الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          جزء صفحة
          الْفَصْلُ الثَّلَاثُونَ : تَذْيِيلٌ ، وَخَاتِمَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : قَدْ أَتَيْنَا فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى نُكَتٍ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ وَاضِحَةٍ ، وَجُمَلٍ مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّتِهِ مُقْنِعَةٍ ، فِي وَاحِدٍ مِنْهَا الْكِفَايَةُ ، وَالْغُنْيَةُ ، وَتَرَكْنَا الْكَثِيرَ سِوَى مَا ذَكَرْنَا ، وَاقْتَصَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الطِّوَالِ عَلَى عَيْنِ الْغَرَضِ ، وَفَصِّ الْمَقْصِدِ ، وَمِنْ كَثِيرِ الْأَحَادِيثِ ، وَغَرِيبِهَا عَلَى مَا صَحَّ ، وَاشْتَهَرَ إِلَّا يَسِيرًا مِنْ غَرِيبِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ مَشَاهِيرُ الْأَئِمَّةِ ، وَحَذَفْنَا الْإِسْنَادَ فِي جُمْهُورِهَا ، طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ . وَبِحَسْبِ هَذَا الْبَابِ لَوْ تُقُصِّيَ أَنْ يَكُونَ دِيوَانًا جَامِعًا يَشْتَمِلُ عَلَى مُجَلَّدَاتٍ عِدَّةٍ . وَمُعْجِزَاتُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَظْهَرُ مِنْ سَائِرِ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : كَثْرَتُهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يُؤْتَ نَبِيٌّ مُعْجِزَةً إِلَّا وَعِنْدَ نَبِيِّنَا مِثْلُهَا ، أَوْ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهَا . وَقَدْ نَبَّهَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنْ أَرَدْتَهُ فَتَأَمَّلْ فُصُولَ هَذَا الْبَابِ ، وَمُعْجِزَاتِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَقِفْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - . وَأَمَّا كَوْنُهَا كَثِيرَةً فَهَذَا الْقُرْآنُ وَكُلُّهُ مُعْجِزٌ ، وَأَقَلُّ مَا يَقَعُ الْإِعْجَازُ فِيهِ عِنْدَ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمُحَقِّقِينَ سُورَةُ : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [ الْكَوْثَرِ : 1 ] ، أَوْ آيَةٌ فِي قَدْرِهَا . وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْهُ كَيْفَ كَانَتْ مُعْجِزَةً . وَزَادَ آخَرُونَ أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ مُنْتَظِمَةٍ مِنْهُ مُعْجِزَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ . وَالْحَقُّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ [ الْبَقَرَةِ : 23 ] ، فَهُوَ أَقَلُّ مَا تَحَدَّاهُمْ بِهِ ، مَعَ مَا يَنْصُرُ هَذَا مِنْ نَظَرٍ ، وَتَحْقِيقٍ يَطُولُ بَسْطُهُ . وَإِذَا كَانَ هَذَا فَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْكَلِمَاتِ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ أَلْفَ كَلِمَةٍ وَنَيِّفٍ ، عَلَى عَدَدِ بَعْضِهِمْ ، وَعَدَدِ كَلِمَاتِ : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [ الْكَوْثَرِ : 1 ] عَشْرُ كَلِمَاتٍ ، فَتُجْزِئُ الْقُرْآنَ عَلَى نِسْبَةِ عَدَدِ كَلِمَاتِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ أَزِيدُ مِنْ سَبْعَةِ آلَافِ جُزْءٍ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُعْجِزٌ فِي نَفْسِهِ . ثُمَّ إِعْجَازُهُ كَمَا تَقَدَّمَ بِوَجْهَيْنِ : طَرِيقُ بَلَاغَتِهِ ، وَطَرِيقُ نَظْمِهِ ، فَصَارَ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ مُعْجِزَتَانِ فَتَضَاعَفَ الْعَدَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . ثُمَّ فِيهِ وُجُوهُ إِعْجَازٍ أُخَرُ مِنَ الْإِخْبَارِ بِعُلُومِ الْغَيْبِ ، فَقَدْ يَكُونُ فِي السُّورَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ هَذِهِ التَّجْزِئَةِ الْخَبَرُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْغَيْبِ ، كُلُّ خَبَرٍ مِنْهَا بِنَفْسِهِ مُعْجِزٌ ، فَتَضَاعَفَ الْعَدَدُ كَرَّةً أُخْرَى . ثُمَّ وُجُوهُ الْإِعْجَازِ الْأُخَرُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تُوجِبُ التَّضْعِيفَ ، هَذَا فِي حَقِّ الْقُرْآنِ فَلَا يَكَادُ يَأْخُذُ الْعَدُّ مُعْجِزَاتِهِ ، وَلَا يَحْوِي الْحَصْرُ بَرَاهِينَهُ . ثُمَّ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ ، وَالْأَخْبَارُ الصَّادِرَةُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ ، وَعَمَّا دَلَّ عَلَى أَمْرِهِ مِمَّا أَشَرْنَا إِلَى جُمَلِهِ يَبْلُغُ نَحْوًا مِنْ هَذَا . الْوَجْهُ الثَّانِي : وُضُوحُ مُعْجِزَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِنَّ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ كَانَتْ بِقَدْرِ هِمَمِ أَهْلِ زَمَانِهِمْ ، وَبِحَسْبِ الْفَنِّ الَّذِي سَمَا فِيهِ قَرْنُهُ . فَلَمَّا كَانَ مُوسَى غَايَةُ عِلْمِ أَهْلِهِ السِّحْرُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مُوسَى بِمُعْجِزَةٍ تُشْبِهُ مَا يَدَّعُونَ قُدْرَتَهُمْ عَلَيْهِ ، فَجَاءَهُمْ مِنْهَا مَا خَرَقَ عَادَتَهُمْ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي قُدْرَتِهِمْ ، وَأَبْطَلَ سِحْرَهُمْ . وَكَذَلِكَ زَمَنُ عِيسَى أَغْنَى مَا كَانَ الطِّبُّ ، وَأَوْفَرُ مَا كَانَ أَهْلُهُ ، فَجَاءَهُمْ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ، وَأَتَاهُمْ مَا لَمْ يَحْتَسِبُوهُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَيِّتِ ، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ ، وَالْأَبْرَصِ دُونَ مُعَالَجَةٍ ، وَلَا طِبٍّ . وَهَكَذَا سَائِرُ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ . ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بَعَثَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَجُمْلَةُ مَعَارِفِ الْعَرَبِ ، وَعُلُومِهَا أَرْبَعَةٌ : الْبَلَاغَةُ ، وَالشِّعْرُ ، وَالْخَبَرُ ، وَالْكِهَانَةُ ، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ الْخَارِقَ لِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ ، فُصُولٌ مِنَ الْفَصَاحَةِ ، وَالْإِيجَازِ ، وَالْبَلَاغَةِ الْخَارِجَةِ عَنْ نَمَطِ كَلَامِهِمْ ، وَمِنَ النَّظْمِ الْغَرِيبِ ، وَالْأُسْلُوبِ الْعَجِيبِ الَّذِي لَمْ يَهْتَدُوا فِي الْمَنْظُومِ إِلَى طَرِيقِهِ ، وَلَا عَلِمُوا فِي أَسَالِيبِ الْأَوْزَانِ مَنْهَجَهُ ، وَمِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ الْكَوَائِنِ ، وَالْحَوَادِثِ ، وَالْأَسْرَارِ ، وَالْمُخَبَّآتِ ، وَالضَّمَائِرِ ، فَتُوجَدُ عَلَى مَا كَانَتْ ، وَيَعْتَرِفُ الْمُخْبَرُ عَنْهَا بِصِحَّةِ ذَلِكَ ، وَصِدْقِهِ ، وَإِنْ كَانَ أَعْدَى الْعَدُوِّ . فَأَبْطَلَ الْكِهَانَةَ الَّتِي تَصْدُقُ مَرَّةً ، وَتَكْذِبُ عَشْرًا ، ثُمَّ اجْتَثَّهَا مِنْ أَصْلِهَا بِرَجْمِ الشُّهُبِ ، وَرَصْدِ النُّجُومِ . وَجَاءَ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ الْقُرُونِ السَّالِفَةِ ، وَأَنْبَاءِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْأُمَمِ الْبَائِدَةِ ، وَالْحَوَادِثِ الْمَاضِيَةِ مَا يَعْجِزُ مَنْ تَفَرَّغَ لِهَذَا الْعِلْمِ عَنْ بَعْضِهِ عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي بَسَطْنَاهَا ، وَبَيَّنَّا الْمُعْجِزَ فِيهَا . ثُمَّ بَقِيَتْ هَذِهِ الْمُعْجِزَةُ الْجَامِعَةُ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ إِلَى الْفُصُولِ الْأُخَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي مُعْجِزَاتِ الْقُرْآنِ ثَابِتَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بَيِّنَةَ الْحُجَّةِ لِكُلِّ أُمَّةٍ تَأْتِي ، لَا يَخْفَى وُجُوهُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ نَظَرَ فِيهِ ، وَتَأَمَّلَ وُجُوهَ إِعْجَازِهِ . إِلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْغُيُوبِ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ ، فَلَا يَمُرُّ عَصْرٌ ، وَلَا زَمَنٌ إِلَّا يَظْهَرُ فِيهِ صِدْقُهُ بِظُهُورِ مُخْبَرِهِ عَلَى مَا أَخْبَرَ ، فَيَتَجَدَّدُ الْإِيمَانُ وَيَتَظَاهَرُ الْبُرْهَانُ ، وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ كَمَا قِيلَ . وَلِلْمُشَاهَدَةِ زِيَادَةٌ فِي الْيَقِينِ ، وَالنَّفْسُ أَشُدُّ طُمَأْنِينَةً إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ مِنْهَا إِلَى عِلْمِ الْيَقِينِ ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ عِنْدَهَا حَقًّا . وَسَائِرُ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ انْقَرَضَتْ بِانْقِرَاضِهِمْ ، وَعُدِمَتْ بِعَدَمِ ذَوَاتِهَا ، وَمُعْجِزَةُ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَبِيدُ ، وَلَا تَنْقَطِعُ ، وَآيَاتُهُ تَتَجَدَّدُ ، وَلَا تَضْمَحِلُّ ، وَلِهَذَا أَشَارَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ فِيمَا [ حَدَّثَنَا الْقَاضِي الشَّهِيدُ أَبُو عَلِيٍّ ، حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا أَبُو ذَرٍّ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ ، وَأَبُو الْهَيْثَمِ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا الْفَرَبْرِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ] ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ ، فَأَرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَالصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَظُهُورِ مُعْجِزَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى مَعْنَى آخَرَ مِنْ ظُهُورِهَا بِكَوْنِهَا وَحْيًا ، وَكَلَامًا لَا يُمْكِنُ التَّخْيِيلُ فِيهِ ، وَلَا التَّخَيُّلُ عَلَيْهِ ، وَلَا التَّشْبِيهُ ، فَإِنَّ غَيْرَهَا مِنْ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ قَدْ رَامَ الْمُعَانِدُونَ لَهَا بِأَشْيَاءَ طَمِعُوا فِي التَّخْيِيلِ بِهَا عَلَى الضُّعَفَاءِ كَإِلْقَاءِ السَّحَرَةِ حِبَالَهُمْ ، وَعِصِيَّهُمْ ، وَشِبْهُ هَذَا مِمَّا يُخَيِّلُهُ السَّاحِرُ ، أَوْ يَتَحَيَّلُ فِيهِ . وَالْقُرْآنُ كَلَامٌ لَيْسَ لِلْحِيلَةِ ، وَلَا لِلسِّحْرِ ، وَلَا التَّخْيِيلِ فِيهِ عَمَلٌ ، فَكَانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عِنْدَهُمْ أَظْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ ، كَمَا لَا يَتِمُّ لِشَاعِرٍ ، وَلَا لِخَطِيبٍ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا ، أَوْ خَطِيبًا بِضَرْبٍ مِنَ الْحِيَلِ ، وَالتَّمْوِيهِ . وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَخْلَصُ ، وَأَرْضَى . وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ الثَّانِي مَا نُغَمِّضُ عَلَيْهِ الْجَفْنَ ، وَنُغْضِي . وَوَجْهٌ ثَالِثٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ قَالَ بِالصِّرْفَةِ ، وَأَنَّ الْمُعَارَضَةَ كَانَتْ فِي مَقْدُورِ الْبَشَرِ ، فَصُرِفُوا عَنْهَا ، أَوْ عَلَى أَحَدِ مَذْهَبَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِهِمْ ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْلُ ، وَلَا يَكُونُ بَعْدُ ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُقَدِّرْهُمْ عَلَيْهِ . وَبَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ فَرْقٌ بَيِّنٌ ، وَعَلَيْهِمَا جَمِيعًا فَتَتْرُكُ الْعَرَبُ الْإِتْيَانَ بِمَا فِي مَقْدُورِهِمْ ، أَوْ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِهِمْ ، وَرِضَاهُمْ بِالْبَلَاءِ ، وَالْجَلَاءِ ، وَالسِّبَاءِ ، وَالْإِذْلَالِ ، وَتَغْيِيرِ الْحَالِ ، وَسَلْبِ النُّفُوسِ ، وَالْأَمْوَالِ ، وَالتَّقْرِيعِ ، وَالتَّوْبِيخِ ، وَالتَّعْجِيزِ ، وَالتَّهْدِيدِ ، وَالْوَعِيدِ أَبْيَنُ آيَةً لِلْعَجْزِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ ، وَالنُّكُولِ عَنْ مُعَارَضَتِهِ ، وَأَنَّهُمْ مُنِعُوا عَنْ شَيْءٍ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَقْدُورِهِمْ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ ، وَغَيْرُهُ قَالَ : وَهَذَا عِنْدَنَا أَبْلَغُ فِي خَرْقِ الْعَادَةِ بِالْأَفْعَالِ الْبَدِيعَةِ فِي أَنْفُسِهَا ، كَقَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً ، وَنَحْوِهَا ، فَإِنَّهُ قَدْ يَسْبِقُ إِلَى بَالِ النَّاظِرِ بِدَارًا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اخْتِصَاصِ صَاحِبِ ذَلِكَ بِمَزِيَّةِ مَعْرِفَةٍ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ ، وَفَضْلِ عِلْمٍ إِلَى أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ صَحِيحُ النَّظَرِ . وَأَمَّا التَّحَدِّي لِلْخَلَائِقِ مِئِينَ مِنَ السِّنِينَ بِكَلَامٍ مِنْ جِنْسِ كَلَامِهِمْ لِيَأْتُوا بِمِثْلِهِ فَلَمْ يَأْتُوا ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ عَدِمِهَا إِلَّا أَنْ مَنَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَنْهَا بِمَثَابَةِ مَا لَوْ قَالَ نَبِيٌّ : آيَتِي أَنْ يَمْنَعَ اللَّهُ الْقِيَامَ عَنِ النَّاسِ مَعَ مَقْدِرَتِهِمْ عَلَيْهِ ، وَارْتِفَاعِ الزَّمَانَةِ عَنْهُمْ ، فَكَانَ ذَلِكَ ، وَعَجَّزَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنِ الْقِيَامِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَبْصَرِ آيَةٍ ، وَأَظْهَرِ دَلَالَةٍ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَقَدْ غَابَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَجْهُ ظُهُورِ آيَتِهِ عَلَى سَائِرِ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ، حَتَّى احْتَاجَ لِلْعُذْرِ عَنْ ذَلِكَ بِدِقَّةِ أَفْهَامِ الْعَرَبِ ، وَذَكَاءِ أَلْبَابِهَا ، وَوُفُورِ عُقُولِهَا ، وَأَنَّهُمْ أَدْرَكُوا الْمُعْجِزَةَ فِيهِ بِفِطْنَتِهِمْ ، وَجَاءَهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِحَسْبِ إِدْرَاكِهِمْ ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْقِبْطِ ، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَغَيْرِهِمْ لَمْ يَكُونُوا بِهَذِهِ السَّبِيلِ ، بَلْ كَانُوا مِنَ الْغَبَاوَةِ ، وَقِلَّةِ الْفِطْنَةِ بِحَيْثُ جَوَّزَ عَلَيْهِمْ فِرْعَوْنُ أَنَّهُ رَبُّهُمْ ، وَجَوَّزَ عَلَيْهِمُ السَّامِرِيُّ ذَلِكَ فِي الْعِجْلِ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ، وَعَبَدُوا الْمَسِيحَ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى صَلْبِهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [ النِّسَاءِ : 157 ] ، فَجَاءَتْهُمْ مِنَ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْأَبْصَارِ بِقَدْرِ غِلَظِ أَفْهَامِهِمْ مَا لَا يَشُكُّونَ فِيهِ ، وَمَعَ هَذَا فَقَالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ [ الْبَقَرَةِ : 55 ] . وَلَمْ يَصْبِرُوا عَلَى الْمَنِّ ، وَالسَّلْوَى ، وَاسْتَبْدَلُوا الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ . وَالْعَرَبُ عَلَى جَاهِلِيَّتِهَا أَكْثَرُهَا يَعْتَرِفُ بِالصَّانِعِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَتَقَرَّبُ بِالْأَصْنَامِ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى . وَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ مِنْ قَبْلِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَلِيلِ عَقْلِهِ ، وَصَفَاءِ لُبِّهِ . وَلَمَّا جَاءَهُمُ الرَّسُولُ بِكِتَابِ اللَّهِ فَهِمُوا حِكْمَتَهُ ، وَتَبَيَّنُوا بِفَضْلِ إِدْرَاكِهِمْ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ مُعْجِزَتَهُ ، فَآمَنُوا بِهِ ، وَازْدَادُوا كُلَّ يَوْمٍ إِيمَانًا ، وَرَفَضُوا الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي صُحْبَتِهِ ، وَهَجَرُوا دِيَارَهُمْ ، وَأَمْوَالَهُمْ ، وَقَتَلُوا آبَاءَهُمْ ، وَأَبْنَاءَهُمْ فِي نُصْرَتِهِ ، وَأُتِيَ فِي مَعْنَى هَذَا بِمَا يَلُوحُ لَهُ رَوْنَقٌ ، وَيُعْجِبُ مِنْهُ زِبْرِجٌ لَوِ احْتِيجَ إِلَيْهِ ، وَحُقِّقَ ، لَكُنَّا قَدَّمْنَا مِنْ بَيَانِ مُعْجِزَةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَظُهُورِهَا مَا يُغْنِي عَنْ رُكُوبِ بُطُونِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ ، وَظُهُورِهَا . وَبِاللَّهِ أَسْتَعِينُ . وَهُوَ حَسْبِي ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ .

          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


          الخدمات العلمية