الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى إِكْرَامَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ أَسْرَى بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ أَكْرَمَ مُوسَى أَيْضًا قَبْلَهُ، فَقَالَ: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ يَعْنِي التَّوْرَاةَ، وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ دَلَلْنَاهُمْ بِهِ عَلَى الْهُدَى، أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالْيَاءِ; لِأَنَّ الْمَعْنَى: هَدَيْنَاهُمْ لِئَلَّا يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ فَهُوَ عَلَى الِانْصِرَافِ إِلَى الْخِطَابِ بَعْدَ الْغَيْبَةِ مِثْلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، ثُمَّ قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ قَالَ الزَّجَّاجُ : أَيْ لَا تَتَوَكَّلُوا عَلَى غَيْرِي، وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي رَبًّا. قَوْلُهُ: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ قَالَ مُجَاهِدٌ : هَذَا نِدَاءٌ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ ذُرِّيَّةُ نُوحٍ ; لِأَنَّ مَنْ حُمِلَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ كَانُوا أَبْنَاءَهُ وَذُرِّيَّتَهُ. ثُمَّ أَثْنَى عَلَى نُوحٍ فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ نُوحٌ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا، أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا حَمِدَ اللَّهَ، فَسُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا. قَوْلُهُ: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ أَعْلَمْنَاهُمْ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ، لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ بِالْمَعَاصِي وَخِلَافِ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ فِي الْأَرْضِ، يَعْنِي أَرْضَ مِصْرَ ، مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا لَتَتَعَظَّمُنَّ عَلَى الطَّاعَةِ، وَلَتَبْلُغُنَّ. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا أُولَى الْمَرَّتَيْنِ، بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ خَلَّيْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، عِبَادًا لَنَا يَعْنِي جَالُوتَ وَجُنُودَهُ، أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ذَوِي عَدَدٍ وَقُوَّةٍ فِي الْقِتَالِ، فَجَاسُوا فَطَافُوا وَتَرَدَّدُوا، خِلَالَ الدِّيَارِ وَالْخِلَالُ: الِانْفِرَاجُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، قَالَ الزَّجَّاجُ : طَافُوا خِلَالَ الدِّيَارِ يَنْظُرُونَ هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَمْ يَقْتُلُوهُ؟ قَالَ: وَالْجَوْسُ طَلَبُ الشَّيْءِ بِاسْتِقْصَاءٍ. وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا قَالَ قَتَادَةُ : قَضَاءُ اللَّهِ عَلَى الْقَوْمِ كَمَا تَسْمَعُونَ. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ، وَعَادَ مُلْكُهُمْ كَمَا كَانَ. وَالْكَرَّةُ مَعْنَاهَا الرَّجْعَةُ وَالدَّوْلَةُ، وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَأَعْطَيْنَاكُمْ، وَأَكْثَرْنَا أَمْوَالَكُمْ وَأَوْلَادَكُمْ، وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا عَدَدًا وَأَنْصَارًا مِنْهُمْ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : النَّفِيرُ الْعَدَدُ مِنَ الرِّجَالِ. قَوْلُهُ: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَيْ: وَقُلْنَا لَهُمْ إِنْ أَحْسَنْتُمْ، أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ، عَفَا عَنْكَ الْمَسَاوِئَ. وَإِنْ أَسَأْتُمْ بِالْفَسَادِ وَعِصْيَانِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَهَا قَالَ: يُرِيدُ فَعَلَى أَنْفُسِكُمْ يَقَعُ الْوَبَالُ. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ وَعْدُ الْمَرَّةِ الْآخِرَةِ مِنْ إِفْسَادِكُمْ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: فَأَفْسَدُوا الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ، فَقَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ الْبَابِلِيَّ الْمَجُوسِيَّ أَبْغَضَ خَلْقِهِ إِلَيْهِ، فَسَبَى، وَقَتَلَ، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَسَامَهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ. وَجَوَابُ فَإِذَا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ بَعَثْنَاهُمْ، لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ يُقَالُ: سَاءَهُ يَسُوؤُهُ، أَيْ أَحْزَنَهُ، وَالْمَعْنَى: لِيُدْخِلُوا عَلَيْكُمُ الْحُزْنَ بِمَا يَفْعَلُونَ مِنْ قَتْلِكُمْ وَسَبْيِكُمْ وَتَخْرِيبِ بِلَادِكُمْ، وَعُدِّيَتِ الْمَسَاءَةُ إِلَى الْوُجُوهِ، وَالْمُرَادُ بِهَا أَصْحَابُهَا، لِمَا يَبْدُوا فِيهَا مِنْ أَثَرِ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ لِيَسُوءَ عَلَى وَاحِدٍ، أَيْ: لِيَسُوءَ اللَّهُ، أَوْ لِيَسُوءَ الْبَعْثُ وُجُوهَكُمْ، وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ بِالنُّونِ كَقَوْلِهِ: بَعَثْنَا وَأَمْدَدْنَا. وَقَوْلُهُ: وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا يُقَالُ: تَبَّرَهُ أَيْ أَهْلَكَهُ، قَالَ الزَّجَّاجُ : كُلُّ شَيْءٍ كَسَرْتَهُ وَفَتَنْتَهُ فَقَدْ تَبَّرْتَهُ. وَالْمَعْنَى: لِيُدَمِّرُوا وَيُخَرِّبُوا مَا عَلَوْا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ هَذَا مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي كِتَابِهِمْ، وَالْمَعْنَى: لَعَلَّ رَبَّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَيَعْفُوَ عَنْكُمْ بَعْدَ انْتِقَامِهِ مِنْكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ عَادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ حَتَّى كَثُرُوا وَانْتَشَرُوا، ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا قَالَ الْحَسَنُ : وَإِنْ عُدْتُمْ بِالْمَعْصِيَةِ عُدْنَا بِالْعُقُوبَةِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ : ثُمَّ عَادُوا فَأَعَادَ اللَّهُ بِالْعَرَبِ. وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُهُ: سِجْنًا وَمَحْبَسًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُحْصَرُونَ فِيهَا. وَهَذَا ابْتِدَاءُ إِخْبَارٍ عَنِ اللَّهِ فِي عِقَابِ جَمِيعِ الْكَافِرِينَ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية