الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل العلم نوراً يهدي به من يشاء من عباده، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
معاشر المؤمنين: عليكم بتقوى الله فهي خير زاد ليوم المعاد، وهي نجاة من الفتن في الدارين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
واعملوا أن تقوى الله هي أساس العلم النافع والعمل الصالح، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282].
أما بعد:
أيها المسلمون: إن من أعظم نعم الله على الإنسان نعمة العلم، وإن الطريق إلى العلم هو القراءة والتعلم والاطلاع، ولذلك لم تكن أول كلمة نزلت في القرآن الكريم كلمة عن المال أو الحرب أو السياسة، وإنما كانت كلمة عظيمة تهز البشرية كلها.
قال الله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5].
لقد بدأ الإسلام بكلمة اقرأ، وكأنها رسالة للأمة كلها: أن طريق نهضتها وعزتها هو العلم والقراءة والمعرفة.
معاشر المسلمين: إننا أمة "اقرأ" لكن "باسم ربك" فنحن لا نقرأ أي قراءة بل قراءة باسم الله في كون الله وما خلقه، ونتعلم بالقلم والكتاب أسرار خلق الله، كما نتعلم أسرار شريعة الله ودينه؛ لذلك فعلومنا هي علوم الدنيا والآخرة، وليس علوم ظاهر الدنيا فقط، كحال من قال الله تعالى فيهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7].
أيها المؤمنون: إن القراءة ليست مجرد هواية أو تسلية، بل هي عبادة عظيمة إذا قصد بها وجه الله؛ لأن طلب العلم من أفضل القربات إلى الله.
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة) رواه أحمد.
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) رواه أبو داود.
والعلم هنا يشمل أولاً علم الدين الذي يعرف به المسلم ربه وعبادته، ويشمل كذلك علوم الحياة النافعة التي تعمر بها الأرض، وتنهض بها الأمة.
ولقد صدق القائل في قوله:
العلم يرفع بيتاً لا عماد له *** والجهل يهدم بيت العز والشرف
أيها المسلمون: إن الأمة التي تقرأ هي أمة حية متقدمة، والأمة التي تهجر القراءة تبقى في دائرة الجهل والتخلف.
ولذلك كانت حضارة الإسلام حضارة تعلم وعلوم وكتب.
لقد كان المسلمون في عصورهم الذهبية أكثر الأمم قراءة وكتابة وتأليفاً.
فكانت المكتبات في بغداد ودمشق وقرطبة والقاهرة مليئة بالكتب في كل العلوم، وقد كانت بعشرات ومئات المكتبات الوقفية الجامعة، فضلا عن المكتبات الخاصة بكل عالم أو طالب علم ومحب للعلم.
وكان العلماء يؤلفون الكتب في: "التفسير، وعلوم القرآن، والحديث وعلومه، والعقيدة، والفقه وأصوله وقواعده، والسيرة والتاريخ، واللغة وفروعها المتنوعة، فضلا عن الطب، والفلك، والرياضيات، والهندسة، والفلسفة، وغيرها من العلوم والمعارف".
وكان المسلمون يشترون الكتب ويجمعونها ويهتمون بها اهتماماً عظيماً.
بل إن بعض العلماء كان ينفق معظم ماله في شراء الكتب، بل وكثير من التجار والحكام والولاة كانوا يهتمون بشراء الكتب ووقفها على طلبة العلم في المدارس والمساجد.
عباد الله: إن المسلم بحاجة إلى القراءة في نوعين من العلوم:
أولاً: العلوم الشرعية:
وهي أهم العلوم وأشرفها؛ لأنها تتعلق بمعرفة الله تعالى ومعرفة دينه.
فالقراءة في القرآن الكريم وتفسيره، وكتب الحديث والسيرة، وكتب الفقه والعقيدة، تزيد الإيمان في القلب وتصحح العبادة.
قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]، وقال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
فكلما ازداد الإنسان علماً بالله ازداد خشية له.
وقد كان السلف الصالح يحرصون أشد الحرص على طلب العلم.
فكان بعضهم يسافر مسافات طويلة من أجل سماع حديث واحد عن رسول الله ﷺ.
ثانياً: العلوم الدنيوية النافعة
كعلوم الطب والهندسة والتكنولوجيا والاقتصاد والعلوم الإنسانية وغيرها.
فالإسلام لا يمنع من تعلم هذه العلوم، بل يشجع عليها؛ لأنها تساعد على عمارة الأرض، وخدمة الإنسان، وهذه إحدى المقاصد من خلق الإنسان؛ قال الله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]؛ أي طلب منكم عمارتها.
ولا يمكن عمارة الأرض إلا بالعلم والمعرفة.
أيها المسلمون: إن من الوسائل المهمة لنشر العلم في المجتمعات الكتب والمكتبات ومعارض الكتب.
فمعارض الكتب فرصة عظيمة لاقتناء الكتب النافعة، والتعرف على الجديد من المؤلفات في مختلف العلوم.
وهي فرصة للتواصل بين العلماء والقراء، وفرصة لنشر الثقافة والمعرفة في المجتمع.
ولذلك ينبغي للمسلم أن يحرص على زيارة معارض الكتب، وأن يشجع أبناءه وأسرته على ذلك.
وأن يربي أبناءه على حب الكتاب والقراءة منذ الصغر.
أيها المؤمنون: إن شراء الكتب النافعة استثمار عظيم في العقل والروح.
فبعض الناس قد ينفق أموالاً كثيرة على الكماليات والترفيه، لكنه يتردد في شراء كتاب؛ مع أن الكتاب قد يغير حياة الإنسان كلها.
وقد قيل: "الكتاب صديق لا يخون، ومعلم لا يمل، ورفيق لا يملّك إلا علماً ونفعاً".
وصدق الذي قال: "وخير جليس في الزمان كتاب"، ومن قال: "مجدُ التاجر في كيسه، ومجد العالم في كراريسه".
أيها المسلمون: إن القراءة توسع العقل، وتنمي الفكر، وتزيد الحكمة، وتفتح آفاقاً جديدة أمام الإنسان.
فالإنسان حين يقرأ يستفيد من تجارب العلماء والمفكرين عبر القرون.
ويتعلم من أخطاء الآخرين ونجاحاتهم.
ولهذا قيل: القارئ يعيش أكثر من حياة واحدة؛ لأنه يعيش مع أفكار وتجارب كثير من الناس، عبر قرون وسنين ممتدة في التاريخ والحضارات.
عباد الله: لقد كان علماؤنا الكبار عشاقاً للكتب والقراءة.
فهذا الإمام النووي رحمه الله كان يقضي معظم وقته في قراءة العلم وكتابته، بل كانت دروسه في طلب العلم اثني عشر درساً كل يوم في علوم الشريعة المتنوعة.
وهذا الإمام ابن تيمية رحمه الله كان يقرأ ويؤلف حتى في السجن.
وكان يقول: "ما يفعل أعدائي بي؟ جنتي وبستاني في صدري".
وكانت الكتب عنده أعظم نعمة.
وكذلك الإمام الشافعي رحمه الله كان معروفاً بحبه للعلم والقراءة حتى صار من أعظم علماء الإسلام.
أيها المسلمون: إن من المشاكل الكبيرة في عصرنا ضعف القراءة في كثير من المجتمعات.
فكثير من الناس يقضون ساعات طويلة أمام الهواتف والشاشات، لكنهم لا يقرؤون كتاباً واحداً في السنة، وهذا أمر مؤسف؛ لأن الأمم المتقدمة اليوم تقرأ كثيراً، فالقراءة هي أساس التقدم العلمي والحضاري.
أيها المؤمنون: إننا بحاجة إلى أن نجعل القراءة عادة يومية في حياتنا، حتى لو كانت نصف ساعة في اليوم، فالقليل مع الاستمرار يصبح كثيراً.
ويمكن أن نبدأ بكتب سهلة ومفيدة، ونخصص وقتاً للقراءة بعد الفجر، أو قبل النوم، أو في أوقات الفراغ.
كما ينبغي أن نعلم أبناءنا حب القراءة منذ الصغر؛ فنشتري لهم الكتب المناسبة لأعمارهم، ونجعل في بيوتنا مكتبة صغيرة.
فالبيت الذي فيه كتب هو بيت مليء بالعلم والنور.
قال الخليفة عمر رضي الله عنه عن لامية العرب للشنفري: "علموا أولادكم لامية العرب، فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق".
أيها المسلمون: إن القراءة ليست مجرد جمع معلومات، بل هي وسيلة لبناء الإنسان الصالح.
فالقراءة في القرآن والسنة تزيد الإيمان.
والقراءة في سير العلماء والصالحين تزيد القدوة الحسنة.
والقراءة في العلوم المختلفة تزيد الفهم للحياة.
وبذلك يصبح المسلم إنساناً واعياً مثقفاً نافعاً لنفسه ولمجتمعه.
أيها المؤمنون: فلنحرص جميعاً على:
• قراءة القرآن وتدبره
• قراءة كتب العلم الشرعي
• قراءة الكتب النافعة في مختلف المجالات
• شراء الكتب المفيدة
• زيارة معارض الكتب
• تشجيع الأبناء على القراءة
حتى نعيد لأمتنا مكانتها العلمية والحضارية.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن العلم نور، وأن الجهل ظلام.
فمن أراد الهداية فطريقها العلم، ومن أراد النجاح في الدنيا والآخرة فطريقه التعلم.
عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) متفق عليه.
فاجعلوا لأنفسكم نصيباً من العلم كل يوم.
واحرصوا على قراءة القرآن، وعلى تعلم سنة النبي ﷺ، وعلى الاطلاع على الكتب النافعة.
واعلموا أن العلم الذي لا يُعمل به لا ينفع صاحبه. عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كان يقول: ... اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) رواه مسلم.
فاجعلوا علمكم سبباً في زيادة الطاعة والعمل الصالح.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، كما قال رب العزة جل جلاله، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
فتاوى الحج
مقالات الحج
تسجيلات الحج
استشارات الحج






