الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            جزء صفحة
            ( تَنْبِيهٌ ) : قِيلَ : يَدُلُّ لِعَدَمِ الْحِنْثِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ) ، فَإِنَّ أَحَدَ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيرِ اللَّغْوِ أَنَّهُ الْحَلِفُ عَلَى الشَّيْءِ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ خِلَافَهُ ، فَلَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ . قُلْتُ : الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْأَصَحَّ الْمُعْتَمَدَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ أَنَّهَا فِيمَا سَبَقَ إِلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْيَمِينِ ، رُوِّينَا هَذَا التَّفْسِيرَ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وعائشة مَوْقُوفًا ، كَمَا أَسْنَدْتُهُ فِي كِتَابِ تُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ التَّفْسِيرُ الْمُسْنَدُ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ ، مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ وعكرمة وَالشَّعْبِيُّ وأبو قلابة وأبو صالح وطاوس وَالنَّخَعِيُّ وَخَلَائِقُ . وَنَقَلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَنْ تَفْسِيرِ الشَّافِعِيِّ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّهُ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ عَلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ ، فَيَرَى الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ، فَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ وَيَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ علي بن أبي طلحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ أَصَحُّ الطُّرُقِ عَنْهُ فِي التَّفْسِيرِ ، وَاسْتَفَدْنَا مِنْهَا أَنَّ نَفْيَ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآيَةِ خَاصٌّ بِالْإِثْمِ دُونَ الْكَفَّارَةِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ فِي الْحَلِفِ عَلَى فِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ فَيَحْنَثُ وَيُكَفِّرُ . أَخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَصَرَّحَا بِأَنَّ نَفْيَ الْمُؤَاخَذَةِ خَاصٌّ بِالْإِثْمِ دُونَ الْكَفَّارَةِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى الشَّيْءِ أَنْ يَفْعَلَهُ فَيَنْسَى . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى الشَّيْءِ يَظُنُّ أَنَّهُ كَذَلِكَ ، فَإِذَا هُوَ غَيْرُهُ . أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، ثُمَّ هُمْ ثَلَاثُ فِرَقٍ : فِرْقَةٌ سَكَتَتْ عَنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِهِ ، وَفِرْقَةٌ صَرَّحَتْ بِوُجُوبِهَا ، وَفِرْقَةٌ صَرَّحَتْ بِعَدَمِهِ ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِ هَذِهِ الْفِرْقَةِ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ الْفِرْقَةِ الْأُخْرَى ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَشْيَاءُ ، مِنْهَا أَنَّ نَفْيَ الْمُؤَاخَذَةِ إِنَّمَا يَنْصَبُّ عَلَى الْإِثْمِ دُونَ الْكَفَّارَةِ بِدَلِيلِ ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ وَالْغَرَامَاتِ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي ذَلِكَ ، وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ اخْتَارَهُ مالك كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ مَعَ أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ دَالَّةً عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَمِنْهَا أَنَّ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ ) إِلَى آخِرِهِ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ قَالُوا : إِنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى لَغْوِ الْيَمِينِ الَّذِي لَا مُؤَاخَذَةَ فِيهِ ، شُرِعَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ جَبْرًا ، وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) ، وَ ( بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ) فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ ، وَأَنَّهَا لَا كَفَّارَةَ فِيهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَرَأْيٌ عِنْدَنَا جَارٍ فِي الْقَتْلِ عَمْدًا ، فَلَمْ يَجْعَلْ هَؤُلَاءِ فِيهِ الْكَفَّارَةَ تَغْلِيظًا وَخُصُوصًا بِقَتْلِ الْخَطَأِ ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَمْدًا ، قَالَ هَؤُلَاءِ : لَا قَضَاءَ فِيهِ تَغْلِيظًا ، وَتَرْكُ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ عَمْدًا ، قَالُوا أَيْضًا : لَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ ، وَالْقَائِلُونَ بِالْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَهُوَ الْمُعْظَمُ اسْتَدَلُّوا بِالْقِيَاسِ عَلَى غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْجَبْرِ كَمَا اسْتَدَلُّوا بِذَلِكَ فِي الْقَتْلِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ ، فَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِي اللَّغْوِ الْمُفَسَّرِ بِالْخَطَأِ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ مِنْ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إِلَى اللَّغْوِ ، وَيُحَرَّرُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَمَنْ لَا يَرَاهُ . فَإِنْ قِيلَ : الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ . قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا بِدَائِمٍ وَلَا غَالِبٍ بَلْ تَارَةً كَذَا وَتَارَةً بِخِلَافِهِ ، خُصُوصًا إِذَا وَرَدَ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ مِنْ أَصَحِّ الطُّرُقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي هُوَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ وَحَبْرُ الْأُمَّةِ وَإِمَامُ الْعَرَبِ وَتَابَعَهُ فِيهِ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ . ( تَنْبِيهٌ ) قِيلَ : يَدُلُّ لِعَدَمِ الْحِنْثِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ) قُلْتُ : لَا دَلَالَةَ فِيهِ لِأَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا : الْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِنِسْبَةِ زيد إِلَى مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ السَّبَبُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ يَقُولُ : الْعِبْرَةُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ . الثَّانِي : عَلَى اعْتِبَارِ الْعُمُومِ اتَّفَقَ الْمُفَسِّرُونَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ عَلَى تَفْسِيرِ الْخَطَأِ فِي الْآيَةِ بِمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، فَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ عَلَى مَا سَبَقَ إِلَيْهِ اللِّسَانُ مِنَ الْأَيْمَانِ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ) عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ فِيهِ ، وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ : ( وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ) كَمَا قَالَ هُنَاكَ : ( وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) . الثَّالِثُ : عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَطَأِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ فَقَطْ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى الْجُنَاحِ ، قَالَ الجوهري فِي الصِّحَاحِ : الْجُنَاحُ ، بِالضَّمِّ : الْإِثْمُ ، هَذِهِ عِبَارَتُهُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْإِثْمِ نَفْيُ الْكَفَّارَةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاتِلَ خَطَأً عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إِجْمَاعًا ، وَكَذَا الْجَانِي فِي الْإِحْرَامِ بِإِزَالَةِ شَعَرٍ أَوْ نَحْوِهِ خَطَأً ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَكَفَّارَةَ الْيَمِينِ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ لَا الْوَضْعِ ، فَقَدْ أَبْعَدَ ، وَلَيْتَ شِعْرِي مَا يَقُولُ الْمُحْتَجُّ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ فِيمَنْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ جَاهِلًا ، فَإِنْ قَالَ : لَا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ أَخْذًا بِعُمُومِهَا ، فَقَدْ خَالَفَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ، وَإِنْ قَالَ أُلْزِمُهُ الْإِعَادَةَ وَلَا أُقَيِّدُهُ بِجَهْلِهِ إِلَّا عَدَمَ الْإِثْمِ ، فَقَدْ سَلِمَ مَا قُلْنَاهُ .

            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


            الخدمات العلمية