الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم حج كبار السن مع العجز البدني والخشية على الصحة، وهل تجب عليهم الإنابة

السؤال

والداي في العقد السابع من العمر. والدتي مريضة بالسكري، وتعتمد على العكاز، ولا تستطيع المشي لمسافات طويلة. ووالدي في حالة صحية مشابهة، وحالتهما المادية ميسورة، ولله الحمد.
وقد أدت والدتي العمرة سابقًا، وهي تُصرّ على أداء فريضة الحج هذا العام، وتقول: «لا مشكلة إذا متنا هناك»، بينما يرفض والدي التقديم خوفًا على صحته وصحتها من مشقة المناسك والزحام. وقد عرض عليها العمرة فرفضت.
فهل يُشترط للحج الاستطاعة البدنية؟ أم يتقدّم الحج على حفظ الصحة وإن كان فيه خطر عليهما؟ وهل يأثم والدي بامتناعه خوفًا على الصحة؟ وهل تُشرع لهما الإنابة (الحج بالإنابة) مع توافر المال والعجز البدني؟
جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالاستطاعة شرط لوجوب الحج، قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران: 97].

وتتحقق الاستطاعة بالقدرة المالية والبدنية معًا، فمن كان عاجزًا عن أداء المناسك ببدنه لكبر سن، أو مرض لا يُرجى زواله، وتلحقه مشقة شديدة غير محتملة؛ فإنه لا يجب عليه الحج بنفسه مباشرة.

هذا؛ وحفظ النفس، ودفع الضرر مقصد شرعي معتبر، ولا يُطلب من المسلم شرعًا أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، أو يتجشم مشقة تُفضي إلى الخطر المحقق على صحته.

وعلى هذا؛ فلا يأثم الوالد بامتناعه عن التقديم للحج بنفسه خوفًا على صحته وصحة والدتك من الزحام الشديد والمشقة غير المحتملة؛ لأن العجز البدني يُسقط فرضية الأداء المباشر بنفسه.

وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من كان عاجزًا عن الحج ببدنه لعذر مستمر لا يُرجى زواله، وهو قادر بماله، ومستطيع لنفقة الحج؛ فإنه يجب عليه أن ينيب من يحج عنه.

قال ابن قدامة -رحمه الله- في المغني: وجملة ذلك: أن من وُجدت فيه شرائط وجوب الحج، وكان عاجزًا عنه لمانع مأيوس من زواله، كزمانة، أو مرض لا يرجى زواله، أو كان نضو الخلق، لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير محتملة، والشيخ الفاني، ومن كان مثله متى وجد من ينوب عنه في الحج، ومالاً يستنيبه به، لزمه ذلك، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. انتهى.

وقال: ويستناب من يحج عنه من حيث وجب عليه، إما من بلده، أو من الموضع الذي أيسر فيه، وبهذا قال الحسن، وإسحاق، ومالك في النذر. انتهى.

وعلى هذا؛ فينيب كل منهما من يحج عنه، ويُشترط في النائب أن يكون قد أدى فريضة الحج عن نفسه أولًا؛ فعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلًا يقول: لبيك عن شُبْرُمَةَ، قال: من شُبْرُمَة؟ قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: حججتَ عن نفسِك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شُبْرَمَة. رواه أبو داود.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



 
 
 
 
فتاوى إسلام ويب - QR Code

فتاوى إسلام ويب