الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      [ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ ] وَأَمَّا التَّفْسِيرُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فَإِنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِهِ "الْبَاءُ" فِي قَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ مَحْذُوفٌ، وَيُسْتَغْنَى عَنْ إِظْهَارِهِ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى الِابْتِدَاءِ، كَأَنَّهُ قَالَ: بَدَأْتُ بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ أَبْدَأُ بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَالُ تُبَيِّنُ أَنَّهُ مُبْتَدِئٌ فَاسْتُغْنِيَتْ عَنْ ذِكْرِهِ. وَهِيَ أَدَاةٌ تَجُرُّ مَا بَعْدَهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ نَحْوَ "مِنْ" وَ "عَنْ" وَ "فِي"، وَحُذِفَتِ الْأَلِفُ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي مَوْضِعٍ مَعْرُوفٍ لَا يَجْهَلُ الْقَارِئُ مَعْنَاهُ، فَاسْتُخِفَّ طَرْحُهَا، وَأُثْبِتَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكْثُرُ كَثْرَةَ بِسْمِ اللَّهِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا تُحْذَفُ الْأَلِفُ إِذَا أُضِيفَ الِاسْمُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَا مَعَ غَيْرِ "الْبَاءِ" مِنَ الْحُرُوفِ، فَتَقُولُ: لِاسْمِ اللَّهِ حَلَاوَةٌ فِي الْقُلُوبِ، وَلَيْسَ اسْمٌ كَاسْمِ اللَّهِ. فَتُثْبِتُ الْأَلِفَ مَعَ اللَّامِ وَالْكَافِ، هَذَا فِي سُقُوطِهَا فِي الْكِتَابَةِ، وَأَمَّا سُقُوطُهَا فِي اللَّفْظِ: فَلِأَنَّهَا لِلْوَصْلِ، وَقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْهَا بِالْبَاءِ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ "الِاسْمَ" مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ؛ لِأَنَّهُ يَعْلُو الْمُسَمَّى، فَالِاسْمُ مَا عَلَا وَظَهَرَ، فَصَارَ عَلَمًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَا تَحْتَهُ مِنَ الْمَعْنَى، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ : "الِاسْمُ" : مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَسْمِ وَالسِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ، وَمِنْ هَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ : الِاسْمُ سِمَةٌ تُوضَعُ عَلَى الشَّيْءِ يُعْرَفُ بِهِ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنَ الْوَسْمِ لَقِيلَ فِي تَصْغِيرِهِ: وُسَيْمٌ، كَمَا قَالُوا: وُعَيْدَةٌ، وَوُصَيْلَةٌ. فِي تَصْغِيرِ عِدَةٍ وَصِلَةٍ، فَلَمَّا قَالُوا: "سُمَيٌّ" ظَهَرَ أَنَّهُ مِنَ السُّمُوِّ لَا مِنَ السِّمَةِ، وَأَمَّا اللَّهُ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ، وَأَنَّهُ اسْمٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ، يَجْرِي فِي وَصْفِهِ مَجْرَى أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ أَحَدٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ، أَيْ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا يُسَمَّى اللَّهَ غَيْرَهُ؟. وَهَذَا الْقَوْلُ يُحْكَى عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ ، وَابْنِ كَيْسَانَ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ ، وَالْأَكْثَرُونَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: "أَلَهَ إِلَاهَةً" ، أَيْ: عَبَدَ عِبَادَةً، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ "وَيَذَرُكَ وَإِلَاهَتَكَ"، قَالَ: مَعْنَاهُ عِبَادَتُكَ، وَيُقَالُ: تَأَلَّهَ الرَّجُلُ إِذَا نَسَكَ، قَالَ رُؤْبَةُ: سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي وَمَعْنَاهُ: الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ، وَذُو الْعِبَادَةِ: الَّذِي إِلَيْهِ تُوَجَّهُ الْعِبَادَةُ وَبِهَا يُقْصَدُ. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ الرَّازِيُّ : اللَّهُ أَصْلُهُ "إِلَاهٌ"، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ ، وَلَا يَكُونُ إِلَهًا حَتَّى يَكُونَ لِعَابِدِهِ خَالِقًا وَرَازِقًا وَمُدَبِّرًا وَعَلَيْهِ مُقْتَدِرًا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِإِلَهٍ، وَإِنْ عُبِدَ عُبِدَ ظُلْمًا، بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ وَمُتَعَبِّدٌ. قَالَ: وَأَصْلُ إِلَهٍ: "وِلَاهٌ" فَقُلِبَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً كَمَا قَالُوا لِلْوِشَاحِ: إِشَاحٌ وَلِلْوِجَاجِ: أُجَاجٌ، وَمَعْنَى "وِلَاهٌ": أَنَّ الْخَلْقَ يُولَهُونَ إِلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَيَضْرَعُونَ إِلَيْهِ فِيمَا يَنُوبُهُمْ، وَيَفْزَعُونَ إِلَيْهِ فِي كُلِّ مَا يُصِيبُهُمْ، كَمَا يُولَهُ كُلُّ طِفْلٍ إِلَى أُمِّهِ. قَوْلُهُ: "الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ" قَالَ اللَّيْثُ: هُمَا اسْمَانِ اشْتِقَاقُهُمَا مِنَ الرَّحْمَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هُمَا صِفَتَانِ لِلَّهِ مَعْنَاهُمَا: ذُو الرَّحْمَةِ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ: إِرَادَتُهُ الْخَيْرَ وَالنِّعْمَةَ وَالْإِحْسَانَ إِلَى مَنْ يَرْحَمُهُ، وَالرَّحْمَنُ عِنْدَ قَوْمٍ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنَ الرَّحِيمِ، كَالْعَلَّامِ مِنَ الْعَلِيمِ، وَلِهَذَا قِيلَ: "رَحْمَنُ الدُّنْيَا وَرَحِيمُ الْآخِرَةِ"؛ لِأَنَّ رَحْمَتَهُ فِي الدُّنْيَا عَمَّتِ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، وَالْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَرَحْمَتَهُ فِي الْآخِرَةِ اخْتُصَّتْ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، كَنَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ، وَلَهْفَانٍ وَلَهِيفٍ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ جَادٌّ مُجِدٌّ. قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي الشُّكْرَ لِلَّهِ، وَهُوَ أَنَّهُ صَنَعَ إِلَى خَلْقِهِ فَحَمِدُوهُ، يَعْنِي أَنَّهُ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فَشَكَرُوهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ، وَالْحَمْدُ قَدْ يَكُونُ شُكْرًا لِلصَّنِيعَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ابْتِدَاءً لِلثَّنَاءِ عَلَى الرَّجُلِ، يُقَالُ: حَمِدْتُهُ عَلَى مَعْرُوفِهِ، كَمَا يُقَالُ: شَكَرْتُهُ، وَيُقَالُ: حَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَعَلَى شَجَاعَتِهِ إِذَا أَثْنَيْتَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ فِي هَذَا الْمَعْنَى: شَكَرْتُهُ. فَحَمْدُ اللَّهِ: الثَّنَاءُ عَلَيْهِ وَالشُّكْرُ لِنِعَمِهِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْحَمْدُ لِلَّهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إِخْبَارًا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَالْفَائِدَةُ فِيهِ: أَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْحَمْدِ لَهُ، وَتَحْصِيلُ كُلِّ الْحَمْدِ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا ثَنَاءً أَثْنَى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، عَلَّمَ عِبَادَهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ ثَنَاءً عَلَيْهِ وَشُكْرًا لَهُ، يَكْتَسُونَ بِقَوْلِهِ وَتِلَاوَتِهِ أَعْظَمَ الثَّوَابِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى: قُولُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ. فَيُضْمَرُ "الْقَوْلُ" هَاهُنَا، كَمَا يُضْمَرُ فِي قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا ، مَعْنَاهُ: يَقُولُونَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: لِلَّهِ هَذِهِ "اللَّامُ" تُسَمَّى لَامَ الْإِضَافَةِ، وَلَهَا مَعْنَيَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمِلْكُ، نَحْوَ الْمَالُ لِزَيْدٍ، وَالْآخَرُ: الِاسْتِحْقَاقُ، نَحْوَ الْحَبْلُ لِلدَّابَّةِ، أَيِ: اسْتَحَقَّتْهُ، وَكَذَلِكَ الْبَابُ لِلدَّارِ. وَقَوْلُهُ: رَبُّ الْعَالَمِينَ الرَّبُّ فِي اللُّغَةِ لَهُ مَعْنَيَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنَ الرَّبِّ بِمَعْنَى التَّرْبِيَةِ، يُقَالُ: رَبَّ فُلَانٌ الضَّيْعَةَ يَرُبُّهَا رَبًّا إِذَا أَتَمَّهَا وَأَصْلَحَهَا، فَهُوَ رَبٌّ، مِثْلَ بَرَّ وَطَبَّ، قَالَ الشَّاعِرُ: يَرُبُّ الَّذِي يَأْتِي مِنَ الْخَيْرِ إِنَّهُ إِذَا فَعَلَ الْمَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا: أَنَّهُ يُرَبِّي الْخَلْقَ وَيُغَذِّيهِمْ بِمَا يُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ بِمَعْنَى الْمَالِكِ، يُقَالُ: رَبَّ الشَّيْءَ إِذَا مَلَكَهُ، وَكُلُّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا فَهُوَ رَبُّهُ، يُقَالُ: هُوَ رَبُّ الدَّارِ وَرَبُّ الضَّيْعَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، أَيْ: مَالِكُهُ. وَقَوْلُهُ: الْعَالَمِينَ هُوَ جَمْعٌ عَالَمٍ، عَلَى وَزْنِ فَاعَلٍ، نَحْوَ خَاتَمٍ وَطَابَعٍ وَوَافَقٍ وَقَالَبٍ، وَهُوَ اسْمٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، يُقَالُ: الْعَالَمُ مُحْدَثٌ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ فِي تَفْسِيرِ "الْعَالَمِ" أَنَّهُ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَوْلُهُ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ الْمَالِكُ: الْفَاعِلُ مِنَ الْمِلْكِ، يُقَالُ: مَلَكَ الشَّيْءَ يَمْلِكُهُ مُلْكًا وَمِلْكًا وَمَمْلَكَةً، وَيُقْرَأُ هَذَا الْحَرْفُ بِوَجْهَيْنِ: مَالِكِ وَمَلِكِ، فَمَنْ قَرَأَ مَلِكِ قَالَ: الْمَلِكُ أَشْمَلُ وَأَتَمُّ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَالِكٌ وَلَا مِلْكَ لَهُ، وَلَا يَكُونُ مَلِكٌ إِلَّا وَلَهُ مِلْكٌ، فَكُلُّ مَلَكٍ مَالِكٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا، وَيُقَوِّي هَذِهِ الْقِرَاءَةَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَقَوْلُهُ: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ وَقَوْلُهُ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ، وَلَمْ يَقُلِ: الْمَالِكُ، وَمَنْ قَرَأَ "مَالِكُ" فَلِأَنَّهُ أَجْمَعُ وَأَوْسَعُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَالِكُ الطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَالْوُحُوشِ وَكُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يُقَالُ: مَلِكُ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّمَا يُقَالُ: مَلِكُ النَّاسِ وَلَا يَكُونُ مَالِكَ الشَّيْءِ إِلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكَ الشَّيْءِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُهُ كَقَوْلِهِمْ: مَلِكُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ. وَالدِّينُ: الْجَزَاءُ، وَيَوْمُ الدِّينِ: يَوْمَ يَدِينُ اللَّهُ الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ. تَقُولُ الْعَرَبُ: دِنْتُهُ بِمَا فَعَلَ أَيْ: جَازَيْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَإِنَّا لَمَدِينُونَ أَيْ: مَجْزِيُّونَ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: كَمَا تَدِينُ تُدَانُ، أَيْ: كَمَا تُجَازِي تُجَازَى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ : أَنَّهُ يَنْفَرِدُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْحُكْمِ، بِخِلَافِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَحْكُمُ فِيهَا الْوُلَاةُ وَالْقُضَاةُ، وَلَا يَمْلِكُ أَحَدٌ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا اللَّهُ، وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ: مَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ الْأَحْكَامَ، وَحُذِفَ الْمَفْعُولُ مِنَ الْكَلَامِ لِلدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَمَنْ قَرَأَ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَتَفَرَّدُ بِالْمُلْكِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِزَوَالِ مُلْكِ الْمُلُوكِ، وَانْقِطَاعِ أَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ . قَوْلُهُ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ "إِيَّا" ضَمِيرُ الْمَنْصُوبِ الْمُنْفَصِلِ، وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ الْمَكَانِيُّ مِنَ الْيَاءِ، وَالنُّونِ، وَالْكَافِ، وَالْهَاءِ نَحْوَ: إِيَّايَ، وَإِيَّانَا، وَإِيَّاكَ، وَإِيَّاهُ، وَيُسْتَعْمَلُ مُقَدَّمًا عَلَى الْفِعْلِ نَحْوَ: إِيَّاكَ أَعْنِي، إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ مُؤَخَّرًا، لَا يُقَالُ: قَصَدْتُ إِيَّاكَ، فَإِذَا فَصَلْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِعْلِ بِـ"إِلَّا" جَازَ التَّأْخِيرُ، نَحْوَ: مَا عَنَيْتُ إِلَّا إِيَّاكَ، وَنَعْبُدُ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَهِيَ الطَّاعَةُ مَعَ الْخُضُوعِ، وَلَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ وَانْقِيَادِهِ لِمَوْلَاهُ، "وَطَرِيقٌ مُعَبَّدٌ": إِذَا كَانَ مُذَلَّلًا بِالْأَقْدَامِ، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: أَصْلُهُ: نَسْتَعْوِنُ مِنَ الْمَعُونَةِ، سَكَنَ مَا قَبْلَ الْوَاوِ فَاسْتُثْقِلَتْ فَنُقِلَتْ إِلَى الْعَيْنِ، فَصَارَ نَسْتَعِينُ، وَمَعْنَاهُ: نَطْلُبُ مِنْكَ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِكَ وَعَلَى أُمُورِنَا كُلِّهَا. قَوْلُهُ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ مَعْنَى الْهِدَايَةِ فِي اللُّغَةِ: الدَّلَالَةُ، يُقَالُ: هَدَاهُ فِي الدِّينِ يَهْدِيهِ هُدًى، وَهَدَاهُ يَهْدِيهِ هِدَايَةً إِذَا دَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ، وَالصِّرَاطُ أَصْلُهُ بِالسِّينِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الِاسْتِرَاطِ، بِمَعْنَى الِابْتِلَاعِ، فَالسِّرَاطُ يَسْتَرِطُ السَّابِلَةَ. فَمَنْ قَرَأَ بِالسِّينِ فَعَلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالصَّادِ فَلِأَنَّهَا أَخَفُّ عَلَى اللِّسَانِ؛ لِأَنَّ الصَّادَ حَرْفٌ مُطْبَقٌ كَالطَّاءِ، فَيَتَقَارَبَانِ وَيَحْسُنَانِ فِي السَّمْعِ، وَمَنْ قَرَأَ بِالزَّايِ أَبْدَلَ مِنَ السِّينِ حَرْفًا مَجْهُورًا حَتَّى يُشْبِهَ الطَّاءَ فِي الْجَهْرِ، وَيَحْتَجَّ بِقَوْلِ الْعَرَبِ: "زَقْرٌ" فِي "صَقْرٍ"، وَمَنْ قَرَأَ بِإِشْمَامِ الزَّايِ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا زَايًا خَالِصَةً وَلَا صَادًا خَالِصَةً لِئَلَّا يَلْتَبِسَ أَصْلُ الْكَلِمَةِ بِأَحَدِهِمَا، وَكُلُّهَا لُغَاتٌ، وَمَعْنَى سُؤَالِ الْمُسْلِمِينَ الْهُدَى وَهُمْ مُهْتَدُونَ: التَّثْبِيتُ عَلَى الْهُدَى، وَهَذَا كَمَا نَقُولُ لِلْقَائِمِ: قُمْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، أَيِ: اثْبُتْ عَلَى قِيَامِكَ. وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ: كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ الْقُرْآنُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَرَوَى السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: هُوَ الْإِسْلَامُ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ . قَوْلُهُ: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أَيْ: بِالثَّبَاتِ عَلَى الْإِيمَانِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَالْهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ، وَهُمُ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ . وَقَالَ السُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ : يَعْنِي طَرِيقَ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُمْ قَوْمُ مُوسَى وَعِيسَى قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرُوا دِينَ اللَّهِ تَعَالَى. قَوْلُهُ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ : غَيْرِ: مُنْخَفِضٌ عَلَى ضَرْبَيْنِ: عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الَّذِينَ، وَعَلَى صِفَةِ الَّذِينَ؛ لِأَنَّ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هُمُ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِالْإِيمَانِ فَهُوَ غَيْرُ مَغْضُوبٍ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى الْغَضَبِ مِنَ اللَّهِ: إِرَادَةُ الْعُقُوبَةِ. قَوْلُهُ: وَلَا الضَّالِّينَ أَصْلُ الضَّلَالِ فِي اللُّغَةِ: الْغَيْبُوبَةُ، يُقَالُ: ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا غَابَ فِيهِ، وَضَلَّ الْكَافِرُ إِذَا غَابَ عَنِ الْمَحَجَّةِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ ، أَيْ: غِبْنَا فِيهَا بِالْمَوْتِ وَصِرْنَا تُرَابًا. وَالْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمُ: الْيَهُودُ، وَالضَّالِّينَ: النَّصَارَى، وَاللَّهُ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْيَهُودِ بِالْغَضَبِ فِي قَوْلِهِ: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى النَّصَارَى بِالضَّلَالِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: اهْدِنَا صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْلَامِ، وَلَمْ تَغْضَبْ عَلَيْهِمْ كَمَا غَضِبْتَ عَلَى الْيَهُودِ، وَلَمْ يَضِلُّوا عَنِ الْحَقِّ كَمَا ضَلَّتِ النَّصَارَى، وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ: آمِينَ مَعَ سَكْتَةٍ عَلَى نُونِ وَلَا الضَّالِّينَ، لِيَتَمَيَّزَ مَا هُوَ قُرْآنٌ مِمَّا لَيْسَ بِقُرْآنٍ، وَفِيهِ لُغَتَانِ: آمِينَ بِالْمَدِّ، وَأَمِينَ بِالْقَصْرِ، وَمَعْنَاهُمَا: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِطَلَبِ الْإِجَابَةِ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية