الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              وَأَيْضًا : فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَمَّ عُمُومَ الْإِنْسَانِ وَاسْتَثْنَى إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ، [ كَمَا ] قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) [ الْمَعَارِجِ ] وَالسَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ قَدْ فَسَّرُوا الدَّائِمَ عَلَى الصَّلَاةِ بِالْمُحَافِظِ عَلَى أَوْقَاتِهَا ، وَبِالدَّائِمِ عَلَى أَفْعَالِهَا بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا ، وَالْآيَةُ تَعُمُّ هَذَا وَهَذَا ، فَإِنَّهُ قَالَ : ( عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) وَالدَّائِمُ عَلَى الْفِعْلِ هُوَ الْمُدِيمُ لَهُ الَّذِي يَفْعَلُهُ دَائِمًا ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِيمَا يُفْعَلُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ : هُوَ أَنْ يَفْعَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ بِحَيْثُ لَا يَفْعَلُهُ تَارَةً وَيَتْرُكُهُ أُخْرَى ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ دَوَامًا عَلَيْهِ ، فَالدَّوَامُ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ الْمُتَّصِلِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ دَوَامًا وَأَنْ تَتَنَاوَلَ الْآيَةُ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إِدَامَةِ أَفْعَالِهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَمَّ عُمُومَ الْإِنْسَانِ وَاسْتَثْنَى الْمُدَاوِمَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، فَتَارِكُ إِدَامَةِ أَفْعَالِهَا يَكُونُ مَذْمُومًا مِنَ الشَّارِعِ ، وَالشَّارِعُ لَا يَذُمُّ إِلَّا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ . وَأَيْضًا : فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ : ( إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ) ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ قَدْ يَكُونُ دَائِمًا عَلَى صَلَاتِهِ وَقَدْ لَا يَكُونُ دَائِمًا عَلَيْهَا ، وَأَنَّ الْمُصَلِّيَ الَّذِي لَيْسَ بِدَائِمٍ مَذْمُومٌ ، وَهَذَا يُوجِبُ ذَمَّ مَنْ لَا يُدِيمُ أَفْعَالَهُ الْمُتَّصِلَةَ وَالْمُنْفَصِلَةَ ، وَإِذَا وَجَبَ دَوَامُ أَفْعَالِهَا فَذَلِكَ هُوَ نَفْسُ الطُّمَأْنِينَةِ ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إِدَامَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِمَا ، وَلَوْ كَانَ الْمُجْزِئُ أَقَلَّ مِمَّا ذُكِرَ مِنَ الْخَفْضِ - وَهُوَ نَقْرُ الْغُرَابِ - لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَوَامًا ، وَلَمْ يَجِبِ الدَّوَامُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَهُمَا أَصْلُ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ . فَعُلِمَ أَنَّهُ كَمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ يَجِبُ الدَّوَامُ عَلَيْهَا الْمُتَضَمِّنُ لِلطُّمَأْنِينَةِ وَالسَّكِينَةِ فِي أَفْعَالِهَا . وَأَيْضًا : فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) [ الْبَقَرَةِ ]. وَهَذَا يَقْتَضِي ذَمَّ غَيْرِ الْخَاشِعِينَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ) [ الْبَقَرَةِ : 143 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) [ الشُّورَى : 13 ] . فَقَدْ دَلَّ كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَنْ كَبُرَ عَلَيْهِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ، [ فَأَنَّهُ ] مَذْمُومٌ بِذَلِكَ فِي الدِّينِ مَسْخُوطٌ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَالذَّمُّ أَوِ السُّخْطُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ ، وَإِذَا كَانَ غَيْرُ الْخَاشِعِينَ مَذْمُومِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْخُشُوعِ . فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْخُشُوعَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ الْخُشُوعَ فِي الصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْخُشُوعَ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَفَسَدَ الْمَعْنَى ؛ إِذْ لَوْ قِيلَ : إِنَّ الصَّلَاةَ لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى مَنْ خَشَعَ خَارِجَهَا وَلَمْ يَخْشَعْ فِيهَا كَانَ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَكْبُرُ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْشَعْ فِيهَا وَتَكْبُرُ عَلَى مَنْ خَشَعَ فِيهَا ، وَقَدِ انْتَفَى مَدْلُولُ الْآيَةِ ، فَثَبَتَ أَنَّ الْخُشُوعَ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ . وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْخُشُوعِ فِيهَا أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ ] . أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَرِثُونَ فِرْدَوْسَ الْجَنَّةِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَرِثُهَا غَيْرُهُمْ ، وَقَدْ دَلَّ هَذَا عَلَى وُجُوبِ هَذِهِ الْخِصَالِ ؛ إِذْ لَوْ كَانَ فِيهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ لَكَانَتْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ تُورَثُ بِدُونِهَا ؛ لَأَنَّ الْجَنَّةَ تُنَالُ بِفِعْلِ الْوَاجِبَاتِ دُونَ الْمُسْتَحَبَّاتِ ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ إِلَّا مَا هُوَ وَاجِبٌ ، وَإِذَا كَانَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبًا فَالْخُشُوعُ يَتَضَمَّنُ السَّكِينَةَ وَالتَّوَاضُعَ جَمِيعًا . وَمِنْهُ حَدِيثُ عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حَيْثُ رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ : " لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ " أَيْ لَسَكَنَتْ وَخَضَعَتْ ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ) [ فُصِّلَتْ : 39 ] فَأَخْبَرَ أَنَّهَا بَعْدَ الْخُشُوعِ تَهْتَزُّ ، وَالِاهْتِزَازُ حَرَكَةٌ ، وَتَرْبُو ، وَالرَّبْوُّ : الِارْتِفَاعُ . فَعُلِمَ أَنَّ الْخُشُوعَ فِيهِ سُكُونٌ وَانْخِفَاضٌ ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي حَالِ رُكُوعِهِ : " اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَقْلِي وَعَصَبِي " رَوَاهُ مسلم فِي صَحِيحِهِ ، فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالْخُشُوعِ فِي حَالِ الرُّكُوعِ ؛ لِأَنَّ الرَّاكِعَ سَاكِنٌ مُتَوَاضِعٌ ، وَبِذَلِكَ فُسِّرَتِ الْآيَةُ ، فَفِي التَّفْسِيرِ الْمَشْهُورِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : تَفْسِيرُ الوالبي ، عَنْ علي بن أبي طلحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي التَّفْسِيرِ كأبي بكر بن المنذر ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ معاوية بن أبي صالح عَنْ علي بن أبي طلحة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) يَقُولُ : خَائِفُونَ سَاكِنُونَ ، وَرَوَوْا فِي التَّفَاسِيرِ الْمُسْنَدَةِ كَتَفْسِيرِ ابن المنذر وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ منصور عَنْ مجاهد " خَاشِعُونَ " قَالَ : السُّكُونُ فِيهَا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَمِنْ حَدِيثِ هشام عَنْ مغيرة عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ ، وَقَالَ : سَاكِنُونَ ، قَالَ الضحاك : الْخُشُوعُ الرَّهْبَةُ لِلَّهِ ، وَرُوِيَ عَنِ الحسن : خَائِفُونَ ، وَرَوَى ابن المنذر مِنْ حَدِيثِ أبي عبد الرحمن المقبري ، حَدَّثَنَا المسعودي ، حَدَّثَنَا أبو سنان أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) قَالَ : الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ وَأَنْ يَلِينَ كَنَفُهُ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ وَأَنْ لَا [ تَلْتَفِتَ ] فِي صَلَاتِكَ ، وَفِي تَفْسِيرِ ابن المنذر أَيْضًا مَا فِي تَفْسِيرِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ عَنْ روح ، حَدَّثَنَا سعيد ، عَنْ قتادة : ( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) قَالَ : الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ وَالْخَوْفُ وَغَضُّ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ ، وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِهِ " مَجَازِ الْقُرْآنِ " ( فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) أَيْ لَا تَطْمَحُ أَبْصَارُهُمْ وَلَا يَلْتَفِتُونَ . