الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          جزء صفحة
                          263 - فَصْلٌ [ طَرِيقٌ ثَالِثٌ فِي نَقْضِهِمُ الْعَهْدَ ] . وَسَلَكَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ طَرِيقًا ثَالِثَةً فِي نَوَاقِضِ الْعَهْدِ فَقَالَ : أَمَّا الثَّمَانِيَةُ الَّتِي فِيهَا ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَآحَادِهِمْ فِي مَالٍ أَوْ نَفْسٍ فَإِنَّهَا تَنْقُضُ الْعَهْدَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ . وَأَمَّا مَا فِيهِ إِدْخَالُ غَضَاضَةٍ وَنَقْصٍ عَلَى الْإِسْلَامِ - وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ وَكِتَابِهِ وَدِينِهِ وَرَسُولِهِ بِمَا لَا يَنْبَغِي - فَإِنَّهُ يَنْقُضُ الْعَهْدَ ، نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُخَرِّجْ فِي هَذَا رِوَايَةً أُخْرَى كَمَا ذَكَرَ أُولَئِكَ . وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ : " لَا يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ بِذَلِكَ " فَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ فِي الْعَهْدِ . فَأَمَّا إِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : يَنْتَقِضُ ، قَالَهُ الْخِرَقِيُّ . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْآمِدِيُّ : وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي كُلِّ مَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ ، فَصَحَّحَ قَوْلَ الْخِرَقِيِّ بِانْتِقَاضِ الْعَهْدِ إِذَا خَالَفُوا شَيْئًا مِمَّا شُرِطَ عَلَيْهِمْ . وَالثَّانِي : لَا يَنْتَقِضُ ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ . قَالَ شَيْخُنَا : وَهَاتَانِ الطَّرِيقَتَانِ ضَعِيفَتَانِ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ إِقْرَارُ نُصُوصِ أَحْمَدَ عَلَى حَالِهَا ، وَهُوَ قَدْ نَصَّ فِي مَسَائِلِ سَبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى انْتِقَاضِ الْعَهْدِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَعَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ ، وَكَذَلِكَ فَيَمَنْ جَسَسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ عَلَى انْتِقَاضِ عَهْدِهِ وَقَتْلِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ الْخِرَقِيُّ فِيمَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ . وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ قَذْفَ الْمُسْلِمَ وَسِحْرَهُ لَا يَكُونُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ وَهُوَ تَقْرِيرُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ تَخْرِيجَ حُكْمِ إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى وَجَعْلَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَسْأَلَتَيْنِ - لِوُجُودِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا نَصًّا وَاسْتِدْلَالًا ، وَلِوُجُودِ مَعْنًى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا لِلْفَرْقِ - غَيْرُ جَائِزٍ ، وَلَمْ يُخَرَّجِ التَّخْرِيجُ . قُلْتُ : لَفْظُ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " : مَسْأَلَةٌ : إِذَا امْتَنَعَ الذِّمِّيُّ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ وَمِنْ جَرَيَانِ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ صَارَ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ وَالْكَفُّ عَنْهُ مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَآحَادِهِمْ فِي مَالٍ أَوْ نَفْسٍ ، وَهِيَ ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ : [ 1 - ] الِاجْتِمَاعُ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ . [ 2 - ] وَأَلَّا يَزْنِيَ بِمُسْلِمَةٍ . [ 3 - ] وَلَا يُصِيبُهَا بِاسْمِ نِكَاحٍ . [ 4 - ] وَلَا يَفْتِنُ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ . [ 5 - ] وَلَا يَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ . [ 6 - ] وَلَا يُؤْوِي لِلْمُشْرِكِينَ عَيْنًا . [ 7 - ] وَلَا يُعَاوِنُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِدَلَالَةٍ - أَعْنِي لَا يُكَاتِبُ الْمُشْرِكِينَ بِأَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ - . 8 - وَلَا يَقْتُلُ مُسْلِمًا . وَكَذَلِكَ إِذَا فَعَلَ مَا فِيهِ إِدْخَالُ غَضَاضَةٍ وَنَقْصٍ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : [ 1 - ] ذِكْرُ اللَّهِ . [ 2 - ] وَكِتَابِهِ . [ 3 - ] وَدِينِهِ . [ 4 - ] وَرَسُولِهِ ، بِمَا لَا يَنْبَغِي سَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِمُ الْإِمَامُ أَنَّهُمْ مَتَى فَعَلُوا ذَلِكَ كَانَ نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ أَوْ لَمْ يَشْرُطْ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ . نَصَّ عَلَيْهَا فِي مَوَاضِعَ ، فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ فِي الذِّمِّيِّ يَمْنَعُ الْجِزْيَةَ : إِنْ كَانَ وَاجِدًا أُكْرِهَ عَلَيْهَا وَأُخِذَتْ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهَا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ فِي نَصْرَانِيٍّ اسْتَكْرَهَ مُسْلِمَةً عَلَى نَفْسِهَا : يُقْتَلُ ، لَيْسَ عَلَى هَذَا صُولِحُوا ، فَإِنْ طَاوَعَتْهُ قُتِلَ وَعَلَيْهَا الْحَدُّ . وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : كُلُّ مَنْ ذَكَرَ شَيْئًا يَعْرِضُ بِهِ لِلرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ، وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي يَهُودِيٍّ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ فَقَالَ : " كَذَبْتَ " يُقْتَلُ ؛ لِأَنَّهُ شَتَمَ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي يَهُودِيٍّ شَتَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُقْتَلُ ، قَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ . وَإِنْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ يُقْتَلُ ، أُتِيَ عُمَرُ بِيَهُودِيٍّ فَحَشَ بِمُسْلِمَةٍ ثُمَّ غَشِيَهَا فَقَتَلَهُ . وَقَالَ الْخِرَقِيُّ فِي الذِّمِّيِّ إِذَا قَتَلَ عَبْدًا مُسْلِمًا : يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ . قَالَ الْقَاضِي : وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى لَا يَنْتَقِضُ الْعَهْدُ إِلَّا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ وَجَرْيِ أَحْكَامِنَا عَلَيْهِمْ . وَقَالَ فِي رِوَايَةِ [ يُوسُفَ ] بْنِ مُوسَى الْمَوْصِلِيِّ فِي الْمُشْرِكِ إِذَا قَذَفَ مُسْلِمًا يُضْرَبُ . وَكَذَلِكَ نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَقْذِفُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ : يُنَكَّلُ بِهِ ، يُضْرَبُ مَا يَرَى الْحَاكِمُ . وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فِي نَصْرَانِيٍّ قَذَفَ مُسْلِمًا : عَلَيْهِ الْحَدُّ . قَالَ : وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ بِقَذْفِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ إِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ بِهَتْكِ عِرْضِهِ ، انْتَهَى . فَتَأَمَّلْ هَذِهِ النُّصُوصَ ، وَتَأَمَّلْ تَخْرِيجَهُ لَهَا ، فَأَحْمَدُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي انْتِقَاضِ الْعَهْدِ بِسَبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالزِّنَى بِمُسْلِمَةٍ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ نَصُّهُ فِي عَدَمِ الِانْتِقَاضِ بِقَذْفِ الْمُسْلِمِ ، فَإِلْحَاقُ مَسَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَسَبَّةِ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَفْسَدِ الْإِلْحَاقِ ، وَتَخْرِيجُ عَدَمِ النَّقْضِ بِهِ مِنْ نَصِّهِ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ بِسَبِّ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَفْسَدِ التَّخْرِيجِ ، وَأَيْنَ الضَّرَرُ وَالْمَفْسَدَةُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ إِلَى الْمَفْسَدَةِ مِنَ النَّوْعِ الْآخَرِ ؟ وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ يُقْتَلُ بِسَبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَالزِّنَى مَعَ الْإِحْصَانِ ، وَلَا يُقْتَلُ بِالْقَذْفِ ، فَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ هُوَ مَحْضُ الْفِقْهِ ، وَالتَّخْرِيجُ بَاطِلٌ نَصًّا وَقِيَاسًا وَاعْتِبَارًا . وَاشْتِرَاكُ الصُّوَرِ كُلِّهَا فِي إِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا يُوجِبُ تَسَاوِيَهَا فِي مِقْدَارِ الضَّرْبِ وَكَيْفِيَّتِهِ ، فَالْمُسْلِمُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَدْخَلَ الضَّرَرَ أَيْضًا مَعَ التَّفَاوُتِ فِي الْأَحْكَامِ . ثُمَّ يُقَالُ : يَا لِلَّهِ الْعَجَبُ ! ! أَيْنَ ضَرَرُ الْمُجَاهَرَةِ بِسَبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَلَامِهِ وَدِينِهِ عَلَى رُءُوسِ الْمَلَأِ ، وَقَهْرِ الْمُسْلِمَاتِ وَإِنْ كُنَّ شَرِيفَاتٍ عَلَى الزِّنَى ، إِلَى ضَرَرِ مَنْعِ دِينَارٍ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْجِزْيَةِ ! . وَكَذَلِكَ أَيْنَ ضَرَرُ تَحْرِيقِهِ لِمَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَنَابِرِ ، إِلَى ضَرَرِ مَنْعِهِ لِدِينَارٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ! ! فَكَيْفَ يَقْتَضِي الْفِقْهُ أَنْ يُقَالَ : يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِمَنْعِ الدِّينَارِ دُونَ هَذِهِ الْأُمُورِ ؟ وَأَيْنَ ضَرَرُ امْتِنَاعِهِ مِنْ قَبُولِ حُكْمِ الْحَاكِمِ إِلَى ضَرَرِ مُجَاهَرَتِهِ بِسَبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا مَعَهُ ؟ وَطَرِيقَةُ أَبِي الْبَرَكَاتِ فِي " الْمُحَرَّرِ " فِي تَحْصِيلِ الْمَذْهَبِ فِي ذَلِكَ أَصَحُّ طُرُقِ الْأَصْحَابِ عَلَى الْإِطْلَاقِ . قَالَ : وَإِذَا لَحِقَ الذِّمِّيُّ بِدَارِ الْحَرْبِ مُتَوَطِّنًا أَوِ امْتَنَعَ مِنْ إِعْطَاءِ مَا عَلَيْهِ أَوِ الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْمِلَّةِ أَوْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ انْتَقَضَ عَهْدُهُ ، وَإِنْ قَذَفَ مُسْلِمًا أَوْ آذَاهُ بِسِحْرٍ فِي تَصَرُّفَاتِهِ لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ ، وَقِيلَ : يَنْتَقِضُ . وَإِنْ فَتَنَهُ عَنْ دِينِهِ أَوْ قَتَلَهُ أَوْ قَطَعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ أَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ أَوْ تَجَسَّسَ لِلْكُفَّارِ أَوْ آوَى لَهُمْ جَاسُوسًا أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ أَوْ كِتَابَهُ أَوْ رَسُولَهُ بِسُوءٍ ، انْتَقَضَ عَهْدُهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ . وَقِيلَ : فِيهِ رِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى نَصِّهِ فِي الْقَذْفِ ، وَالْأَصَحُّ التَّفْرِقَةُ . وَإِذَا أَظْهَرَ مُنْكَرًا أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِكِتَابِهِ أَوْ رَكِبَ الْخَيْلَ وَنَحْوَهُ عُزِّرَ وَلَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهُ ، وَقِيلَ : إِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ وَإِلَّا فَلَا .

                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                          الخدمات العلمية