا عَلَى تَقْدِيرِ تَكْرِيرِ الْجَارِّ ، كَأَنَّهُ قِيلَ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَبِالْأَرْحَامِ . وَثَانِيهَا : أَنَّهُ وَرَدَ ذَلِكَ فِي الشِّعْرِ ، وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ فِي ذَلِكَ : فَالْيَوْمَ قَدْ بِتَّ تَهْجُونَا وَتَشْتُمُنَا فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالْأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ وَأَنْشَدَ أَيْضًا : نُعَلِّقُ فِي مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفَنَا وَمَا بَيْنَهَا وَالْكَعْبِ غَوْطُ نَفَانِفِ وَالْعَجَبُ مِنْ هَؤُلَاءِ النُّحَاةِ أَنَّهُمْ يَسْتَحْسِنُونَ إِثْبَاتَ هَذِهِ اللُّغَةِ بِهَذَيْنَ الْبَيْتَيْنِ الْمَجْهُولَيْنِ وَلَا يَسْتَحْسِنُونَ إِثْبَاتَهَا بِقِرَاءَةِ حَمْزَةَ وَمُجَاهِدٍ ، مَعَ أَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَكَابِرِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ . وَاحْتَجَّ الزَّجَّاجُ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ " فَإِذَا عَطَفْتَ الْأَرْحَامَ عَلَى الْمُكَنَّى عَنِ اسْمِ اللَّهِ اقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازَ الْحَلِفِ بِالْأَرْحَامِ ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا حِكَايَةٌ عَنْ فِعْلٍ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَالرَّحِمِ ، وَحِكَايَةُ هَذَا الْفِعْلِ عَنْهُمْ فِي الْمَاضِي لَا تُنَافِي وُرُودَ النَّهْيِ عَنْهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَأَيْضًا فَالْحَدِيثُ نَهْيٌ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ فَقَطْ ، وَهَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ هُوَ حَلِفٌ بِاللَّهِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْرِنُ بِهِ بَعْدَهُ ذِكْرَ الرَّحِمِ ، فَهَذَا لَا يُنَافِي مَدْلُولَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، فَهَذَا جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : ( وَالْأَرْحَامَ ) بِالْجَرِّ . أَمَّا قِرَاءَتُهُ بِالنَّصْبِ فَفِيهِ وَجْهَانِ : الْأَوَّلُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ عِيسَى : أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَوْضِعِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ كَقَوْلِهِ : فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلَا الْحَدِيدَا وَالثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ : أَنَّ التَّقْدِيرَ : وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالضَّحَّاكِ وَابْنِ زَيْدٍ وَالْفَرَّاءِ وَالزَّجَّاجِ ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَنَصْبُ الْأَرْحَامِ بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ : ( اللَّهَ ) أَيِ : اتَّقُوا اللَّهَ وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ : أَيِ اتَّقُوا حَقَّ الْأَرْحَامِ فَصِلُوهَا وَلَا تَقْطَعُوهَا ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِالْإِغْرَاءِ ، أَيْ وَالْأَرْحَامَ فَاحْفَظُوهَا وَصِلُوهَا كَقَوْلِكَ : الْأَسَدَ الْأَسَدَ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ، وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ صِلَتِهَا . وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالرَّفْعِ فَقَالَ صَاحِبُ " الْكَشَّافِ " : الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ كَأَنَّهُ قِيلَ : وَالْأَرْحَامُ كَذَلِكَ عَلَى مَعْنَى وَالْأَرْحَامُ مِمَّا يُتَّقَى ، أَوْ وَالْأَرْحَامُ مِمَّا يُتَسَاءَلُ بِهِ .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية