الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            جزء صفحة
            مختصر ابن الحاجب ص - الْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا أَنْكَرُوا كَلَامَ النَّفْسِ - قَالُوا : قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ " افْعَلْ " وَنَحْوَهُ . وَيَرِدُ التَّهْدِيدُ وَغَيْرُهُ ، وَالْمُبَلِّغُ وَالْحَاكِي وَالْأَدْنَى . وَقَالَ قَوْمٌ : صِيغَةُ " افْعَلْ " بِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْأَمْرِ . وَفِيهِ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ . وَإِنْ أَسْقَطَهُ بَقِيَتْ صِيغَةُ " افْعَلْ " مُجَرَّدَةً . وَقَالَ قَوْمٌ : صِيغَةُ " افْعَلْ " بِإِيرَادَاتٍ ثَلَاثٍ : وُجُودِ اللَّفْظِ ، وَدَلَالَتِهِ عَلَى الْأَمْرِ ، وَالِامْتِثَالِ . فَالْأَوَّلُ : عَنِ النَّائِمِ ، وَالثَّانِي : عَنِ التَّهْدِيدِ وَنَحْوِهِ : وَالثَّالِثُ ، عَنِ الْمُبَلِّغِ . وَفِيهِ تَهَافُتٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ إِنْ كَانَ اللَّفْظَ - فَسَدَ ; لِقَوْلِهِ : وَإِرَادَةُ دَلَالَتِهَا عَلَى الْأَمْرِ . ( وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى فَسَدَ ; لِقَوْلِهِ : الْأَمْرُ : صِيغَةُ " افْعَلْ " ) . وَقَالَ قَوْمٌ : الْأَمْرُ : إِرَادَةُ الْفِعْلِ . وَرُدَّ بِأَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ أَنْكَرَ مُتَوَعِّدًا بِالْإِهْلَاكِ ضَرْبَ سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ ، فَادَّعَى مُخَالَفَتَهُ فَطَلَبَ تَمْهِيدَ عُذْرِهِ بِمُشَاهَدَتِهِ ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ وَلَا يُرِيدُ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يُرِيدُ هَلَاكَ نَفْسِهِ . وَأَوْرَدَ مِثْلَهُ عَلَى الطَّلَبِ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَ لَا يَطْلُبُ هَلَاكَ نَفْسِهِ ، وَهُوَ لَازِمٌ . وَالْأَوْلَى : لَوْ كَانَ إِرَادَةً لَوَقَعَتِ الْمَأْمُورَاتُ كُلُّهَا ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِرَادَةِ : تَخْصِيصُهُ بِحَالِ حُدُوثِهِ . فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ لَمْ يَتَخَصَّصْ . بيان المختصر ش - الْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا أَنْكَرُوا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ لَمْ يُمْكِنْهُمْ تَعْرِيفُ الْأَمْرِ بِالِاقْتِضَاءِ ، بَلْ عَرَّفُوهُ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالْإِرَادَةِ . وَمِنَ التَّعْرِيفَاتِ مَا قَالَهُ الْبَلْخِيُّ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَهُوَ : أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ لِمَنْ دُونَهُ " افْعَلْ " وَنَحْوَهُ - أَيْ نَحْوَ " افْعَلْ " فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَدْلُولِهِ . وَإِنَّمَا قَيَّدُوا بِقَوْلِهِمْ : " وَنَحْوَهُ " لِيَنْدَرِجَ تَحْتَ الْحَدِّ صِيغَةُ أَمْرِ غَيْرِ الْعَرَبِيِّ . وَيَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ : التَّهْدِيدُ ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ . وَالْإِبَاحَةُ ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا . وَالتَّكْوِينُ ؛ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : كُنْ فَيَكُونُ . وَغَيْرُهَا مِمَّا لَمْ يَرِدْ بِهِ الطَّلَبُ ; فَإِنَّهَا قَوْلُ الْقَائِلِ " افْعَلْ " لِمَنْ دُونَهُ ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمْرٍ . وَأَيْضًا : يَرِدُ عَلَى طَرْدِهِ قَوْلُ الْحَاكِي لِمَنْ دُونَهُ مِنْ أَمْرِ آمِرٍ . وَيَرِدُ عَلَى عَكْسِهِ قَوْلُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى : افْعَلْ ، وَنَحْوَهُ ؛ إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ ; لِأَنَّ الْعُلُوَّ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْأَمْرِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ : مَاذَا أَرَادَ . وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ : الْأَمْرُ : صِيغَةُ " افْعَلْ " بِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْأَمْرِ إِلَى التَّهْدِيدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْإِبَاحَةِ وَالتَّكْوِينِ . وَهَذَا تَعْرِيفٌ فَاسِدٌ ; لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ . فَإِنْ أُسْقِطَ عَنْهُ قَيْدُ " الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْأَمْرِ " - بَقِيَتْ صِيغَةُ " افْعَلْ " مُجَرَّدَةً ، وَحِينَئِذٍ يَرِدُ التَّهْدِيدُ وَقَوْلُ الْحَاكِي ، كَمَا فِي الْأَوَّلِ . وَقَالَ قَوْمٌ : الْأَمْرُ : صِيغَةُ " افْعَلْ " بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ مَعَهَا إِيرَادَاتٌ ثَلَاثٌ ( إِرَادَةُ وُجُودِ اللَّفْظِ ، وَإِرَادَةُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْأَمْرِ ، وَإِرَادَةُ الِامْتِثَالِ ) . فَالْقَيْدُ الْأَوَّلُ - أَعَنِي إِرَادَةَ وُجُودِ اللَّفْظِ - احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ النَّائِمِ . وَالْقَيْدُ الثَّانِي - أَيْ إِرَادَةُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْأَمْرِ - احْتِرَازٌ عَنِ التَّهْدِيدِ وَغَيْرِهِ . وَالْقَيْدُ الثَّالِثُ - أَيْ إِرَادَةُ الِامْتِثَالِ - احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْمُبَلِّغِ . وَفِي هَذَا التَّعْرِيفِ تَهَافُتٌ ، أَيْ تَسَاقُطٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِّ إِنْ كَانَ اللَّفْظَ فَسَدَ التَّعْرِيفُ ; لِقَوْلِهِ : وَإِرَادَةُ دَلَالَتِهَا عَلَى الْأَمْرِ ؛ إِذِ الصِّيغَةُ لَمْ تَرِدْ دَلَالَتُهَا عَلَى اللَّفْظِ . وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِّ : الْمَعْنَى - فَسَدَ التَّعْرِيفُ أَيْضًا ؛ لِقَوْلِهِ : الْأَمْرُ : صِيغَةُ " افْعَلْ " ; فَإِنَّ الصِّيغَةَ لَفْظٌ ، وَاللَّفْظُ لَا يَسْتَقِيمُ تَفْسِيرُهُ بِالْمَعْنَى . فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ : اللَّفْظَ ، وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِالصِّيغَةِ ، وَبِالْأَمْرِ الثَّانِي : الْمَعْنَى ، وَهُوَ الطَّلَبُ ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ الْحَدُّ ; لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْنَاهُ : الْأَمْرُ : الصِّيغَةُ الْمُرَادُ بِهَا دَلَالَتُهَا عَلَى الطَّلَبِ . أُجِيبُ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَلْزَمُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرِكِ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ ؛ وَهُوَ لَا يَجُوزُ . وَمِنَ الشَّارِحِينَ مَنْ أَوْرَدَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ عَلَى جَوَابِ الْمُصَنِّفِ ، وَمَا أَجَابَ عَنْهَا . وَأَوْرَدَ عَلَى التَّعْرِيفِ شُبْهَةً أُخْرَى ، وَهُوَ : أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي التَّعْرِيفِ إِرَادَةَ الِامْتِثَالِ ؛ وَالِامْتِثَالُ : فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ فَيَدُورُ . وَغَفَلَ عَنِ الشُّبْهَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا عَلَى جَوَابِ الْمُصَنِّفِ ، فَإِنَّهَا بِعَيْنِهَا وَارِدَةٌ عَلَى شُبْهَتِهِ . وَقَالَ قَوْمٌ : الْأَمْرُ : هُوَ إِرَادَةُ الْفِعْلِ . وَرُدَّ هَذَا التَّعْرِيفُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَصْدُقُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ . ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ أَنْكَرَ ضَرْبَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ وَتَوَاعَدَ بِإِهْلَاكِ السَّيِّدِ ، فَادَّعَى السَّيِّدُ مُخَالَفَةَ الْعَبْدِ لَهُ وَطَلَبَ السَّيِّدُ تَمْهِيدَ عُذْرِهِ بِمُشَاهَدَةِ السُّلْطَانِ - فَإِنَّهُ يَأْمُرُ الْعَبْدَ ، وَلَا يُرِيدُ مِنْهُ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السَّيِّدُ مُرِيدًا لِإِتْيَانِ الْعَبْدِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ - لَكَانَ مُرِيدًا هَلَاكَ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ تَوَاعَدَ بِإِهْلَاكِ السَّيِّدِ عِنْدَ مُوَافَقَةِ الْعَبْدِ لِأَمْرِهِ ، وَالْعَاقِلُ لَا يُرِيدُ هَلَاكَ نَفْسِهِ . وَأَوْرَدَ الْمُعْتَزِلَةُ مِثْلَهُ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالطَّلَبِ ; فَإِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَطْلُبُ هَلَاكَ نَفْسِهِ . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَازِمٌ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَمْرِ بِالطَّلَبِ . ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَدَّ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنْ يُقَالَ : لَوْ كَانَتْ إِرَادَةُ الْفِعْلِ أَمْرًا - لَوَقَعَتِ الْمَأْمُورَاتُ كُلُّهَا ، وَالتَّالِي بَاطِلٌ . أَمَّا بَيَانُ الْمُلَازَمَةِ : فَلِأَنَّ الْإِرَادَةَ هِيَ صِفَةٌ مُخَصِّصَةٌ لِحُدُوثِ الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ . فَمَعْنَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِالشَّيْءِ تَخَصُّصُهُ بِحَالِ حُدُوثِهِ ، أَيْ بِوَقْتِ حُدُوثِهِ ، فَإِذَا لَمْ يُوجَدِ الشَّيْءُ لَمْ يَتَخَصَّصْ بِحَالِ حُدُوثِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَتَخَصَّصْ بِحَالِ حُدُوثِهِ لَمْ تَتَعَلَّقِ الْإِرَادَةُ بِهِ . فَيَلْزَمُ مِنَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الشَّيْءُ لَمْ تَتَعَلَّقِ الْإِرَادَةُ بِهِ ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ إِذَا تَعَلَّقَتِ الْإِرَادَةُ بِالشَّيْءِ وُجِدَ . وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْإِرَادَةُ هِيَ الْأَمْرُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ بِهِ ، لِكَوْنِهِ مُرَادًا مَوْجُودًا . وَأَمَّا ( بَيَانُ ) انْتِفَاءِ التَّالِي : فَلِأَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَمُوتَ عَلَى كُفْرِهِ مَأْمُورٌ بِالْإِيمَانِ ، وَلَمْ يَقَعِ الْإِيمَانُ مِنْهُ .

            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


            الخدمات العلمية