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي التَّفْسِيرِ ، وابن المنذر أَيْضًا فِي التَّفْسِيرِ الَّذِي لَهُ ، رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ، حَدَّثَنِي خالد ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : " كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَأُمِرَ بِالْخُشُوعِ فَرَمَى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ " أَيْ مَحَلِّ سُجُودِهِ ، قَالَ سفيان : وَحَدَّثَنِي غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ " أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) قَالَ : هُوَ سُكُونُ الْمَرْءِ فِي صَلَاتِهِ " قَالَ معمر : وَقَالَ الحسن : " خَائِفُونَ " وَقَالَ قتادة : " الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ " وَمِنْهُ خُشُوعُ الْبَصَرِ وَخَفْضُهُ وَسُكُونُهُ عِنْدَ تَقْلِيبِهِ فِي الْجِهَاتِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ) [ الْقَمَرِ ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [ الْمَعَارِجِ ] وَفِي الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى [ فِي الْآيَةِ الْأُولَى ] ( [ خَاشِعًا ] أَبْصَارُهُمْ ) وَفِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَصَفَ أَجْسَادَهُمْ بِالْحَرَكَةِ السَّرِيعَةِ حَيْثُ لَمْ يَصِفْ بِالْخُشُوعِ إِلَّا أَبْصَارَهُمْ ، بِخِلَافِ آيَةِ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهُ وَصَفَ بِالْخُشُوعِ جُمْلَةَ الْمُصَلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) . وَقَالَ تَعَالَى : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ) [ الْقَلَمِ ] . وَمِنْ ذَلِكَ : خُشُوعُ الْأَصْوَاتِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ ) [ طَهَ : 108 ] وَهُوَ انْخِفَاضُهَا وَسُكُونُهَا ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) [ الشُّورَى : 44 ، 45 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) [ الْغَاشِيَةِ ] وَهَذَا يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ بِلَا رَيْبٍ ، كَمَا قَالَ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ : ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ) [ الْغَاشِيَةِ ] وَقَالَ تَعَالَى : ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ ] . وَإِذَا كَانَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ وَاجِبًا وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلسُّكُونِ وَالْخُشُوعِ ، فَمَنْ نَقَرَ نَقْرَ الْغُرَابِ لَمْ يَخْشَعْ فِي سُجُودِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَيَسْتَقِرَّ قَبْلَ أَنْ يَنْخَفِضَ لَمْ يَسْكُنْ ؛ لِأَنَّ السُّكُونَ هُوَ الطُّمَأْنِينَةُ بِعَيْنِهَا ، فَمَنْ لَمْ يَطْمَئِنَّ لَمْ يَسْكُنْ ، وَمَنْ لَمْ يَسْكُنْ لَمْ يَخْشَعْ فِي رُكُوعِهِ وَلَا فِي سُجُودِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَخْشَعْ كَانَ آثِمًا عَاصِيًا ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَّاهُ . وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَعَّدَ تَارِكِيهِ كَالَّذِي يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، فَإِنَّهُ حَرَكَتُهُ وَرَفْعُهُ ، وَهُوَ ضِدُّ حَالِ الْخَاشِعِ ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ ؟ " فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : " لِيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ " ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ وَفِيهِ نَاسٌ يُصَلُّونَ رَافِعِي أَبْصَارِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : " لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ يُشْخِصُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ " الْأَوَّلُ : فِي الْبُخَارِيِّ وَالثَّانِي : فِي مسلم ، وَكِلَاهُمَا فِي سُنَنِ أبي داود وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ فِي الصَّلَاةِ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ) لَمْ يَكُنْ يُجَاوِزُ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ . فَلَمَّا كَانَ رَفْعُ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ يُنَافِي الْخُشُوعَ حَرَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية