الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          معلومات الكتاب

          الإحكام في أصول الأحكام

          الآمدي - علي بن محمد الآمدي

          الِاعْتِرَاضُ الْخَامِسَ عَشَرَ الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى وَرَاءَ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِالتَّعْلِيلِ كَمُعَارَضَةِ مَنْ عَلَّلَ تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ فِي الْبُرِّ بِالطَّعْمِ أَوْ بِالْكَيْلِ أَوْ بِالْقُوتِ " بِالطَّعْمِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " عَلَّلَ " وَبِـ " الْكَيْلِ أَوْ بِالْقُوتِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " مُعَارَضَةِ " . أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِالتَّعْلِيلِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ وَجُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ ، وَذَلِكَ كَمُعَارَضَةِ مَنْ عَلَّلَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ ؛ بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ بِالْجَارِحِ فِي الْأَصْلِ وَنَحْوِهِ بِالْمُثْقَلِ - مُتَعَلِّقٌ بِالْقَتْلِ ، وَبِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ مُتَعَلِّقٌ بِـ " عَلَّلَ " ، وَبِـ " الْجَارِحِ " مُتَعَلِّقٌ بِـ " مُعَارَضَةِ " وَفِي الْأَصْلِ - مُتَعَلِّقٌ بِـ " مُعَارَضَةِ " أَيْضًا . . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِي قَبُولِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ بِعِلَّتَيْنِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ سَبَقَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ مِنْ مَسَائِلِ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ . وَلِهَذَا لَوْ قَدَّرْنَا انْفِرَادَ مَا ذَكَرَ الْمُسْتَدِلُّ مُجَرَّدًا عَنِ الْمُعَارِضِ صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهِ إِجْمَاعًا ، وَإِنَّمَا صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهِ لِصَلَاحِيَةٍ فِيهِ لَا لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ ، فَإِنَّ الْعَدَمَ لَا يَكُونُ عِلَّةً وَلَا دَاخِلًا فِيهَا لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ مَسَائِلِ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ . . فَإِذَا صَحَّ التَّعْلِيلُ بِهِ مَعَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ ، صَحَّ مَعَ وُجُودِهِ ؛ وَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْعِلَّةِ إِلَّا مَا يُثْبِتُ الْحُكْمُ عَقِيبَهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الْوَصْفَيْنِ فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً . وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ وَأَوْجَبَ جَوَابَهُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الْأَصْلِ وَصْفَانِ . فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ . لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي امْتِنَاعِ ذَلِكَ ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْعِلَّةُ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ أَوِ الْبَاعِثِ . وَإِنْ كَانَ الْقِسْمُ الثَّانِي ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لَا غَيْرَ ، أَوْ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ لَا غَيْرَ ، أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا بِحَيْثُ تَكُونُ الْعِلَّةُ مَجْمُوعَ الْوَصْفَيْنِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْؤُهَا . لَا جَائِزَ أَنْ يُقَالَ بِالْأَوَّلِ وَلَا بِالثَّانِي ، فَإِنَّهُ لَيْسَ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا لِلتَّعْلِيلِ وَإِلْغَاءُ الْآخَرِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الِاقْتِضَاءِ أَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ الثَّالِثِ ، وَيَلْزَمْ مِنْهُ امْتِنَاعُ تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ مِنَ الْأَصْلِ إِلَى الْفَرْعِ أَيْ : يَمْتَنِعُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِهَا وَحْدَهَا إِلَى الْفَرْعِ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّالِثِ ، ضَرُورَةَ أَنَّ الْعِلَّةَ مَجْمُوعُ الْوَصْفَيْنِ . . وَبِتَقْدِيرٍ تُسَاوِي الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّعْدِيَةَ تَمْتَنِعُ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَا ذَكَرَهُ الْمُعْتَرِضُ . وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مِنَ الْوَصْفَيْنِ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِتَقْدِيرِ التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ لَا غَيْرَ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ احْتِمَالٍ مِنِ احْتِمَالَيْنِ أَغْلَبُ مِنْ وُقُوعِ احْتِمَالٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْدِيَةُ تَكُونُ مُمْتَنِعَةً ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَا أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ صَالِحًا لِلتَّعْلِيلِ أَوْ لِدُخُولِهِ فِيهِ عِنْدَ كَوْنِ مَا أَبْدَاهُ الْمُسْتَدِلُّ صَالِحًا وَإِلَّا فَلَا مُعَارَضَةَ ، وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ نَفْيُ مَا أَبْدَاهُ مُعَارِضًا فِي الْأَصْلِ عَنِ الْفَرْعِ ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْفَرْعِ فَيَفْتَقِرُ الْمُسْتَدِلُّ إِلَى بَيَانِ وُجُودِهِ فِيهِ لِيَصِحَّ الْإِلْحَاقُ ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فَقَدِ انْقَطَعَ الْجَمْعُ . أَيْ : لَمْ يُوجَدِ الْجَامِعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفْيِهِ عَنِ الْفَرْعِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْفَرْقُ ، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ دُونَ نَفْيِهِ عَنِ الْفَرْعِ . وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِنْ قَصَدَ الْمُعْتَرِضُ الْفَرْقَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفْيِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْصَدِ الْفَرْقَ بِأَنْ يَقُولَ : هَذَا الْوَصْفُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِدْرَاجِهِ فِي التَّعْلِيلِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ فِي الْفَرْعِ فَقَدْ ثَبَتَ الْفَرْقُ . وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْفَرْعِ ، فَالْحُكْمُ يَكُونُ فِي الْفَرْعِ بِمَجْمُوعِ الْوَصْفَيْنِ وَنَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لِلْعِلَّةِ فِي الِابْتِدَاءِ بَلْ لِبَعْضِهَا ، وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ قُدِّرَ فَالْإِشْكَالُ لَازِمٌ . هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ أَصْلًا وَاحِدًا . وَإِنْ كَانَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ أُصُولًا مُتَعَدِّدَةً ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لِإِفْضَائِهِ إِلَى النَّشْرِ مَعَ إِمْكَانِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْوَاحِدِ مِنْهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ أَقْوَى فِي إِفَادَةِ الظَّنِّ . وَمَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الِاقْتِصَارِ فِي الْمُعَارَضَةِ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قَصَدَ إِلْحَاقَ الْفَرْعِ بِجَمِيعِ الْأُصُولِ ، فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَبَعْضِ الْأُصُولِ ، فَقَدْ تَمَّ مَقْصُودُ الْمُعْتَرِضِ مِنْ إِبْطَالِ غَرَضِ الْمُسْتَدِلِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَا بُدَّ مِنَ الْمُعَارَضَةِ فِي كُلِّ أَصْلٍ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَارَضَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ ، فَقَدْ بَقِيَ قِيَاسُ الْمُسْتَدِلِّ صَحِيحًا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي لَمْ يُعَارَضْ فِيهِ ، وَبِهِ يَتِمُّ الْمَقْصُودُ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ أَوْ نَفْيِهِ ، وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا الْمُعَارَضَةَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ . مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ اتِّحَادَ الْمُعَارِضِ فِي الْكُلِّ دَفْعًا لِانْتِشَارِ الْكَلَامِ ، وَلِأَنْ يَكُونَ مُقَابِلًا فِي اتِّحَادِهِ لِاتِّحَادِ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْمُعَارَضَةَ فِي كُلِّ أَصْلٍ بِغَيْرِ مَا فِي الْأَصْلِ الْآخَرِ ، لِجَوَازِ أَنْ لَا يُسَاعِدَهُ فِي الْكُلِّ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ . ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ الِاقْتِصَارُ فِي الْجَوَابِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ إِذْ بِهِ يَتِمُّ مَقْصُودُهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ حَيْثُ إِنَّ الْمُسْتَدِلَّ الْتَزَمَ صِحَّةَ الْقِيَاسِ عَلَى الْكُلِّ ، وَعَلَى هَذَا يَقَعُ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ عَارَضَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ الْجَوَابُ أَوْ لَا ؟ وَالْوَجْهُ فِي الْجَوَابِ مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمَعَارَضِ بِهِ فِي الْأَصْلِ . الثَّانِي : الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ ، إِنْ كَانَ طَرِيقُ إِثْبَاتِ الْعِلَّةِ مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَدِلِّ الْمُنَاسَبَةُ أَوِ الشَّبَهُ دُونَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ . الثَّالِثُ : أَنْ يُبَيِّنَ كَوْنَهُ مُلْغًى فِي جِنْسِ الْأَحْكَامِ كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَنَحْوِهِ . الرَّابِعُ : أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ مُلْغًى فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ ، وَإِنْ كَانَ وَإِنْ كَانَ مُنَاسِبًا - أَيْ : فِي غَيْرِ جِنْسِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّلِ . مُنَاسِبًا وَذَلِكَ كَالذُّكُورَةِ فِي بَابِ الْعِتْقِ . الْخَامِسُ انْظُرِ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ مِنْ طُرُقِ الْحَذْفِ فِي مَسْلَكِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ . : أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ قَدِ اسْتَقَلَّ بِالْحُكْمِ فِي صُورَةٍ دُونَ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْغَاءِ الْمُسْتَقِلِّ وَاعْتِبَارِ غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ . وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْغَاءِ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْفَرْعِ مَعَ اسْتِقْلَالِهِ لِفَوَاتِ مَا لَمْ يَثْبُتِ اسْتِقْلَالُهُ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ . فَإِنْ عَارَضَ الْمُعْتَرِضُ فِي صُورَةِ الْإِلْغَاءِ بِوَصْفٍ آخَرَ غَيْرِ مَا عَارَضَ بِهِ فِي الْأَصْلِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِبْطَالِهِ ، وَإِلَّا فَالْقِيَاسُ مُتَعَذِّرٌ . وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِهِ إِنَّ كُلَّ وَصْفٍ اخْتَصَّ بِصُورَةٍ فَهُوَ مُلْغًى بِالصُّورَةِ الْأُخْرَى ، وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى فِي الِاصْطِلَاحِ بِتَعَدُّدِ الْوَضْعِ . فَإِنَّ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ : الْعَكْسُ غَيْرُ لَازِمٍ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ لِجَوَازِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ غَيْرِ عِلَّةِ الصُّورَةِ الْأُخْرَى ، وَإِذَا جَازَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي صُورَتَيْنِ بِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ صُورَةٍ بِعِلَّةٍ مَعَ عَدَمِ عِلَّةِ الصُّورَةِ الْأُخْرَى فِيهَا إِلْغَاءُ مَا وُجِدَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ . السَّادِسُ : أَنْ يُبَيِّنَ رُجْحَانَ مَا ذَكَرَهُ عَلَى مَا عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ الَّتِي يَأْتِي ذِكْرُهَا . وَعِنْدَ ذَلِكَ ، فَيَمْتَنِعُ جَعْلُ مَا عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً فِي مَحَلِّ التَّعْلِيلِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِهْمَالِ الرَّاجِحِ وَاعْتِبَارِ الْمَرْجُوحِ . وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِلْغَاءِ مَا عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ فِي الْفَرْعِ بِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ مَعَ رُجْحَانِهِ ، ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ الْمَرْجُوحِ . وَهَاهُنَا تَرْجِيحٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ فِي الْأَصْلِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْهُ مُتَعَدِّيًا وَالْآخَرُ قَاصِرًا . وَذَلِكَ لَا يَخْلُو : إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ ، فَإِنْ كَانَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ ؛ فَلَا يَخْلُو : إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي جُزْءًا مِنَ الْعِلَّةِ ، أَوْ خَارِجًا عَنْهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُعَارِضُ فِي الْأَصْلِ بِالْوَصْفِ الْقَاصِرِ لَا غَيْرَ ، فَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْهَا ، فَلَا يَخْلُو : إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي مُسَاوِيًا لِلْقَاصِرِ فِي جِهَةِ اقْتِضَائِهِ أَوْ أَنَّ التَّرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِلْقَاصِرِ مِنْ جِهَةِ الِاقْتِضَاءِ ، فَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّي أَوْلَى ، وَبَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ . أَمَّا الْإِجْمَالُ : فَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمُتَعَدِّي مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرِ ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوْلَى . وَأَمَّا التَّفْصِيلُ : فَهُوَ أَنَّ فَائِدَةَ الْمُتَعَدِّي أَكْثَرُ مِنَ الْقَاصِرِ ؛ لِأَنَّ فَائِدَةَ الْقَاصِرِ إِنَّمَا هِيَ فِي ظُهُورِ الْحِكْمَةِ الْبَاعِثَةِ فِي الْأَصْلِ لِسُرْعَةِ الِانْقِيَادِ وَسُهُولَةِ الْقَبُولِ ، وَالْمُتَعَدِّي مُشَارِكٌ لِلْقَاصِرِ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَزِيَادَةُ التَّعْرِيفِ لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ ، وَهُوَ أَعْظَمُ فَوَائِدِ الْعِلَّةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ، وَهُوَ وَإِنْ لَزِمَ مِنَ التَّعْلِيلِ بِهِ إِهْمَالُ الْمُنَاسِبِ الْقَاصِرِ فَمُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ ، حَيْثُ إِنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرِ إِهْمَالُ الْمُنَاسِبِ الْمُتَعَدِّي مَعَ كَوْنِهِ رَاجِحًا . وَالتَّعْلِيلُ بِالْقَاصِرِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَفْقِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فِي الْفَرْعِ ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّي عَلَى خِلَافِهِ إِلَّا أَنَّهُ مُخَالَفَةٌ لِمَا وَقَعَتْ مُخَالَفَتُهُ فِي الْأَصْلِ بِمَا لَمْ تَظْهَرْ مُخَالَفَتُهُ وَلَوْ عَمِلْنَا بِالْقَاصِرِ لِمُوَافَقَةِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ ؛ لَكَانَ فِيهِ الْعَمَلُ بِمُوَافَقَةِ مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَمُخَالَفَةِ مَا لَمْ يَقَعِ الِاتِّفَاقُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ ، وَهُوَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي فَكَانَ مَرْجُوحًا . فَإِنْ قِيلَ : إِلَّا أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ مَا لَمْ يُتَّفَقْ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنَ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ ، وَمَا اتُّفِقَ عَلَى مُخَالَفَتِهِ مِنَ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ ، فَكَانَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَيْنِ : أَحَدُهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَالْآخَرُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَى مُخَالَفَتِهِ ، وَالتَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْقَاصِرِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْعَمَلُ بِهَذَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ ، وَمُخَالَفَةُ ظَاهِرٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي . قُلْنَا : هَذَا مُقَابَلٌ بِمِثْلِهِ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ لِمَعْنًى - وَإِنْ كَانَ قَاصِرًا - فَالْأَصْلُ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْفَرْعِ بِمَا وُجِدَ مُسَاوِيًا لِوَصْفِ الْأَصْلِ فِي الِاقْتِضَاءِ نَظَرًا إِلَى تَمَاثُلِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَوْلَى مِنَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ ، لِكَوْنِ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ مُخَالِفًا فِي الْأَصْلِ بِمِثْلِ مَا قِيلَ بِاقْتِضَائِهِ لِلْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ . وَعِنْدَ ذَلِكَ فَيَتَرَجَّحُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي عَمِلَ بِهِ ، وَبِأَصْلٍ مُتَرَجِّحٍ عَلَى النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ ، وَالْعَمَلُ بِالْقَاصِرِ عَمَلٌ بِهِ وَبِأَصْلٍ مَرْجُوحٍ بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَصْلِ الْمَعْمُولِ بِهِ مِنْ جَانِبِنَا ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى . فَإِنْ قِيلَ : رُبَّمَا كَانَ الْمَانِعُ لِلْحُكْمِ قَائِمًا مُطْلَقًا ، وَعِنْدَ ذَلِكَ فَالتَّعْلِيلُ بِالْقَاصِرُ أَوْلَى ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ النَّافِي وَمُوَافَقَةِ النَّفْيِ الْأَصْلَ بِخِلَافِ الْمُتَعَدِّي . قُلْنَا : الْمَانِعُ فِي الْفَرْعِ يَسْتَدْعِي وُجُودَ الْمُقْتَضَى وَإِلَّا فَالْحُكْمُ يَكُونُ فِيهِ مُنْتَفِيًا ؛ لِانْتِفَاءِ مَا يَقْتَضِيهِ ، لَا لِوُجُودِ مُنَافِيهِ ، فَدَعْوَى وُجُودِ الْمَانِعِ فِي الْفَرْعِ مَعَ وُجُوبِ قُصُورِ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِثْبَاتِ عَلَى الْأَصْلِ " عَلَى الْأَصْلِ " - مُتَعَلِّقٌ بِـ " قُصُورِ " . تَنَاقُضٌ لَا حَاصِلَ لَهُ . كَيْفَ وَإِنَّ مَا مِثْلُ هَذَا الْمَانِعِ مَرْجُوحٌ ثُمَّ الْخَصْمُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَالْمُتَعَدِّي عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْضُ فِي ابْتِدَاءِ الْكَلَامِ ، مُسَاوٍ لِلْقَاصِرِ فِي الْمَقْصُودِ ، فَكَانَ مَرْجُوحًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُتَعَدِّي أَيْضًا ، فَكَانَ الْمُتَعَدِّي أَوْلَى كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ . فَإِنْ قِيلَ : كَمَا أَنَّ الْمُتَعَدِّيَةَ قَدْ تَعْرِفُ إِثْبَاتَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ ، فَالْقَاصِرَةُ تَعْرِفُ نَفْيَهُ عَنِ الْفَرْعِ ، وَكَمَا أَنَّ مَعْرِفَةَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ ؛ فَمَعْرِفَةُ انْتِفَائِهِ أَيْضًا عَنْهُ مَقْصُودٌ لَهُ . قُلْنَا : هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ مَا هُوَ مُسَاوٍ لِلْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فِي الْأَصْلِ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى جِهَةِ الِاقْتِضَاءِ ، وَالْمَقْصُودُ الْمَطْلُوبُ لِلشَّارِعِ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ ؛ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ لِنَفْيِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ إِنَّمَا هُوَ بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ مَقْصُودِ الْحُكْمِ ، وَلَنْ يُتَصَوَّرَ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ مَا هُوَ مُسَاوٍ فِي الطَّلَبِ وَالِاقْتِضَاءِ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْأَصْلِ ، فَلَا يَنْتَهِضُ الْوَصْفُ الْقَاصِرُ فِي الْأَصْلِ عَلَامَةٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ مَعَ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي فِيهِ وَمُسَاوَاتِهِ لِلْقَاصِرِ فِي الِاقْتِضَاءِ عَلَى مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْضُ . كَيْفَ وَإِنَّ الْعِلَّةَ الْقَاصِرَةَ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ بِتَعْرِيفِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ إِلَّا مَعَ ضَمِيمَةِ انْتِفَاءِ عِلَّةِ غَيْرِهَا ، وَانْتِفَاءُ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ فِي طَرْفِ الْإِثْبَاتِ ، فَمَا اسْتُقِلَّ بِالتَّعْرِيفِ يَكُونُ أَوْلَى مِمَّا لَا يُسْتَقَلُّ . نَعَمْ ، قَدْ يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِالْعِلَّةِ الْمُثْبَتَةِ عَلَى انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ لَا أَنَّ انْتِفَاءَ الْمُعَارِضِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعَرَّفِ وَلَا الدَّاعِي ، بِخِلَافِ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعِلَّةُ الْقَاصِرَةُ فِي تَعْرِيفِهَا نَفْيَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ . وَالْعَمَلُ بِمَا هُوَ مُعَرَّفٌ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ فِي تَعْرِيفِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى . وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ إِنْ كَانَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي رَاجِحًا فِي جِهَةِ اقْتِضَائِهِ أَوْلَى وَالْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي وَإِنْ تَوَقَّفَ اسْتِقْلَالُهُ عَلَى إِخْرَاجِ الْقَاصِرِ عَنِ التَّعْلِيلِ فَلَيْسَ إِخْرَاجُ الْقَاصِرِ مَوْقُوفًا عَلَى اسْتِقْلَالِ الْمُتَعَدِّي ، لِيَلْزَمَ الدَّوْرَ لِجَوَازِ اتِّفَاقِهِمَا فِي إِخْرَاجِهِمَا عَنِ التَّعْلِيلِ . كَيْفَ وَإِنَّهُ مُقَابَلٌ بِدَوْرٍ آخَرَ حَيْثُ إِنَّهُ يَتَوَقَّفُ إِدْخَالُ الْقَاصِرِ فِي التَّعْلِيلِ عَلَى عَدَمِ اسْتِقْلَالِ الْمُتَعَدِّي ، وَكَذَلِكَ بِالْعَكْسِ . وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُتَعَدِّي مَرْجُوحًا فِي جِهَةِ اقْتِضَائِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَصْفِ الْقَاصِرِ ، فَالْوَصْفُ الْقَاصِرُ أَوْلَى نَظَرًا إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى زِيَادَةِ الْمُنَاسَبَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهَا ، وَالنَّظَرُ إِلَيْهَا وَإِنْ أَوْجَبَ إِهْمَالَ فَائِدَةِ الْمُتَعَدِّيَةِ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَصْلَحَةِ ، وَصَلَاحِ الْمُكَلَّفِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ زِيَادَةِ التَّعَقُّلِ وَسُرْعَةِ الِانْقِيَادِ فِي ابْتِدَاءِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا . وَفَائِدَةُ التَّعْدِيَةِ إِنَّمَا تُعْرَفُ بَعْدَ تَعَرُّفِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِمَا عُلِّلَ بِهِ بِنَظَرٍ ثَانٍ مُتَأَخِّرٍ عَنِ النَّظَرِ ، فِيمَا عُلِّلَ بِهِ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا هُوَ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ يَكُونُ أَسْبَقَ إِلَى الْفَهْمِ بِالتَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ فِي الْأَصْلِ فَكَانَ التَّعْلِيلُ بِهِ أَوْلَى . وَإِنْ كَانَتْ جِهَةُ التَّسَاوِي وَالْأَرْجَحِيَّةِ غَيْرَ مَعْلُومَةٍ وَلَا ظَاهِرَةٍ ، فَالتَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّي أَوْلَى نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ أَوْلَى عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ . وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَمَلَ بِمَا الْعَمَلُ بِهِ يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقْدِيرَيْنِ أَوْلَى مِمَّا لَا يَتِمُّ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ . وَعَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ يَكُونُ الْحُكْمُ فِي طَرَفِ النَّفْيِ ، هَذَا كُلُّهُ إِنْ كَانَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي خَارِجًا عَنِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ . وَأَمَّا إِنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا بِأَنْ كَانَ الْمُعَارِضُ مُعَلِّلًا بِمَجْمُوعِ الْوَصْفَيْنِ ؛ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَالْمُتَعَدِّي مَعًا ، فَالْقَاصِرُ أَوْلَى ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ ؛ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَعَدِّي رَاجِحًا عَلَى الْقَاصِرِ أَوْ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا . أَمَّا فِي طَرَفِ الْإِثْبَاتِ ؛ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَتَعْطِيلُهُ ، وَلَا كَذَلِكَ بِالْعَكْسِ ، وَيَخْفَى أَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّعْطِيلِ . فَإِنْ قِيلَ : إِلَّا أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمُتَعَدِّي رَاجِحًا لَوْ جَعَلْنَا الْوَصْفَ الْقَاصِرَ دَاخِلًا فِي التَّعْلِيلِ ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ عَنِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي الرَّاجِحِ ؛ رِعَايَةً لِمَا فَاتَ مِنَ الْوَصْفِ الْمَرْجُوحِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ . قُلْنَا : هَذَا إِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ رُجْحَانُهُ ظَاهِرًا ، وَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ احْتِمَالَ وُقُوعِ الْعَمَلِ بِمَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرٍ مِنْ تَقْدِيرَيْنِ أَوْلَى مِنَ الْعَمَلِ بِمَا لَا يَتِمُّ الْعَمَلُ بِهِ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ . كَيْفَ وَإِنَّ الْعَمَلَ بِالْقَاصِرِ ، وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إِلَى إِهْمَالِ الْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي فِي الْفَرْعِ ؛ إِلَّا إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُهُ مُطْلَقًا إِذْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْعِلَّةِ ، وَلَوْ عَمِلْنَا بِالْوَصْفِ الْمُتَعَدِّي فَقَطْ يَلْزَمُ مِنْهُ إِهْمَالُ الْقَاصِرِ وَتَعْطِيلُهُ مُطْلَقًا ، فَالْعَمَلُ بِالْقَاصِرِ يَكُونُ أَوْلَى ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ النَّفْيِ أَيْضًا ، بَلْ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ مُخَالَفَةِ الْمُقْتَضِي لِلْإِثْبَاتِ . هَذَا إِنْ ظَهَرَ التَّرْجِيحُ ، وَأَمَّا إِنْ تَحَقَّقَتِ الْمُعَارَضَةُ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ ، فَعَلَى مُقْتَضَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنَ الْقَوْلِ بِالتَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَارُضِ مَعَ التَّنَافِي ، فَلَا مَانِعَ مِنَ الْجَرْيِ عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ هَاهُنَا .

          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


          الخدمات العلمية