الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          جزء صفحة
          الْفَصْلُ الثَّالِثُ : أَحْوَالُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُمُورِ الدُّنْيَا هَذِهِ حَالُهُ فِي جِسْمِهِ ، فَأَمَّا أَحْوَالُهُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا فَنَحْنُ نَسْبِرُهَا عَلَى أُسْلُوبِنَا الْمُتَقَدِّمِ بِالْعَقْدِ وَالْقَوْلِ ، وَالْفِعْلِ . أَمَّا الْعَقْدُ مِنْهَا فَقَدْ يَعْتَقِدُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا الشَّيْءَ عَلَى وَجْهٍ ، وَيَظْهَرُ خِلَافُهُ ، أَوْ يَكُونُ مِنْهُ عَلَى شَكٍّ أَوْ ظَنٍّ بِخِلَافِ أُمُورِ الشَّرْعِ ، كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو بَحْرٍ سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِي ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ سَمَاعًا وَقِرَاءَةً ، قَالُوا : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَمْرَوَيْهِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرُّومِيِّ ، وَعَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ ، وَأَحْمَدُ الْمَعْقِرِيُّ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، قَالَ : قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ ، فَقَالَ : مَا تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا : كُنَّا نَصْنَعُهُ . قَالَ : لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا ، فَتَرَكُوهُ ، فَنَفَضَتْ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ . وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ : أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا ، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْخَرْصِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ ، وَمَا قُلْتُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ . وَهَذَا عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا قَالَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا ، وَظَنِّهِ مِنْ أَحْوَالِهَا ، لَا مَا قَالَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي شَرْعٍ شَرَعَهُ ، وَسُنَّةٍ سَنَّهَا . وَكَمَا حَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَزَلَ بِأَدْنَى مِيَاهِ بَدْرٍ قَالَ لَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ : أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ؟ قَالَ : لَا ، بَلْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ . قَالَ : فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلٍ ، انْهَضْ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنَ الْقَوْمِ ، فَنَنْزِلَهُ ، ثُمَّ نُغَوِّرَ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْقَلْبِ ، فَنَشْرَبَ وَلَا يَشْرَبُونَ . فَقَالَ : أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ ، وَفَعَلَ مَا قَالَهُ . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ : وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [ آلِ عِمْرَانَ : 159 ] . وَأَرَادَ مُصَالَحَةَ بَعْضِ عَدُوِّهِ عَلَى ثُلُثِ ثَمَرِ الْمَدِينَةِ ، فَاسْتَشَارَ الْأَنْصَارَ . فَلَمَّا أَخْبَرُوهُ بِرَأْيِهِمْ رَجَعَ عَنْهُ . فَمِثْلُ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا الَّتِي لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِعِلْمِ دِيَانَةٍ وَلَا اعْتِقَادِهَا وَلَا تَعْلِيمِهَا ، يَجُوزُ عَلَيْهِ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، إِذْ لَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ نَقِيصَةٌ ، وَلَا مَحَطَّةٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ اعْتِيَادِيَّةٌ يَعْرِفُهَا مَنْ جَرَّبَهَا ، وَجَعَلَهَا هَمَّهُ ، وَشَغَلَ نَفْسَهُ بِهَا ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَشْحُونُ الْقَلْبِ بِمَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مَلْآنُ الْجَوَانِحِ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ ، مُقَيَّدُ الْبَالِ بِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ ، وَلَكِنْ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ ، وَيَجُوزُ فِي النَّادِرِ فِيمَا سَبِيلُهُ التَّدْقِيقُ فِي حِرَاسَةِ الدُّنْيَا وَاسْتِثْمَارِهَا ، لَا فِي الْكَثِيرِ الْمُؤْذِنِ بِالْبَلَهِ ، وَالْغَفْلَةِ . وَقَدْ تَوَاتَرَ بِالنَّقْلِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا ، وَدَقَائِقِ مَصَالِحِهَا ، وَسِيَاسَةِ فِرَقِ أَهْلِهَا مَا هُوَ مُعْجِزٌ فِي الْبَشَرِ مِمَّا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي بَابِ مُعْجِزَاتِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .

          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


          الخدمات العلمية