الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ لِبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ : الْعِلْمُ بِالْكَلَامِ هُوَ الْجَهْلُ ، وَالْجَهْلُ بِالْكَلَامِ هُوَ الْعِلْمُ ، وَإِذَا صَارَ الرَّجُلُ رَأْسًا فِي الْكَلَامِ قِيلَ : زِنْدِيقٌ ، أَوْ رُمِيَ بِالزَّنْدَقَةِ . أَرَادَ بِالْجَهْلِ بِهِ اعْتِقَادَ عَدَمِ صِحَّتِهِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِلْمٌ نَافِعٌ ، أَوْ أَرَادَ بِهِ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ أَوْ تَرْكَ الِالْتِفَاتِ إِلَى اعْتِبَارِهِ . فَإِنَّ ذَلِكَ يَصُونُ عِلْمَ الرَّجُلِ وَعَقْلَهُ ، فَيَكُونُ عِلْمًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ ، وَمَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ ، وَمَنْ طَلَبَ غَرِيبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ . وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ ، وَيُقَالُ : هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ . وَقَالَ أَيْضًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( شِعْرًا ) : كُلُّ الْعُلُومِ سِوَى الْقُرْآنِ مَشْغَلَةٌ إِلَّا الْحَدِيثَ وَإِلَّا الْفِقْهَ فِي الدِّينِ الْعِلْمُ مَا كَانَ فِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا وَمَا سِوَى ذَاكَ وَسْوَاسُ الشَّيَاطِينِ وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ فِي الْفَتَاوَى : أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِعُلَمَاءِ بَلَدِهِ : لَا يَدْخُلُ الْمُتَكَلِّمُونَ ، وَلَوْ أَوْصَى إِنْسَانٌ أَنْ يُوقَفَ مِنْ كُتُبِهِ مَا هُوَ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ ، فَأَفْتَى السَّلَفُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِيهَا مِنْ كُتُبِ الْكَلَامِ . ذُكِرَ ذَلِكَ بِمَعْنَاهُ فِي الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ . فَكَيْفَ يُرَامُ الْوُصُولُ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ ، بِغَيْرِ اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ؟ ! وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ : أَيُّهَا الْمُغْتَدِي لِيَطْلُبَ عِلْمًا كُلُّ عِلْمٍ عَبْدٌ لِعِلْمِ الرَّسُولِ تَطْلُبُ الْفَرْعَ كَيْ تُصَحِّحَ أَصْلًا كَيْفَ أَغْفَلْتَ عِلْمَ أَصْلِ الْأُصُولِ وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُوتِيَ فَوَاتِحَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ وَجَوَامِعَهُ ، فَبُعِثَ بِالْعُلُومِ الْكُلِّيَّةِ وَالْعُلُومِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ ، وَلَكِنْ كُلَّمَا ابْتَدَعَ شَخْصٌ بِدْعَةً اتَّسَعُوا فِي جَوَابِهَا ، فَلِذَلِكَ صَارَ كَلَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَثِيرًا ، قَلِيلَ الْبَرَكَةِ ، بِخِلَافِ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، فَإِنَّهُ قَلِيلٌ ، كَثِيرُ الْبَرَكَةِ ، لَا كَمَا يَقُولُهُ ضُلَّالُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَهَلَتُهُمْ : إِنَّ طَرِيقَةَ الْقَوْمِ أَسْلَمُ ، وَإِنَّ طَرِيقَتَنَا أَحْكَمُ وَأَعْلَمُ ، وَكَمَا يَقُولُهُ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْهُمْ قَدْرَهُمْ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفِقْهِ : إِنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِاسْتِنْبَاطِهِ ، وَضَبْطِ قَوَاعِدِهِ وَأَحْكَامِهِ اشْتِغَالًا مِنْهُمْ بِغَيْرِهِ ! وَالْمُتَأَخِّرُونَ تَفَرَّغُوا لِذَلِكَ ، فَهُمْ أَفْقَهُ ! ! فَكُلُّ هَؤُلَاءِ مَحْجُوبُونَ عَنْ مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِ السَّلَفِ ، وَعُمْقِ عُلُومِهِمْ ، وَقِلَّةِ تَكَلُّفِهِمْ ، وَكَمَالِ بَصَائِرِهِمْ . وَتَاللَّهِ مَا امْتَازَ عَنْهُمُ الْمُتَأَخِّرُونَ إِلَّا بِالتَّكَلُّفِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْأَطْرَافِ الَّتِي كَانَتْ هِمَّةُ الْقَوْمِ مُرَاعَاةَ أُصُولِهَا ، وَضَبْطَ قَوَاعِدِهَا ، وَشَدَّ مَعَاقِدِهَا ، وَهِمَمُهُمْ مُشَمَّرَةً إِلَى الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ . فَالْمُتَأَخِّرُونَ فِي شَأْنٍ ، وَالْقَوْمُ فِي شَأْنٍ آخَرَ ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا . وَقَدْ شَرَحَ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ بَعْضَ الشَّارِحِينَ قَدْ أَصْغَى إِلَى أَهْلِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، وَاسْتَمَدَّ مِنْهُمْ ، وَتَكَلَّمَ بِعِبَارَاتِهِمْ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية