الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          جزء صفحة
          الْفَصْلُ الثَّامِنُ : فِي الِاخْتِلَافِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - قَالَ الْقَاضِي - وَفَّقَهُ اللَّهُ - : عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَرُوِيَ عَنْهُ : لَا تَنْبَغِي الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا النَّبِيِّينَ . وَقَالَ سُفْيَانُ : يُكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى إِلَّا عَلَى نَبِيٍّ . وَوَجَدْتُ بِخَطِّ بَعْضِ شُيُوخِي : مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ مِنْ مَذْهَبِهِ ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطَةِ لِيَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ : أَكْرَهُ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَمَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَدَّى مَا أُمِرْنَا بِهِ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : لَسْتُ آخُذُ بِقَوْلِهِ ، وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ كُلِّهِمْ ، وَعَلَى غَيْرِهِمْ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَبِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ : وَعَلَى أَزْوَاجِهِ ، وَعَلَى آلِهِ . وَقَدْ وَجَدْتُ مُعَلَّقًا عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ : رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : وَبِهِ نَقُولُ . وَلَمْ يَكُنْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا مَضَى . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلُّوا عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ كَمَا بَعَثَنِي . قَالُوا : وَالْأَسَانِيدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيِّنَةٌ ، وَالصَّلَاةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى التَّرَحُّمِ ، وَالدُّعَاءِ ، وَذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى يَمْنَعَ مِنْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ إِجْمَاعٌ . وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ [ الْأَحْزَابِ : 43 ] الْآيَةَ . . وَقَالَ : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [ التَّوْبَةِ : 103 ] الْآيَةَ . . وَقَالَ : أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [ الْبَقَرَةِ : 157 ] . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ ، قَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ . وَفِي حَدِيثِ الصَّلَاةِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى أَزْوَاجِهِ ، وَذُرِّيَّتِهِ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، قِيلَ : أَتْبَاعُهُ ، وَقِيلَ : آلُ بَيْتِهِ ، وَقِيلَ : أُمَّتُهُ ، وَقِيلَ : الْأَتْبَاعُ ، وَالرَّهْطُ ، وَالْعَشِيرَةُ ، وَقِيلَ : آلُ الرَّجُلِ وَلَدُهُ ، وَقِيلَ : قَوْمُهُ ، وَقِيلَ : أَهْلُهُ الَّذِينَ حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ . وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ : سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ ؟ قَالَ : كُلُّ تَقِيٍّ . وَيَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ الْحَسَنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِآلِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدٌ نَفْسُهُ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي صِلَاتِهِ عَلَى النَّبِيِّ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ يُرِيدُ نَفْسَهُ ، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُخِلُّ بِالْفَرْضِ ، وَيَأْتِي بِالنَّفْلِ ، لِأَنَّ الْفَرْضَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِهِ هُوَ الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَفْسِهِ . وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ يُرِيدُ مِنْ مَزَامِيرِ دَاوُدَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي الصَّلَاةِ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَأَزْوَاجِهِ ، وَذُرِّيَّتِهِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ . وَالصَّحِيحُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ : وَيَدْعُو لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ . وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : كُنَّا نَدْعُو لِأَصْحَابِنَا بِالْغَيْبِ ، فَنَقُولُ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ مِنْكَ عَلَى فُلَانٍ صَلَوَاتِ قَوْمٍ أَبْرَارٍ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِاللَّيْلِ ، وَيَصُومُونَ بِالنَّهَارِ . قَالَ الْقَاضِي : وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ ، وَأَمِيلُ إِلَيْهِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ ، بَلْ هُوَ شَيْءٌ يَخْتَصُّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، تَوْقِيرًا لَهُمْ ، وَتَعْزِيزًا ، كَمَا يُخَصُّ اللَّهُ - تَعَالَى - عِنْدَ ذِكْرِهِ بِالتَّنْزِيهِ ، وَالتَّقْدِيسِ ، وَالتَّعْظِيمِ ، وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، كَذَلِكَ يَجِبُ تَخْصِيصُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ بِالصَّلَاةِ ، وَالتَّسْلِيمِ ، وَلَا يُشَارَكُهُ فِيهِ سِوَاهُمْ ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ : صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ الْأَحْزَابِ : 56 ] . وَيُذْكَرُ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَغَيْرِهِمْ بِالْغُفْرَانِ وَالرِّضَى ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى - : يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [ الْحَشْرِ : 10 ] . وَقَالَ : وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ [ التَّوْبَةِ : 100 ] . وَأَيْضًا فَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ، كَمَا قَالَ أَبُو عِمْرَانَ وَإِنَّمَا أَحْدَثَهُ الرَّافِضَةُ وَالْمُتَشَيِّعَةُ فِي بَعْضِ الْأَئِمَّةِ ، فَشَارَكُوهُمْ عِنْدَ الذِّكْرِ لَهُمْ بِالصَّلَاةِ ، وَسَاوَوْهُمْ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ . وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّشْبِيهَ بِأَهْلِ الْبِدَعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، فَتَجِبُ مُخَالَفَتُهُمْ فِيمَا الْتَزَمُوهُ مِنْ ذَلِكَ . وَذِكْرُ الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ وَالْأَزْوَاجِ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحُكْمِ التَّتَبُّعِ ، وَالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ لَا عَلَى التَّخْصِيصِ . قَالُوا : وَصَلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَجْرَاهَا مَجْرَى الدُّعَاءِ ، وَالْمُوَاجَهَةُ لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّوْقِيرِ . قَالُوا : وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى - : لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [ النُّورِ : 63 ] ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ لَهُ مُخَالِفًا لِدُعَاءِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ . وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ أَبِي الْمُظَفَّرِ الْإِسْفَرَائِينِيِّ مِنْ شُيُوخِنَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .

          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


          الخدمات العلمية