الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                  معلومات الكتاب

                  أحكام القرآن الكريم للطحاوي

                  الطحاوي - أبو جعفر الطحاوي

                  جزء صفحة
                  أَمَّا الزَّمَانَةُ بِالْعَمَى فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُخْتَلِفُونَ فِي حُكْمِهِمْ فِي هَذَا ، فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ : هُمْ كَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الزَّمَانَةِ . وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ إِتْيَانُ الْجُمُعَةِ . وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ تَقُولُ : يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِتْيَانُ الْجُمُعَةِ ، وَلَا يَجْعَلُونَهُمْ كَمَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الزَّمْنَى ، وَيَجْعَلُونَهُمْ فِي حُكْمِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ مِنَ الْبُصَرَاءِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْقِطٍ عَنْهُمْ حُضُورَ الْجَمَاعَاتِ ، وَهَكَذَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ . وَلَمَّا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَلَمْ نَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا مُجْمَعًا عَلَى الْمُرَادِ بِهِ ، نَظَرْنَا هَلْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَدُلُّنَا عَلَى ذَلِكَ فَوَجَدْنَا أَبَا أُمَامَةَ قَدْ حَدَّثَنَا : 219 - قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو رَزِينٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، قَالَ : " جَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرٌ شَاسِعُ الدَّارِ ، وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ يُلَازِمُنِي ، أَفَلِي رُخْصَةٌ أَنْ لَا آتِيَ الْمَسْجِدَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا " . 220 - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى ، يَقُولُ : كَانَ مِنَّا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ نَخْلًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ ؟ " ، قَالَ : نَعَمْ قَالَ : " فَإِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ فَادْنُهْ " . 221 - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَرَأَى فِي النَّاسِ رِقَّةً ، فَقَالَ : " إِنِّي لَأَهُمُّ أَنْ أَجْعَلَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، ثُمَّ أَخْرُجَ فَلَا أَقْدِرُ عَلَى رَجُلٍ تَخَلَّفَ فِي بَيْتِهِ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا حَرَقْتُ عَلَيْهِ " ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ نَخْلًا وَشَجَرًا ، وَلَيْسَ كُلَّ حِينٍ أَقْدِرُ عَلَى قَائِدٍ ، أَفَأُصَلِّي فِي بَيْتِي ؟ ، قَالَ : " فَتَسْمَعُ الْإِقَامَةَ ؟ " قُلْتُ : نَعَمْ قَالَ : " فَأْتِهَا " . 222 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ أَبِي عُقَيْلٍ اللَّخْمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ ، أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ ، قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ أَشْيَاءً ، وَرُبَّمَا وَجَدْتُ قَائِدًا ، وَرُبَّمَا لَمْ أَجِدْ قَالَ : أَلَيْسَ تَسْمَعُ النِّدَاءَ ؟ قَالَ : " فَإِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ فَامْشِ إِلَيْهَا . ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ آخَرُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ، فَقَالَ : " فَإِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ فَادْنُ " ، وَمَا رَخَّصَ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ : " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، ثُمَّ آتِي أَقْوَامًا لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأَحْرِقُ عَلَيْهِمْ . وَمَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَلْ تَسْمَعُ الْإِقَامَةَ " ، عِنْدَنَا هُوَ الْعِلْمُ بِهَا ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ أَعْمَى لَا يَعْرِفُ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ بِسَاعَاتِ النَّهَارِ ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُهَا بِمَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْإِقَامَةِ ، وَالْإِخْبَارِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ حَضَرَتْ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَصَمَّ لَوَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ إِتْيَانِ الصَّلَاةِ مَا يَجِبُ عَلَى السَّامِعِ إِذَا عَلِمَ بِهَا ، وَلَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالصَّمَمِ . وَجَمِيعُ مَا بَيَّنَّا فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، وَالشَّافِعِيِّ غَيْرُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، فِي الْأَعْمَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ ، وَغَيْرُ مَا حَكَيْنَاهُ فِيهِ مِنْ حُكْمِ الْأَعْمَى فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ ، وَلَا عَنِ وَالشَّافِعِيِّ شَيْئًا ، وَأَمْسَكْنَا عَنْ ذِكْرِ اخْتِيَارِنَا فِي الْإِقَامَةِ لِلصَّلَاةِ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ هَذَا الْبَابِ إِذْ كَانَتْ غَيْرَ مَذْكُورَةٍ فِي الْآيَةِ .

                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                  الخدمات العلمية