الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                              ذِكْرُ تَطْهِيرِ الْخِفَافِ وَالنِّعَالِ مِنَ النَّجَاسَاتِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يَطَأُ بِنَعْلِهِ أَوْ خُفِّهِ الْقَذِرَ الرَّطِبَ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُجْزِئُهُ أَنْ يَمْسَحَ ذَلِكَ بِالتُّرَابِ وَيُصَلِّي فِيهِ، هَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَطَأَ بِقَدَمَيْهِ أَوْ بِخُفِّهِ وَنَعْلِهِ، فَقَالَ فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ: التُّرَابُ لَهُمَا طَهُورٌ، وَقَالَ فِي الْقَدَمَيْنِ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا غَسْلُهُمَا فِي الْمَاءِ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي السَّيْفِ يُصِيبُهُ الدَّمُ: يَمْسَحُهُ الرَّجُلُ، وَهُوَ حَارٌّ يُصَلِّي فِيهِ إِذَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَثَرٌ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ فِي الْأَقْذَارِ: جَائِزٌ مَسْحُهَا بِالْأَرْضِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ غَائِطًا أَوْ بَوْلًا. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِي الْخُفِّ، وَالنَّعْلِ: إِذَا مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ، حَتَّى لَا يَجِدَ لَهُ رِيحًا، وَلَا أَثَرًا: رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ، وَالْغُسْلُ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَكَانَ النَّخَعِيُّ يَمْسَحُ النَّعْلَ أَوِ الْخُفَّ يَكُونُ فِيهِ السِّرْقِينُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي بِالْقَوْمِ. وَهَكَذَا قَالَ عُرْوَةٌ فِي النَّعْلِ يُصِيبُهَا الرَّوْثُ يَمْسَحُهَا وَيُصَلِّي فِيهَا. وَقَالَ سُفْيَانُ فِي رَجُلٍ تَوَضَّأَ، ثُمَّ انْغَمَسَتْ رِجْلُهُ فِي نَتْنٍ، وَلَمْ يَجِدْ مَاءً، قَالَ: يَتَيَمَّمُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ لَمْ يُتِمَّ وُضُوءَهُ، قَالَ: وَإِذَا أَصَابَ شَيْئًا مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ نَتْنٌ، مَسَحَهُ بِالتُّرَابِ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ بِإِسْنَادٍ فِي بَابٍ قَبْلُ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ . 730 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، نَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَسَدٍ الْخُشَنِيُّ، قَالَا: نَا الْوَلِيدُ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلَيْهِ فِي الْأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُمَا طَهُورٌ" . 731 - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، نَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، نَا خَارِجَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلَيْهِ فِي الْأَذَى، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُمَا طَهُورٌ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ النَّجَاسَاتِ لَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْمَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ( وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ) ، وَقَالَ ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ) ، وَالْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِصَبِّ دَلْوٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ، وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِغَسْلِ دَمِ الْحَيْضَةِ، فَوَجَبَ إِزَالَةُ النَّجَاسَاتِ بِالْمَاءِ، لَا تَقَعُ طَهَارَةٌ لِشَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ، إِلَّا بِالْمَاءِ إِلَّا مَوْضِعٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، فَإِنَّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ يَطْهُرُ بِغَيْرِ الْمَاءِ، وَذَلِكَ: الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ ذَلِكَ طَهُورًا لِمَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ، وَلِلْخِفَافِ وَالنِّعَالِ، فَإِنَّ طَهَارَةَ مَا يُصِيبُهَا مَسْحُهَا بِالتُّرَابِ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فَأَمَّا سَائِرُ النَّجَاسَاتِ فَلَا تَطْهُرُ إِلَّا بِالْمَاءِ، وَمِنْ حَيْثُ وَجَبَ أَنْ نَجْعَلَ الْأَحْجَارَ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ مُطَهِّرَةً لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَجِبُ كَذَلِكَ أَنْ نَجْعَلَ طَهَارَةَ الْخِفَافِ وَالنِّعَالِ مَسْحَهَا بِالتُّرَابِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَوْ يَكُونُ سَائِرُ الْأَنْجَاسِ يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: النَّجَاسَاتُ كُلُّهَا تَطْهُرُ بِالْمَاءِ، لَا تَطْهُرُ بِغَيْرِهِ، كَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَكَانَ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ فِي الْبَوْلِ فِي النَّعْلِ، وَالثَّوْبِ سَوَاءٌ، وَقَالَ النُّعْمَانُ فِي الْخُفِّ يُصِيبُهُ الرَّوْثُ، أَوِ الْعَذِرَةُ، أَوِ الدَّمُ، أَوِ الْمَنِيُّ فَيَبِسَ فَحَكَّهُ، قَالَ: يُجْزِئُهُ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا لَمْ يُجِزْهُ حَتَّى يَغْسِلَهُ، وَالثَّوْبُ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَغْسِلَهُ، وَإِنْ يَبِسَ إِلَّا فِي الْمَنِيِّ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُجْزِئُهُ فِي الْيَابِسِ أَيْضًا حَتَّى يَغْسِلَ مَوْضِعَهُ فِي الْخُفِّ وَغَيْرِهِ إِلَّا فِي الْمَنِيِّ خَاصَّةً. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْخُفِّ يُصِيبُهُ الْبَوْلُ: لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَغْسِلَهُ وَإِنْ يَبِسَ. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فِي الثَّوْبِ يُصِيبُهُ الْعَذِرَةُ، أَوِ الدَّمُ فَيَحِتُّهُ، قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ رَوْثُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ مِثْلُ الْعَذِرَةِ، فَإِنْ أَصَابَ النَّعْلَ أَوِ الْخُفَّ الدَّمُ، أَوِ الْعَذِرَةُ، أَوِ الرَّوْثُ، فَجَفَّ فَمَسَحَهُ الرَّجُلُ بِالْأَرْضِ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: فَمِنْ أَيْنَ اخْتَلَفَ النَّعْلُ وَالثَّوْبُ؟ قَالَ: لِأَنَّ النَّعْلَ جِلْدٌ، فَإِذَا مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ ذَهَبَ الْقَذَرُ مِنْهُ، وَالثَّوْبُ لَيْسَ هَكَذَا؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ يُنَشِّفُهُ فَيَبْقَى فِيهِ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الدَّمِ، وَالْعَذِرَةِ: إِذَا أَصَابَ الْخُفَّ، وَالنَّعْلَ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَمْسَحَهُ مِنَ الْخُفِّ، وَالنَّعْلِ حَتَّى يَغْسِلَهُ مِنْ مَوْضِعِهِ، وَإِنْ كَانَ يَابِسًا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: إِذَا أَصَابَ الْخُفَّ، أَوِ النَّعْلَ، أَوِ الثَّوْبَ الرَّوْثُ فَصَلَّى فِيهِ، وَهُوَ رَطْبٌ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ أَنَّ صَلَاتَهُ تَامَّةٌ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَاحِشًا فَصَلَّى فِيهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَنِ امْرَأَةٍ مَجْهُولَةٍ أُمِّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ 732 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، نَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: " كُنْتُ أُطِيلُ ذَيْلِي فَأَمُرُّ فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، وَالْمَكَانِ الطَّيِّبِ فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَعْنَاهُ فَكَانَ أَحْمَدُ يَقُولُ: لَيْسَ مَعْنَاهُ إِذَا أَصَابَهُ بَوْلٌ، ثُمَّ مَرَّ بَعْدَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَنَّهَا تُطَهِّرُهُ، وَلَكِنَّهُ يَمُرُّ بِالْمَكَانِ فَيُقَذِّرُهُ، فَيَمُرُّ بِمَكَانِ أَطْيَبَ مِنْهُ فَيُطَهَّرُ هَذَا ذَاكَ لَيْسَ عَلَى أَنَّهُ يُصِيبُهُ شَيْءٌ . وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: فِي قَوْلِهِ: "الْأَرْضُ تُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَطَأَ الْأَرْضَ الْقَذِرَةَ، ثُمَّ يَطَأَ الْأَرْضَ الْيَابِسَةَ النَّظِيفَةَ، قَالَ: يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَأَمَّا النَّجَاسَةُ الرَّطْبَةُ مِثْلُ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ يُصِيبُ الثَّوْبَ أَوْ بَعْضِ الْجَسَدِ حَتَّى يُرَطِّبَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ، وَلَا يُطَهِّرُهُ إِلَّا الْغُسْلُ، وَهَذَا إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ " وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ" . إِنَّمَا هُوَ مَا جَرَّ عَلَى مَا كَانَ يَابِسًا لَا يَعْلُقُ بِالثَّوْبِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَأَمَّا إِذَا جَرَّ عَلَى رَطْبٍ، فَلَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغُسْلِ، وَلَوْ ذَهَبَ رِيحُهُ وَلَوْنُهُ وَأَثَرُهُ.

                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية