الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      قَوْلُهُ: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي قَوْلِهِ: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ الْآيَةَ، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بِالْبَغْيِ وَالْمَعَاصِي. ثُمَّ ذَكَرَ الْمَغْفِرَةَ لِمَنْ تَابَ بَعْدَ الْمَعْصِيَةِ، فَقَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ قَالَ مُجَاهِدٌ : كُلُّ مَنْ عَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ مِنْهُ جَهْلٌ حَتَّى يَرْجِعَ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : كُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ بِالسُّوءِ الشِّرْكَ. ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ السُّوءِ، وَأَصْلَحُوا قَالَ: آمَنُوا، وَصَدَّقُوا، وَقَامُوا لِلَّهِ تَعَالَى بِفَرَائِضِهِ. إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا مِنْ بَعْدِ تِلْكَ الْجَهَالَةِ، لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. قَوْلُهُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْعَالِمِ أُمَّةٌ، وَالْأُمَّةُ الرَّجُلُ الْجَامِعُ لِلْخَيْرِ. قَانِتًا مُطِيعًا لِلَّهِ، حَنِيفًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ وَأَقَامَ الْمَنَاسِكَ وَضَحَّى، فَهَذِهِ صِفَةُ الْحَنِيفِيَّةِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ ، نَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، نَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ ، نَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغُدَانِيُّ ، نَا الشَّعْبِيُّ ، حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ: إِنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قُلْتُ: غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا ، قَالَ: فَأَعَادَهَا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ تَعَمَّدَ الْأَمْرَ تَعَمُّدًا فَسَكَتُّ، فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ؟ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسُ الْخَيْرَ، وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْقَانِتُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ، وَكَذَلِكَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُعَلِّمُ الْخَيْرَ وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : أَخْلَصَ لِلَّهِ التَّوْحِيدَ صَبِيًّا وَكَبِيرًا. شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ انْتَصَبَ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَالْأَنْعُمُ جَمْعُ نِعْمَةٍ، اجْتَبَاهُ اخْتَارَهُ لِلنُّبُوَّةِ، وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَهُوَ دِينُ الْحَنِيفِيَّةِ. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً قَالَ الْوَالِبِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَعْنِي الذِّكْرَ الْحَسَنَ. وَقَالَ الْحَسَنُ : هِيَ النُّبُوَّةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخَرِينَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ : يَعْنِي عَلَيْهِ مَقْرُونَةً بِالصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ قَتَادَةُ : هِيَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ دِينٍ إِلَّا وَهُمْ يَتْلُونَهُ وَيَرْضَوْنَهُ. وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ تَرْغِيبٌ فِي الصَّلَاحِ لِيَكُونَ صَاحِبُهُ فِي جَنَبَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَهَذَا أَكْمَلُ مَدْحٍ لِإِبْرَاهِيمَ حَيْثُ شَرَّفَ جُمْلَةً هُوَ مِنْهَا. ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ، أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ ، حَيْثُ أُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ لِسَبْقِهِ إِلَى الْقَوْلِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : وَأُمِرَ بِاتِّبَاعِهِ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ كَمَا عَلَّمَ جِبْرِيلُ إِبْرَاهِيمَ . وَقَوْلُهُ: إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ عَطَاءٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : تَهَاوَنُوا وَصَادُوا فِيهِ وَتَعَدَّوْا. وَقَالَ قَتَادَةُ : اسْتَحَلَّهُ بَعْضُهُمْ، وَحَرَّمَهُ بَعْضُهُمْ. وَاخْتِلَافُهُمُ اسْتِحْلَالُهُمُ الصَّيْدَ زَمَنَ دَاوُدَ يَعْنِي أَهْلَ أَيْلَةَ، فَجَعَلَ السَّبْتَ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ عُوقِبُوا بِتَرْكِ تَحْرِيمِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ خَالَفُوا أَهْلَ الْحَقِّ فِي اسْتِحْلَالِ السَّبْتِ، ثُمَّ ذَكَرَ بِبَاقِي الْآيَةِ أَنَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية