ذكر الطلاق الذي يكون مطلقه مصيبا للسنة
أجمع أهل العلم على أن من لم يكن طلقها فيها، ولم يكن جامعها في ذلك الطهر، أنه مصيب للسنة، وأن له الرجعة إذا كانت مدخولا بها ما لم تنقض العدة، فإذا انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب. طلق زوجته طلقة واحدة وهي طاهر من [ ص: 139 ] حيضة
واختلفوا فيمن أراد أن يطلقها في هذه الحال ثلاثا: فقال أكثر أهل العلم: الطلاق الذي يكون مطلقه مصيبا للسنة أن يطلقها إذا كانت مدخولا بها طلاقا يملك فيه الرجعة، واحتجوا - أو من احتج منهم في ذلك - لظاهر قوله: ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) ، إلى قوله: ( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ) قال: فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ قال: ومن طلق ثلاثا فما جعل الله له مخرجا ولا من أمره يسرا، قال: وهو طلاق السنة الذي أجمع أهل العلم عليه أنه السنة.
فأما ما زاد على ذلك مما لا مراجعة لمطلقه عليها فليس للسنة إذا كان من طلق ثلاثا لا يجوز أن يحدث له بعد ذلك أمرا، فمن فعل ذلك فقد خالف ما أمره الله به، وما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أمر الله - عز وجل - أن يطلق للعدة، فإذا طلق ثلاثا فأي عدة تحصى، وأي أمر يحدث؟! وذلك خلاف أمر الله تعالى، قال: وفي قوله: ( الطلاق مرتان ) دليل على أنها طلقة واحدة في كل مرة، فجعل الله - عز وجل - الزوج بعد أن يطلق مرتين مخيرا بين أن يمسك بمعروف أو تسريح بإحسان، ولو كان طلق [ ص: 140 ] المطلق في إحدى المرتين أكثر من طلقة لما جاز له بعد المرتين أن يمسك بمعروف ولا بغير معروف؛ لأنه كان يطلقها حينئذ ثلاثا.
فأما ما اعتل به من رأى أن يطلق الثلاث في مرة واحدة مطلق للسنة محتجا بحديث العجلاني، فإنما أوقع الطلاق عنده على أجنبية، علم الزوج الذي طلق ذلك أو لم يعلم؛ لأن قائله يوقع الفرقة بالتعان الرجل، وقبل أن تلتعن المرأة فغير جائز أن يحتج بمثل هذه الحجة من يرى أن الفرقة تقع بالتعان الزوج وحده.
فأما حديث فإنما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عمر ما ليس بمنصوص في القرآن، فأما من هو يستغنى فيه بكتاب الله فلم يذكره كما فعل بعمر حين سأله عن الكلالة، فقال: تكفيك الآية التي نزلت في الصيف. ابن عمر
واحتجوا بالأخبار التي رويت عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
7605 - حدثنا حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، أيوب، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: كنت قاعدا عند فجاءه رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننا أنه سيردها عليه، ثم رفع رأسه، وقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس ابن عباس، وإنك لم تفعل، وقال: ( قال الله - عز وجل - : (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن من قبل عدتهن) ومن يتق الله يجعل له مخرجا ) وإنك لم تتق الله، ولا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. [ ص: 141 ]
7606 - حدثنا حدثنا علي بن عبد العزيز، أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عن عبد الله بن دينار، في الذي ابن عمر قال: عصى ربه وبانت منه امرأته. يطلق امرأته البتة
7607 - حدثنا يحيى بن محمد، حدثنا حدثنا أحمد بن يونس، زهير، حدثنا حدثني موسى بن عقبة، نافع، أن عبد الله بن عمر .... وذكر الحديث. طلق امرأته على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: وكان - يعني - يقول للرجل: أما أنت ابن عمر وعصيت الله فيما أمرك، بئس الطلاق. طلقت امرأتك [ثلاثا] فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك،
7608 - حدثنا حدثنا علي بن عبد العزيز، حجاج، حدثنا أخبرني شعبة، أبو إسحاق قال: سمعت أبا الأحوص قال: قال ( عبد الله بن مسعود: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) قال: إن شئت. الطلاق للعدة أن تطلقها طاهرا، ثم تدعها حتى تنقضي عدتها أو تراجعها
7609 - حدثنا حدثنا علي بن عبد العزيز، حجاج، حدثنا حدثنا حماد بن زيد، يحيى بن عتيق، عن محمد قال: قال علي بن أبي طالب: يبدأ فيطلقها تطليقة، ثم يتربص ما بينه وبين أن تنقضي عدتها، فمتى شاء راجعها. [ ص: 142 ] لو أن الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق ما يتبع رجل نفسه امرأته أبدا،
7610 - حدثنا حدثنا علي بن عبد العزيز، أبو عبيد، حدثنا عن يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، علي قال: ما طلق رجل امرأته للسنة فيندم أبدا.
7611 - حدثنا عن إسحاق، عن عبد الرزاق، إسماعيل بن عبد الله قال: أخبرني عبيد الله بن العيزار، أنه سمع يقول: كان أنس بن مالك عمر بن الخطاب إذا ظفر برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع رأسه.
7612 - حدثنا عن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، سالم، [عن] قال: ابن عمر، من طلق امرأته ثلاثا طلقت، وعصى ربه.
قال ولو لم يكن فيما ذكرناه كتاب ولا سنة إلا قول من ذكرناه من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبو بكر: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، لكان الواجب [ ص: 143 ] ألا نخرج عن قولهم؛ لأن أصحابنا لا يرون أن نخرج عن قول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا إلى قول مثلهم. وابن عمر،
كذلك قالوا لما أوجبوا في حمام مكة شاة، ذكروا ما روي فيه عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قالوا: ولا نعلم مثلهم خالفهم، وإن كان ظاهر الكتاب لا يدل عليه، فإذا كان هذا سبيل الشيء الذي فيه عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم، فما وافق قولهم ظاهر الكتاب أولى أن يقال به، بل لا يجوز العدول عنه.
وقالت طائفة: ليس في عدد الطلاق سنة؛ إذ الطلاق واحدة، وثنتين، وثلاثا، مباح، وما يباح فليس بمحظور.
هكذا قال واحتج بأن الشافعي، عويمرا العجلاني طلق امرأته بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثا قبل أن يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن يخبره أنها تطلق عليه باللعان، ولو كان ذلك محظورا عليه نهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعلمه وجماعة من حضر.
وحكت أن زوجها طلقها البتة - يعني والله أعلم - فلم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه عن ذلك، وطلق فاطمة ابنة قيس ركانة امرأته البتة، وهي تحتمل واحدة وتحتمل ثلاثا، فسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نيته وأحلفه عليها، وطلق امرأته ثلاثا. عبد الرحمن بن عوف
قال وقال بمثل قول أبو بكر: : الشافعي أبو ثور، ثم بلغني عن وأحمد بن [ ص: 144 ] حنبل، أحمد أنه رجع عن ذلك وقال بمثل قول وروي عن مالك، ابن سيرين مثل قول والشعبي . الشافعي
قال فأما طلاق أبو بكر: عبد الرحمن بن عوف فإنما طلق وفاطمة بنت قيس، آخر تطليقة كانت بقية طلاقها، وكذلك فاطمة إنما طلق آخر التطليقات، فليس في واحد من ذين حجة، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع، فبالقول الأول أقول؛ للحجج التي بينتها في هذا الكتاب، وفي الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب. عبد الرحمن بن عوف