الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم فسخ إجارة الشقة بسبب الظروف الطارئة

السؤال

كنت أبحث عن شقة للإيجار في بلدي (وأنا مغترب)، عرض عليّ صديقٌ لي شقة أحد أقربائه، وذهب أفراد من عائلتي لتفقد الشقة وإطلاعي على أمرها، وقاموا بدفع قيمة إيجار الشهر كاملًا (مقدّمًا)، من غير عقد أو اتفاق على شرط الفسخ، ولم يستلموا المفتاح نظرًا لكون الشهر لم يكن قد بدأ بعد.
حالت ظروف الحرب والمنطقة دون قدرتي على الذهاب إلى بلدي، والآن بعد مرور ثلث الشهر، حسمت أمري بعدم السفر على الأقل خلال هذا الشهر (نظرًا للتأخيرات بسبب الحرب مما تبعها اضطراري إلى إلغاء رحلاتي وتكبدي خسارات مادية، ثم ارتفاع أسعار الرحلات البديلة بشكل كبير).
الآن، صاحبة الشقة ترفض إعادة جزء من مبلغ الإيجار بحجة تضررها من رفض طلبات الاستئجار منذ الاتفاق (وكان ذلك قبل بداية الشهر بـ 4-5 أيام). وعرضت علي تعويضا "أخلاقيا" (غير ملزم شرعًا) بقيمة ما تبقى من الشهر ابتداءً من يوم بدء تأجير الشقة لمستأجر جديد. فهل من حقي طلب التعويض؟ وهل من حقها الرفض؟
جزاكم الله عنا خيرًا.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد اتفق جمهور الفقهاء على أن عقد الإجارة عقد لازم من الطرفين، وأنه ليس لواحد منهما فسخه إذا وقع صحيحًا، ويترتب على ذلك: ملك المؤجر للأجرة، وملك المستأجر للمنفعة، وأنه لا ينحل عقد الإجارة إلا بانتهاء المدة، أو بانقضاء الغرض المستأجر له العين في بعض الحالات، أو بوجود سبب من أسباب فسخه.

واختلف العلماء في فسخ الإجارة بالعذر، فذكر بعضهم أنه إذا كان هناك عذر حسي يتعلق بمصلحة عامة، كأن يحدث خوف عام يمنع المستأجر من السكن في المكان الذي به العين المستأجرة، فله فسخ الإجارة بسبب ذلك.

وتوسع الأحناف في الأعذار المبيحة للفسخ، فقالوا -كما في البدائع وحاشية ابن عابدين، وغيرهما من كتبهم-: إن كل ما يُعْجِزُ العاقد عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد لم يستحقه بالعقد، يعتبر عذرًا. اهـ.

وهذا مبني على أن عقد الإجارة عندهم منعقد ساعة فساعة على حسب حدوث المنفعة، والمنافع لا تملك جملة واحدة، بل شيئًا فشيئًا، فيكون اعتراض العذر فيها بمنزلة عيب حدث قبل القبض يوجب الفسخ.

وذكروا من الأعذار المعتبرة في الفسخ من جانب المستأجر: ما لو استأجر دكانًا فأفلس، وقام من السوق، أو استأجر دارًا للسكن ثم اضطر للرحيل عن البلد، أو استأجر شخصًا لمصلحة يأملها، ثم بدا له أنه لا مصلحة له في ذلك، فهذه أعذار تفسخ بها الإجارة عندهم.

جاء في رد المحتار على الدر المختار في معرض ذكر أعذار فسخ الإجارة: وبعذر إفلاس مستأجر دكان إذا كسد سوقها حتى لا يمكنه التجارة، وكذا لو استأجر عقارًا ثم أراد السفر، وكذا الانتقال من المصر عذر في نقض إجارة العقار؛ لأنه لا يمكن الانتفاع إلا بحبس نفسه وهو ضرر. اهـ.

وقد أخذت هيئة المعايير الشرعية بفسخ الإجارة للأعذار الطارئة.

جاء في معيار الإجارة: يجوز فسخ عقد الإجارة باتفاق الطرفين، ولا يحق لأحدهما فسخها إلا بالعذر الطارئ، كما يحق للمستأجر الفسخ بسبب العيب الحادث في العين المخل بالانتفاع. انتهى من المعايير الشرعية.

وما ذكرته من الأعذار قريب من هذا، فعلى هذا الرأي قد يبيح لك فسخ العقد.

لكن مسائل النزاع والخلاف لا يمكن البت فيها من خلال السؤال من طرف واحد، بل لا بد من عرضها على الجهات المختصة، أو على الأقل مشافهة أهل العلم بها إن لم يتراض الطرفان ويصطلحا.

والذي ننصح به هو الصلح بينكما، ثم يحلل كل منكما صاحبه، ويسامحه.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني