الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هجر زوجة الأخ إرضاءً للأم.. رؤية أخلاقية

السؤال

أمي -بارك الله في عمرها- تغار من زوجة أخي، وتأمرنا بمقاطعتها، وإذا علمت أننا تحدثنا هاتفيًا معها، تنفعل بشدة وتقاطعنا. فهل زوجة أخي من الرحم التي يجب وصلها شرعًا، أم أتجنبها كي لا يكون ذلك عقوقًا لأمي، وتجنبًا للمشكلات بيني وبين أمي؟
أريد نصيحة لأمي في هذا الأمر، لأن الغيرة بلغت حدًّا يوقعها في شيء من الحسد -للأسف-. وأعلم يقينًا أنني إذا نصحتها فإن أمي -بارك الله فيها- ستقاطعني تمامًا، وأعلم يقينًا أيضًا أنها لن تتغير. فهل ألتزم الصمت درءًا لهذه المفاسد استنادًا إلى القاعدة الشرعية: (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، أم أعمل بحديث: (انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)؟
فأخي مظلوم من جراء تلك الأحداث، ولكنه شديد البر بأمي، ويلبي جميع طلباتها، ويصبر عليها.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فزوجة الأخ ليست من ذوي الأرحام الذين تجب صلتهم شرعًا، فمن تجب صلة رحمهم هم: القرابات من جهة النسب كالإخوة، والأعمام، والأخوال.

وعلى الرغم من أنها ليست رحمًا، إلا أنها مسلمة، يجب لها من الصلة ما يجب لسائر المسلمين؛ فالأصل حرمة هجر المسلم وإيذائه، أو مقاطعته بغير مسوِّغ شرعي معتبر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام. رواه البخاري ومسلم.

وإذا كان تجنب مكالمتها، والتقليل من الاحتكاك بها، يدرأ المشاكل، ويمنع غضب الوالدة؛ فلا حرج في تقليل التواصل معها إلى الحد الأدنى، مع الاكتفاء بإلقاء السلام، والتعامل بالمعروف عند اللقاء العابر، دون قطيعة محرمة أو إساءة.

هذا؛ وبر الوالدة فريضة عظيمة من آكد الفرائض في الشريعة؛ لقول الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: 23].

ومع ذلك؛ فإن طاعة الوالدين مقيدة بالمعروف، فلا يطاع أحد في ظلم الآخرين، أو حسدهم، أو الإضرار ببيوتهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف. رواه البخاري ومسلم.

والموقف السليم هو المُداراة؛ فلا تظلموا زوجة الأخ، أو تعتدوا عليها، ولا تهجروها إرضاءً للأم، وفي الوقت ذاته لا تظهروا تواصلكم معها أمام الأم؛ تفاديًا لإثارة غضبها وانفعالها.

وإذا كنت تعلمين يقينًا أن نصح الأم المباشر سيؤدي إلى مفسدة أكبر (كمقاطعتها لك، وزيادة انفعالها وعنادها)؛ فالواجب هنا تقديم درء المفاسد، وتغيير أسلوب المعالجة بترك المواجهة والجدال المباشر؛ لأن النصيحة وسيلة للإصلاح، فإذا انقلبت إلى مفسدة أعظم؛ سقط وجوب الإنكار باللسان عليها، مع بقاء إنكار المنكر بالقلب.

ومن وسائل العلاج كذلك: التذكير غير المباشر؛ من خلال إسماعها لمواعظ عامة، أو برامج دينية تتحدث عن سلامة الصدر، وفضل كظم الغيظ، والحذر من الحسد، دون توجيه الكلام إليها بصورة شخصية.

وإذا وُجد شخص له منزلة ومكانة خاصة، وتأثير لدى الأم (كخال، أو عالم، أو كبير في العائلة)، فيمكن الاستعانة به لتوجيهها برفق وحكمة.

كل ذلك مع الإلحاح على الله تعالى أن يصرف عنها وساوس الشيطان والغيرة، ويؤلف بين القلوب.

هذا؛ واعلمي أن نُصرة الأخ المظلوم واجبة شرعًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. رواه البخاري، وتتحقق نصرته بتثبيته، وتطييب خاطره بالوقوف معه معنويًا، وتشجيعه على الاستمرار في بر والدته، والصبر على أذاها طلبًا للأجر العظيم.

وكذلك إعانته على مداراة أمه؛ بتوجيهه إلى أن يقلل من ظهور زوجته أمام أمه لتجنب الاحتكاك بها، دون أن يؤدي ذلك إلى هضم حق زوجته، أو إفساد بيته.

واعلمي أن نصرتك لأخيك لا تقتضي الصدام مع الأم أو مواجهتها بما يفاقم غضبها عليه، ويزيد من معاناته، بل تقتضي الحكمة والرفق بجميع الأطراف.

ولمزيد فائدة، انظري الفتاوى: 112595، 12848، 123691.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



 
 
 
 
فتاوى إسلام ويب - QR Code

فتاوى إسلام ويب