الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْوَشَّاءُ ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، قَالَ : سَمِعْتُ ذَا النُّونِ يَقُولُ : خَرَجْتُ فِي طَلَبِ الْمُنَاجَاةِ فَإِذَا أَنَا بِصَوْتٍ فَعَدَلْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ قَدْ غَاصَ فِي بَحْرِ الْوَلَهِ ، وَخَرَجَ عَلَيَّ سَاحِلَ الْكَمَهِ ، وَهُوَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ : أَنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مَعَ الْإِصْرَارِ لُؤْمٌ ، وَأَنَّ تَرْكِيَ الِاسْتِغْفَارَ مَعَ مَعْرِفَتِي بِسَعَةِ رَحْمَتِكَ لَعَجْزٌ ، إِلَهِي أَنْتَ الَّذِي خَصَصْتَ خَصَائِصَكَ بِخَالِصِ الْإِخْلَاصِ ، وَأَنْتَ الَّذِي سَلَّمْتَ قُلُوبَ الْعَارِفِينَ مِنِ اعْتِرَاضِ الْوَسْوَاسِ ، وَأَنْتَ آنَسْتَ الْآنِسِينَ مِنْ أَوْلِيَائِكَ ، وَأَعْطَيْتَهُمْ كِفَايَةَ رِعَايَةِ الْمُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ ، تَكْلَؤُهُمْ فِي مَضَاجِعِهِمْ ، وَتَطَّلِعُ عَلَى سَرَائِرِهِمْ ، وَسِرِّي عِنْدَكَ مَكْشُوفٌ ، وَأَنَا إِلَيْكَ مَلْهُوفٌ . قَالَ : ثُمَّ سَكَنَتْ صَرْخَتُهُ فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ ، ثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ذَا النُّونِ أَبَا الْفَيْضِ ، يَقُولُ : " اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ تَفَكَّرُوا فَاعْتَبَرُوا ، وَنَظَرُوا فَأَبْصَرُوا ، وَسَمِعُوا فَتَعَلَّقَتْ قُلُوبُهُمْ بِالْمُنَازَعَةِ إِلَى طَلَبِ الْآخِرَةِ حَتَّى أَنَاخَتْ وَانْكَسَرَتْ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ، فَفَتَقُوا بِنُورِ الْحِكَمِ مَا رَتَقَهُ ظُلْمُ الْغَفَلَاتِ وَفَتَحُوا أَبْوَابَ مَغَالِيقِ الْعَمَى بِأَنْوَارِ مَفَاتِيحِ الضِّيَاءِ ، وَعَمَّرُوا مَجَالِسَ الذَّاكِرِينَ بِحُسْنِ مُوَاظَبَةِ اسْتِيدَامِ الثَّنَاءِ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ تَرَاسَلَتْ عَلَيْهِمْ سُتُورُ عِصْمَةِ الْأَوْلِيَاءِ ، وَحُصِّنَتْ قُلُوبُهُمْ بِطَهَارَةِ الصَّفَاءِ ، وَزَيَّنْتَهَا بِالْفَهْمِ وَالْحَيَاءِ ، وَطَيَّرْتَ هُمُومَهُمْ فِي مَلَكُوتِ سَمَاوَاتِكَ حِجَابًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَيْكَ فَرَدَدْتَهَا بِظَرَائِفِ الْفَوَائِدِ . اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ سَهُلَ عَلَيْهِمْ طَرِيقُ الطَّاعَةِ ، وَتَمَكَّنُوا فِي أَزِمَّةِ التَّقْوَى ، وَمُنِحُوا بِالتَّوْفِيقِ مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ فَزُيِّنُوا وَقُرِّبُوا وَكُرِّمُوا بِخِدْمَتِكَ " . وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : " لَكَ الْحَمْدُ يَا ذَا الْمَنِّ وَالطَّوْلِ وَالْآلَاءِ وَالسَّعَةِ ، إِلَيْكَ تَوَجَّهْنَا وَبِفِنَائِكَ أَنَخْنَا ، وَلِمَعْرُوفِكَ تَعَرَّضْنَا ، وَبِقُرْبِكَ نَزَلْنَا ، يَا حَبِيبَ التَّائِبِينَ ، وَيَا سُرُورَ الْعَابِدِينَ ، وَيَا أَنِيسَ الْمُتَفَرِّدِينَ ، وَيَا حِرْزَ اللَّاجِئِينَ وَيَا ظَهْرَ الْمُنْقَطِعِينَ ، وَيَا مَنْ حُبِّبَ إِلَيْهِ قُلُوبُ الْعَارِفِينَ وَبِهِ آنَسَتْ أَفْئِدَةُ الصَّدِّيقِينَ ، وَعَلَيْهِ عَطَفَتْ رَهْبَةُ الْخَائِفِينَ ، يَا مَنْ أَذَاقَ قُلُوبَ الْعَابِدِينَ لَذِيذَ الْحَمْدِ وَحَلَاوَةَ الِانْقِطَاعِ إِلَيْهِ ، يَا مَنْ يَقْبَلُ مَنْ تَابَ وَيَعْفُو عَمَّنْ أَنَابَ ، وَيَدْعُو الْمُوَلِّينَ كَرَمًا ، وَيَرْفَعُ الْمُقْبِلِينَ إِلَيْهِ تَفَضُّلًا ، يَا مَنْ يَتَأَنَّى عَلَى الْخَاطِئِينَ وَيَحْلُمُ عَنِ الْجَاهِلِينَ ، وَيَا مَنْ حَلَّ عُقْدَةَ الرَّغْبَةِ مِنْ قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ ، وَمَحَا شَهْوَةَ الدُّنْيَا عَنْ فِكْرِ قُلُوبِ خَاصَّتِهِ وَأَهْلِ مَحَبَّتِهِ ، وَمَنَحَهُمْ مَنَازِلَ الْقُرْبِ وَالْوِلَايَةِ ، وَيَا مَنْ لَا يُضِيعُ مُطِيعًا وَلَا يَنْسَى صَبِيًّا ، يَا مَنْ مَنَحَ بِالنَّوَالِ ، وَيَا مَنْ جَادَ بِالِاتِّصَالِ ، يَا ذَا الَّذِي اسْتَدْرَكَ بِالتَّوْبَةِ ذُنُوبَنَا ، وَكَشَفَ بِالرَّحْمَةِ غُمُومَنَا ، وَصَفَحَ عَنْ جُرْمِنَا بَعْدَ جَهْلِنَا ، وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا بَعْدَ إِسَاءَتِنَا ، يَا آنِسَ وَحْشَتِنَا وَيَا طَبِيبَ سَقَمِنَا ، يَا غِيَاثَ مَنْ أُسْقِطَ بِيَدِهِ ، وَتَمَكَّنَ حَبْلُ الْمَعَاصِي ، وَأَسْفَرَ خِدْرَ الْحَيَا عَنْ وَجْهِهِ ، هَبْ خُدُودَنَا لِلتُّرَابِ بَيْنَ يَدَيْكَ ، يَا خَيْرَ مَنْ قَدَرَ وَأَرْأَفَ مَنْ رَحِمَ وَعَفَا " . حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَصْقَلَةَ ، ثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ذَا النُّونِ ، يَقُولُ : " أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي ابْتَدَعْتَ بِهِ عَجَائِبَ الْخَلْقِ فِي غَوَامِضِ الْعِلْمِ ، يَجُودُ جَلَالُ جَمَالِ وَجْهِكَ فِي عَظِيمِ عَجِيبِ تَرْكِيبِ أَصْنَافِ جَوَاهِرِ لُغَاتِهَا ، فَخَرَّتِ الْمَلَائِكَةُ سُجَّدًا لِهَيْبَتِكَ مِنْ مَخَافَتِكَ ، أَنْ تَجْعَلَنَا مِنَ الَّذِينَ سَرَحَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْعُلَى وَحَطَّتْ هِمَمُ قُلُوبِهِمْ فِي مُغَلَّبَاتِ الْهَوَى ، حَتَّى أَنَاخُوا فِي رِيَاضِ النَّعِيمِ ، وَجَنَوْا مِنْ ثِمَارِ التَّسْنِيمِ ، وَشَرِبُوا بِكَأْسِ الْعِشْقِ وَخَاضُوا لُجَجَ السُّرُورِ وَاسْتَظَلُّوا تَحْتَ فِنَاءِ الْكَرَامَةِ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الَّذِينَ شَرِبُوا بِكَأْسِ الصَّفَا ، فَأَوْرَثَهُمُ الصَّبْرَ عَلَى طُولِ الْبَلَاءِ ، حَتَّى تَوَلَّيْتَ قُلُوبَهُمْ فِي الْمَلَكُوتِ وَجَالَتْ بَيْنَ سَرَائِرِ حُجُبِ الْجَبَرُوتِ ، وَمَالَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي ظِلِّ بَرْدِ نَسِيمِ الْمُشْتَاقِينَ الَّذِينَ أَنَاخُوا فِي رِيَاضِ الرَّاحَةِ ، وَمَعْدِنِ الْعِزِّ وَعَرَصَاتِ الْمُخَلَّدِينَ " . حَدَّثَنَا أَبِي ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ ، ثَنَا عُثْمَانُ ، قَالَ : سَمِعْتُ ذَا النُّونِ ، يَقُولُ : " اعْتَلَّ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِي فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنِ ادْعُ اللَّهَ لِي فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ : سَأَلْتَنِي أَنْ أَدْعُوَ اللَّهَ لَكَ أَنْ يُزِيلَ عَنْكَ النِّعَمَ ، وَاعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ الْعِلَّةَ مَجْزَلَةٌ يَأْنَسُ بِهَا أَهْلُ الصَّفَا وَالْهِمَمِ ، وَالضِّيَاءُ فِي الْحَيَاةِ ذِكْرُكَ لِلشِّفَاءِ ، وَمَنْ لَمْ يَعُدَّ الْبَلَاءَ نِعْمَةً فَلَيْسَ مِنَ الْحُكَمَاءِ ، وَمَنْ لَمْ يَأْمَنِ التَّشْفِيقَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ أَمِنَ أَهْلَ التُّهْمَةِ عَلَى أَمْرِهِ ، فَلْيَكُنْ مَعَكَ يَا أَخِي حَيَاءٌ يَمْنَعُكَ عَنِ الشَّكْوَى ، وَالسَّلَامُ " .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية