الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ صَنَمٌ أَنْ يَكْسِرَهُ ، فَكَسَّرُوا الْأَصْنَامَ كُلَّهَا ، وَكَسَّرَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعُزَّى بِبَطْنِ نَخْلَةَ ، وَهَدَمَ بَيْتَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تِلْكَ الْعُزَّى لَا تُعْبَدُ أَبَدًا ، وَكَسَّرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ سُوَاعَ ، ثُمَّ قَالَ لِلسَّادِنِ : كَيْفَ رَأَيْتَ . قَالَ : أَسْلَمْتُ لِلَّهِ ، وَكَسَّرَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَشْهَلِيُّ الْمَنَاةَ بِالْمُشَلَّلِ . ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْلَ مَكَّةَ النَّاسَ يَدْعُونَ إِلَى اللَّهِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقِتَالٍ ، وَكَانَ مِمَّنْ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ بِأَسْفَلِ تِهَامَةَ دَاعِيًا ، وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا ، وَمَعَهُ سُلَيْمٌ وَمُدْلِجٌ ، وَقَبَائِلُ مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَلَمَّا نَزَلُوا بِغُمَيْصَاءَ وَهِيَ مِنْ مِيَاهِ بَنِي جُذَيْمَةَ ، وَكَانَتْ بَنُو جُذَيْمَةَ قَدْ أَصَابُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَوْفَ بْنَ عَبْدٍ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَالْفَاكِهَ بْنَ الْمُغِيرَةِ كَانَا أَقْبَلَا تَاجِرَيْنِ مِنَ الْيَمَنِ حَتَّى إِذَا نَزَلَا بِهِمْ قَتَلُوهُمَا ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمَا ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ بَلَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَيْهِمْ ، وَرَآهُ الْقَوْمُ أَخَذُوا السِّلَاحَ ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ : ضَعُوا السِّلَاحَ ; فَإِنَّ الْقَوْمَ أَسْلَمُوا ، فَوَضَعَ الْقَوْمُ السِّلَاحَ لِقَوْلِ خَالِدٍ ، فَلَمَّا وَضَعُوهَا أَمَرَ بِهِمْ خَالِدٌ فَكُتِّفُوا ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى السَّيْفِ ، فَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ : يَا عَلِيُّ ، اخْرُجْ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ، وَانْظُرْ فِي أَمْرِهِمْ ، وَاجْعَلْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ حَتَّى جَاءَهُمْ وَمَعَهُ مَالٌ قَدْ بَعَثَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ وَدَى لَهُمُ الدِّمَاءَ ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ الْأَمْوَالِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَلَا مَالٍ إِلَّا وَدَاهُ ، وَبَقِيَتْ مَعَهُ بَقِيَّةٌ ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ : بَقِيَ لَكُمْ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يُودَ إِلَيْكُمْ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : فَإِنِّي أُعْطِيكُمْ هَذِهِ الْبَقِيَّةَ مِنَ الْمَالِ احْتِيَاطًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا لَا يَعْلَمُ وَلَا تَعْلَمُونَ فَفَعَلَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ . قَالَ : أَصَبْتَ . ثُمَّ إِنَّ هَوَزِانَ لَمَّا سَمِعَتْ بِجَمْعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدُخُولِهِ مَكَّةَ اجْتَمَعَتْ مَعَ ثَقِيفٍ ، وَجُشَمَ ، وَسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، وَكَانَ فِي بَنِي جُشَمَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا التَّيَمُّنُ بِرَأْيِهِ ، وَبِعِلْمِهِ بِالْحَرْبِ ، وَفِي ثَقِيفٍ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَفِي بَنِي بَكْرٍ سُبَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَكَانَ جِمَاعُ أَمْرِ النَّاسِ إِلَى مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ ، فَأَجْمَعَ مَالِكٌ بِالنَّاسِ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَارُوا حَتَّى إِذَا أَتَوْا بِأَوْطَاسٍ وَمَعَهُ الْأَمْوَالُ ، وَالْأَبْنَاءُ ، وَالنِّسَاءُ ، فَقَالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ : بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : بِأَوْطَاسٍ . قَالَ : نَعَمْ ، مَجَالُ الْخَيْلِ لَا حَزَنٌ وَلَا سَهْلٌ دَهْسٌ ، مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْإِبِلِ ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ ، وَيُعَارَ الشَّاءِ ؟ قَالُوا : سَاقَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ بِأَوْطَاسٍ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ ، وَنِسَاءَهُمْ ، وَأَبْنَاءَهُمْ ، فَقَالَ : أَيْنَ مَالِكٌ ، فَقِيلَ : هَذَا مَالِكٌ . فَقَالَ دُرَيْدٌ : يَا مَالِكُ ، إِنَّكَ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِكَ ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَيَّامِ ، مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ ، وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ ، وَبُكَاءَ الصَّغِيرِ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : سُقْتُ مَعَ النَّاسِ أَمْوَالَهُمْ ، وَأَبْنَاءَهُمْ ، وَنِسَاءَهُمْ . قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَ : أَرَدْتُ أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلِّ رَجُلٍ أَهْلَهُ وَمَالَهُ لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ ، فَأَنْقَضَّ بِهِ فَقَالَ : وَهَلْ يَرُدُّ الْقَوْمَ شَيْءٌ ؟ إِنَّهَا إِنْ كَانَتْ لَكَ لَمْ يَنْفَعْكَ إِلَّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ ، مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ ؟ قَالَ مَالِكٌ : لَمْ يَشْهَدْ مِنْهُمْ أَحَدٌ . قَالَ : غَابَ الْحَدُّ وَالْجَدُّ ، لَوْ كَانَ عَلَاءً وَرِفْعَةً لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ ، وَلَا كِلَابٌ ، يَا مَالِكُ لَا تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ الْبَيْضَةِ بَيْضَةِ هَوَازِنَ إِلَى نُحُورِ الْخَيْلِ شَيْئًا ، ارْفَعْهُمْ فِي مُتَمَنَعِ بِلَادِهِمْ ، وَعُلْيَا قَوْمِهِمْ ، ثُمَّ الْقَ الصِّبَاءَ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ لَحِقَ بِكَ مَنْ وَرَاءَكَ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ أَلْفَاكَ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَحْرَزْتَ مَالَكَ وَأَهْلَكَ . قَالَ : تِلْكَ وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ لَتُطِيعُنَّنِي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ أَوْ لَأَتَّكِئَنَّ عَلَى هَذَا السَّيْفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي ، وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا لِدُرَيْدٍ ذِكْرٌ وَرَأْيٌ . قَالُوا : أَطَعْنَاكَ ، فَقَالَ مَالِكٌ لِلْقَوْمِ : إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ ، ثُمَّ شُدُّوا عَلَيْهِمْ شَدَّ رَجُلٍ وَاحِدٍ . وَجَاءَ الْخَبَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيَّ ، فَدَخَلَ فِي النَّاسِ فَأَقَامَ فِيهِمْ حَتَّى سَمِعَ وَعَلِمَ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ ، وَأَمْرِ هَوَازِنَ مَا كَانَ وَمَا أَجْمَعُوا لَهُ ، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية