الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

جزء صفحة
إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَجُلَّ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ ، قَالَ : وَالْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا عِنْدَهُمْ إِيمَانٌ إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسَمَّى إِيمَانًا ، قَالُوا : إِنَّمَا الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ ، وَالْإِقْرَارُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ الْمَعْرِفَةَ - وَذَكَرَ مَا احْتَجُّوا بِهِ إِلَى أَنْ قَالَ : وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْآثَارِ بِالْحِجَازِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَالشَّامِ وَمِصْرَ ، مِنْهُمْ : مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ قَالُوا : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ ، وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ مَعَ الْإِخْلَاصِ بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ ، وَقَالُوا : كُلُّ مَا يُطَاعُ اللَّهُ بِهِ مِنْ فَرِيضَةٍ وَنَافِلَةٍ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ ، قَالُوا : وَالْإِيمَانُ يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي ، قَالَ ، وَأَهْلُ الذُّنُوبِ عِنْدَهُمْ مُؤْمِنُونَ غَيْرُ مُسْتَكْمِلِي الْإِيمَانِ مِنْ أَجْلِ ذُنُوبِهِمْ ، وَإِنَّمَا صَارُوا نَاقِصِي الْإِيمَانِ بِارْتِكَابِهِمُ الْكَبَائِرَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ " الْحَدِيثَ ، يُرِيدُ مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ جَمِيعِ الْإِيمَانِ عَنْ فَاعِلِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَوْرِيثِ الزَّانِي وَالسَّارِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ إِذَا صَلَّوْا إِلَى الْقِبْلَةِ وَانْتَحَلُوا دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَرَابَاتِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَيْسُوا بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ ، ثُمَّ قَالَ : وَعَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ - جَمَاعَةُ أَهْلِ الْآثَارِ وَالْفُقَهَاءُ أَهْلِ الْفُتْيَا فِي الْأَمْصَارِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . ثُمَّ رَدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَعَلَى الْخَوَارِجِ وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ بِالْمُوَارِثَةِ ، وَبِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ " مَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ " وَقَالَ : الْإِيمَانُ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ، فَلَيْسَ نَاقِصُ الْإِيمَانِ كَكَامِلِهِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِلَى قَوْلِهِ : حَقًّا أَيْ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ : " أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا " وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ أَكْمَلَ حَتَّى يَكُونَ غَيْرُهُ أَنْقُصَ ، وَقَوْلُهُ : " أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ " وَقَوْلُهُ : " لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْإِيمَانِ أَوْثَقُ وَأَكْمَلُ مِنْ بَعْضٍ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ . قَالَ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - : لَمَّا صَنَّفَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ مَنَاقِبَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْإِيمَانِ : إِنَّهُ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَقْدٌ بِالْجَنَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ - كَقَوْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ لَقِيَهُ ، اسْتَشْكَلَ الرَّازِيُّ قَوْلَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ جِدًّا ; لِأَنَّهُ كَانَ انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ شُبْهَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي الْإِيمَانِ مِنَ الْخَوَارِجِ ، وَالْمُعْتَزِلَةِ ، والْجَهْمِيَّةِ ، وَالْكَرَّامِيَّةِ وَسَائِرِ الْمُرْجِئَةِ وَهُوَ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُرَكَّبَ إِذَا زَالَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ لَزِمَ زَوَالُهُ كُلِّهِ ، لَكِنْ هُوَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا ظَاهِرَ شُبْهَتِهِمْ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ سَهْلٌ ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ لَهُ أَنَّ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لَمْ تَبْقَ مُجْتَمِعَةً كَمَا كَانَتْ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ زَوَالِ بَعْضِهَا زَوَالُ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ - يَعْنِي كَبَدَنِ الْإِنْسَانِ إِذَا ذَهَبَ مِنْهُ إِصْبَعٌ ، أَوْ يَدٌ ، أَوْ رَجُلٌ وَنَحْوُهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ إِنْسَانًا بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ إِنْسَانٌ نَاقِصٌ ، وَالشَّافِعِيُّ مَعَ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ السَّلَفِ يَقُولُونَ : إِنَّ الذَّنْبَ يَقْدَحُ فِي كَمَالِ الْإِيمَانِ ; وَلِهَذَا نَفَى الشَّارِعُ الْإِيمَانَ عَنْ هَؤُلَاءِ ، يَعْنِي الزَّانِيَ وَالزَّانِيَةَ وَالسَّارِقَ وَشَارِبَ الْخَمْرِ وَنَحْوَهُمْ ، فَذَلِكَ الْمَجْمُوعُ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ لَمْ يَبْقَ مَجْمُوعًا مَعَ الذُّنُوبِ ، لَكِنْ يَقُولُونَ بَقِيَ بَعْضُهُ ، إِمَّا أَصْلُهُ ، وَإِمَّا أَكْثَرُهُ ، وَإِمَّا غَيْرُ ذَلِكَ ، فَيَعُودُ الْكَلَامُ إِلَى أَنَّهُ يَذْهَبُ بَعْضُهُ وَيَبْقَى بَعْضُهُ ; وَلِهَذَا كَانَتِ الْمُرْجِئَةُ تَنْفِرُ مِنْ لَفْظِ النَّقْصِ أَكْثَرَ مِنْ نُفُورِهَا مِنْ لَفْظِ الزِّيَادَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَا نَقَصَ لَزِمَ ذَهَابُهُ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ إِنْ كَانَ مُتَبَعِّضًا مُتَعَدِّدًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ ، وَهُوَ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَهُوَ وَاحِدٌ عِنْدَهُمْ لَا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ فَيُثْبِتُونَ وَاحِدًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ ، كَمَا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي وَحْدَانِيَّةِ الرَّبِّ - عَزَّ وَجَلَّ - وَوَحْدَانِيَّةِ صِفَاتِهِ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهَا مِنْهُمْ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - : وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي هَذَا اعْتِقَادُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي الْإِنْسَانِ بَعْضُ الْإِيمَانِ وَبَعْضُ الْكُفْرِ ، أَوْ مَا هُوَ إِيمَانٌ وَمَا هُوَ كُفْرٌ ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَلِأَجْلِ اعْتِقَادِهِمْ هَذَا الْإِجْمَاعَ وَقَعُوا فِي مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ الْحَقِيقِيِّ إِجْمَاعِ السَّلَفِ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بَلْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِكُفْرِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ جَهْمٍ فِي الْإِيمَانِ ; وَلِهَذَا نَظَائِرُ مُتَعَدِّدَةٌ يَقُولُ الْإِنْسَانُ قَوْلًا مُخَالِفًا لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ حَقِيقَةً ، وَيَكُونُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالنَّصِّ ، وَالْإِجْمَاعِ ، وَهَذَا إِذَا كَانَ مَبْلَغَ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فَاللَّهُ يُثِيبُهُ عَلَى مَا أَطَاعَ اللَّهَ فِيهِ مِنِ اجْتِهَادِهِ ، وَيَغْفِرُ لَهُ مَا عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ مِنَ الصَّوَابِ الْبَاطِنِ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ : وَقَدْ قَالَ لِي بَعْضُهُمْ مَرَّةً : الْإِيمَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِيمَانٌ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ . فَقُلْتُ لَهُ : قَوْلُكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَقَوْلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِنْسَانٌ وَمِنْ حَيْثُ هُوَ حَيَوَانٌ ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُودٌ فَتُثْبِتُ لِهَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ وَجُودًا مُطْلَقًا مُجَرَّدًا عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ ، وَالصِّفَاتِ ، وَهَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُقَدِّرُهُ الْإِنْسَانُ فِي ذِهْنِهِ كَمَا يُقَدِّرُ مَوْجُودًا لَا قَدِيمًا وَلَا حَادِثًا وَلَا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ ، وَالْمَاهِيَّاتُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ شَيْءٌ يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ ، وَهَكَذَا تَقْدِيرُ إِيمَانٍ لَا يَتَّصِفُ بِهِ مُؤْمِنٌ ، بَلْ هُوَ مُجَرَّدٌ عَنْ كُلِّ قَيْدٍ بَلْ مَا ثَمَّ إِيمَانٌ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، كَمَا مَا ثَمَّ إِنْسَانِيَّةٌ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مَا اتَّصَفَ بِهَا الْإِنْسَانُ فَكُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ إِنْسَانِيَّةٌ تَخُصُّهُ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ إِيمَانٌ يَخُصُّهُ ، فَإِنْسَانِيَّةُ زَيْدٍ تُشْبِهُ إِنْسَانِيَّةَ عَمْرٍو ، وَلَيْسَتْ هِيَ هِيَ ، وَالِاشْتِرَاكُ إِنَّمَا هُوَ فِي أَمْرٍ كُلِّيٍّ مُطْلَقٍ يَكُونُ فِي الذِّهْنِ وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا فِي ضِمْنِ أَفْرَادِهِ ، فَإِذَا قِيلَ إِيمَانُ زَيْدٍ مِثْلُ إِيمَانِ عَمْرٍو ، فَإِيمَانُ كُلِّ وَاحِدٍ يَخُصُّهُ مُعَيَّنٌ ، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ ، وَالنُّقْصَانَ ، وَمَنْ نَفَى التَّفَاضُلَ إِنَّمَا يَتَصَوَّرُ فِي نَفْسِهِ إِيمَانًا مُطْلَقًا كَمَا يَتَصَوَّرُ إِنْسَانًا مُطْلَقًا وَوُجُودًا مُطْلَقًا عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعَيَّنَةِ لَهُ ، ثُمَّ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الْمَوْجُودُ فِي النَّاسِ ، وَذَلِكَ لَا يَقْبَلُ التَّفَاضُلَ بَلْ لَا يَقْبَلُ فِي نَفْسِهِ التَّعَدُّدَ إِذْ هُوَ تَصَوُّرٌ مُعَيَّنٌ قَائِمٌ فِي نَفْسِ مُتَصَوِّرِهِ ; وَلِهَذَا يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمُشْتَرِكَةَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ هِيَ وَاحِدَةٌ فِي الشَّخْصِ وَالْعَيْنِ حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ بِطَائِفَةٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ عِلْمًا وَعِبَادَةً إِلَى أَنْ جَعَلُوا الْوُجُودَ كَذَلِكَ ، فَتَصَوَّرُوا أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ مُشْتَرِكَةً فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ وَتَصَوَّرُوا هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ فَظَنُّوهُ فِي الْخَارِجِ كَمَا هُوَ فِي أَنْفُسِهِمْ ، ثُمَّ ظَنُّوا أَنَّهُ اللَّهُ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَجُعِلُوا رَبَّ الْعَالَمِينَ هُوَ هَذَا الْوُجُودَ الَّذِي لَا يُوجَدُ قَطُّ إِلَّا فِي نَفْسِ مُتَصَوِّرِهِ ، لَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ أَبَدًا . وَهَكَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ تَصَوَّرُوا أَعْدَادًا مُجَرَّدَةً ، وَحَقَائِقَ مُجَرَّدَةً وَيُسَمُّونَهَا الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ ، وَزَمَانًا مُجَرَّدًا عَنِ الْحَرَكَةِ وَالْمُتَحَرِّكَ ، وَبُعْدًا مُجَرَّدًا عَنِ الْأَجْسَامِ وَصِفَاتِهَا ، ثُمَّ ظَنُّوا وُجُودَ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمُ اشْتُبِهَ عَلَيْهِمْ مَا فِي الْأَذْهَانِ بِمَا فِي الْأَعْيَانِ ، وَتَوَلَّدَ مِنْ هَذَا بِدَعٌ وَمَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ : ذَهَبَ السَّلَفُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ ، قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ : وَالْأَظْهَرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّصْدِيقَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِكَثْرَةِ النَّظَرِ وَوُضُوحِ الْأَدِلَّةِ ; وَلِهَذَا كَانَ إِيمَانُ الصِّدِّيقِ أَقْوَى مِنْ إِيمَانِ غَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا تَعْتَرِيهِ الشُّبْهَةُ . وَقَالَ : وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ يَتَفَاضَلُ حَتَّى إِنَّهُ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَعْظَمَ يَقِينًا وَإِخْلَاصًا وَتَوَكُّلًا مِنْهُ فِي بَعْضِهَا ، وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ بِحَسَبِ ظُهُورِ الْبَرَاهِينِ وَكَثْرَتِهَا . وَمَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ - يَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ - صَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَهَؤُلَاءِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي عَصْرِهِمْ ، وَكَذَا نَقَلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، وَيُرْوَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ : لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْأَمْصَارِ ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ . وَأَطْنَبَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَاللَّالَكَائِيُّ فِي نَقْلِ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَكُلِّ مَنْ يَدُورُ عَلَيْهِمُ الْإِجْمَاعُ مِنَ الْأَئِمَّةِ . وَحَكَاهُ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَوَكِيعٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ . وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ : ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ، أَنَا الرَّبِيعُ قَالَ : سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ : الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ الشَّافِعِيِّ مِنَ الْحِلْيَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الرَّبِيعِ ، وَزَادَ : يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصَ بِالْمَعْصِيَةِ وَتَلَا وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا الْآيَةَ . انْتَهَى . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا " الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ " وَأَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا أَيْضًا . وَالْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمُعْتَبَرِينَ ، وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَعْلَامِ عُلَمَاءِ الصُّوفِيَّةِ - أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَقْدٌ بِالْجَنَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَضْعُفُ بِالْعِصْيَانِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا لَعَلَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية