الخطبة الأولى
الحمد لله الذي خلق الزمان والمكان، وفاضل بين الأيام والشهور بحكمةٍ منه وإحسان، الحمد لله الذي جعل في تعاقب الليل والنهار عبرةً لأولي الأبصار، واصطفى من خلقه ما شاء واختار. أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلهٌ واحد، وربٌ شاهد، ونحن له عابدون. جعل تعظيم شعائره من تقوى القلوب، وحذر من انتهاك حرماته وتعدي الحدود، فقال في محكم التنزيل تعظيماً لأمره: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه. بعثه الله رحمةً للعالمين، وحجةً على العباد أجمعين. فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، الذين عظموا حدود الله، ووقفوا عند أوامره ونواهيه، وعلى من تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، وهي الزاد الذي لا ينفد، واللباس الذي لا يبلى، والحصن الذي لا يُهدم. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ}.
أما بعد: أيها المسلمون: الله سبحانه وتعالى بحكمته البالغة، ومشيئته النافذة، يخلق ما يشاء ويختار، فقد اصطفى من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم. وإننا نعيش في ظلال نعمة عظيمة، وموسمٍ جليل من مواسم الطاعات، ألا وهو "الأشهر الحرم".
حديثنا اليوم عن زمانٍ عظمه الله، وسجله في كتابه قبل أن يخلق البشر، زمانٌ له قداسة خاصة، وحرمةٌ مغلظة. اسمعوا إلى قول الحق جل جلاله وهو يقرر هذا الدستور الزماني في سورة التوبة: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36].
تأملوا هذا النص القرآني العظيم: {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}؛ أي أن حرمة هذه الأشهر ليست أمراً طارئاً، ولا عرفاً بشرياً وضعياً، بل هو قانون كوني وضعه الله منذ اللحظة الأولى التي دار فيها الفلك، وتحرك فيها الزمان.
فما هي هذه الأشهر الأربعة؟ لقد بينها لنا النبي المصطفى ﷺ بياناً شافياً في خطبة الوداع، فعن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) متفق عليه.
ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثلاثة أشهر متتابعة، ورجب وهو شهر منفرد، لأن في الأشهر الثلاثة يكون أداء مناسك الحج والعمرة، فحُرِّم قبل شهر الحج شهرٌ، وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعُدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر ذي الحجة؛ لأن فيه الحَجَّ، والاشتغال بأداء المناسك، وحُرِّم بعده شهر آخر، وهو المحرم؛ ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين.
وقد سميت حرماً لسببين عظيمين: الأول: أن الله حرم فيها القتال بين الناس، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 217]؛ فكانت العرب في الجاهلية تعظمها وتضع فيها السلاح، حتى إن الرجل ليلقى قاتل أبيه في هذه الأشهر فلا يهيجه ولا يمسه بسوء، تعظيماً لحرمة الزمن.
والثاني: لعظم حرمة انتهاك المحارم فيها، فالذنب فيها أعظم، والسيئة فيها أغلظ، كما أن الطاعة فيها أعظم أجراً وأرفع قدراً.
عباد الله: لنقف عند قوله تعالى: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}. لماذا خص الله هذه الأشهر بالنهي عن ظلم النفس مع أن ظلم النفس محرم في كل وقت وحين؟
يقول قتادة رحمه الله في تفسير هذه الآية: "إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا، من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيما، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء".
ويقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "اختص الله أربعة أشهر جعلهن حرماً، وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم، والعمل الصالح والأجر أعظم".
أيها المسلم: يا من أدركت هذه الأشهر: احذر أشد الحذر أن تظلم نفسك، وظلم النفس له صور لا تحصى، وليس مقتصراً على سفك الدماء، بل يتعداه إلى كل معصية ومخالفة لأمر الله. ومنها:
ظلم النفس بالشرك: وهو أعظم الظلم {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، ومن صوره التعلق بغير الله، واللجوء إلى السحرة والمشعوذين، أو الاعتقاد في الأبراج والنجوم.
ظلم النفس بالتهاون في الفرائض: كأن ينام المسلم عن صلاة الفجر؟ أو يؤخر الصلاة عن وقتها؟ أو يتركها بالكلية، أو يمنع زكاة ماله؟
ظلم النفس بأكل حقوق العباد: من أكل أموال الناس بالباطل، أو غش في بيع وشراء، أو ظَلَمَ أجيراً، أو ماطل في دين، فقد ظلم نفسه في شهر حرام، وضاعف على نفسه الوزر.
ظلم النفس بانتهاك الأعراض: كالغيبة، والنميمة، والكذب، والطعن في أنساب الناس، وأعراضهم عبر المجالس، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إن الكلمة الخبيثة في الأشهر الحرم أشد نكارة، وأعظم إثماً.
عباد الله: الحذر الحذر من ظلم المسلم لنفسه في هذه الأشهر الحرم، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2]؛ ومما لا شك فيه أن ذلك أمر محرم مطلقًا في جميع الأزمنة والأمكنة، ولكن الله خص الأشهر الحرم بمزيد تأكيد للتحريم، وأن الظلم فيها يكون أشدَّ إثمًا وأعظم جُرمًا.
أيها المؤمنون: إن تعظيم هذه الأشهر هو اختبار لإيمان العبد. فالمؤمن الصادق هو الذي تتغير حاله بدخول هذه الأيام، فيزداد ورعاً، ويكف جوارحه عن الحرام، ويقبل على الله بقلب منيب. إننا نرى أقواماً -هداهم الله- لا يفرقون بين رجب وشعبان، ولا بين ذي الحجة وغيره، فالمعاصي هي المعاصي، والتهاون هو التهاون، والغفلة هي الغفلة! فأين تعظيم شعائر الله؟ وأين الاستجابة لقول الله: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}؟
لقد كان السلف الصالح يشتد خوفهم في هذه الأشهر، وكانوا يكثرون فيها من الصيام والصدقة والذكر. كان الإمام الشافعي رحمه الله يغلظ الدية "دية القتيل" إذا وقع القتل في الشهر الحرام، تعظيماً لحرمة الوقت، وهو مروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه. وهذا وإن كان حكماً فقهياً، إلا أنه يعكس استقرار عظمة هذه الأشهر في نفوس الجيل الأول.
عباد الله: إن من أعظم القربات في هذه الأشهر الحرم:
كف الأذى والشر. فمجرد امتناعك عن الحرام بنية تعظيم الشهر هو عبادة تؤجر عليها.
إصلاح ذات البين. فطهروا قلوبكم من الشحناء، وصلوا أرحامكم، وتجاوزوا عن الزلات.
الإكثار من العمل الصالح. صم ما استطعت، وتصدق ولو بالقليل، واقرأ وردك من القرآن، وداوم على الأذكار، فإن الحسنات تضاعف في الأزمنة الفاضلة كما تغلظ السيئات.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، العلي الأعلى، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى.
اتقوا الله عباد الله: واعلموا أنكم في أيام معدودات، وأنفاس محسوبات، وكلكم إلى الله راجعون، وعلى أعمالكم محاسبون.
أما بعد:
أيها المسلمون: لقد سمعتم فضل الأشهر الحرم، ووعيد الله لمن ظلم فيها نفسه، وبقي أن نشير إلى قضية في غاية الأهمية، وهي قضية "النسيء" التي ذمها الله في كتابه. كان المشركون يتلاعبون بالأشهر الحرم، فيحلون شهراً ويحرمون آخر مكانه ليوافق أهواءهم في القتال، فقال الله: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 37].
عباد الله: إننا في حاجة ماسة إلى "هدنة أخلاقية" و"مراجعة إيمانية" في هذه الأشهر. اجعلوها محطة لتغيير المسار. من كان مقيماً على ذنب، فليقل: "يا رب، إعظاماً لشعيرتك، وإجلالاً لشهرك الحرام، سأترك هذا الذنب". ومن كان قاطعاً لرحمه، فليقل: "يا رب، في شهرك الحرام أصل رحمي أرجو رحمتك".
وتذكروا أن شهر الله المحرم، وهو أحد هذه الأشهر الأربعة، قد خصه النبي ﷺ بفضل زائد، فقال: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ). فانظروا كيف نسبه إلى الله تشريفاً "شهر الله"، فهل يليق بعبد يدخل "شهر الله" أن يبارز الله فيه بالقبائح؟
فيا من أثقلته الذنوب، هذه فرصتك. ويا من قَسَّت قلبه الغفلة، هذا موسمك. الأبواب مفتوحة، والرب كريم، والزمان شريف، والأجر مضاعف. فلا تكن من المحرومين.
وختاماً: احذروا سراق الأوقات، واحذروا شياطين الإنس والجن الذين يزينون لكم الباطل. عظموا ما عظم الله، فمن عظم حرمات الله فهو خير له عند ربه. {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
اجعلوا بيوتكم عامرة بذكر الله في هذه الأشهر، ربوا أبناءكم على أن يقولوا: "نحن في شهر حرام، لا نفعل الحرام". اغرسوا هذه القيمة في نفوس النشء، ليعود للأمة حيائها مع الله، وتعظيمها لشعائره.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
فتاوى الحج
مقالات الحج
تسجيلات الحج
استشارات الحج






