السؤال
كل مخالفة تفسد المجتمع لها حد وعقوبة في الدنيا كالسرقة والزنا.
فما حد التبرج والمتبرجات، وإشاعة الفاحشة، وتطبيع المعصية، في الإسلام؟
كل مخالفة تفسد المجتمع لها حد وعقوبة في الدنيا كالسرقة والزنا.
فما حد التبرج والمتبرجات، وإشاعة الفاحشة، وتطبيع المعصية، في الإسلام؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فليس كل المخالفات والمعاصي لها حد وعقوبة مقدرة، وفي بعضها يكون التعزير، وهو عقوبة غير مقدرة شرعا، بحسب اجتهاد الحاكم ونوابه ومعاونوه، وبما يرونه رادعا للناس عن تلك المعاصي.
والتبرج وإشاعة الفاحشة في المؤمنين، من المخالفات التي ينبغي أن يتعاون المجتمع ككل -حكاما ومحكومين- على إزالتها والتخلص منها، ليس عن طريق وضع الزواجر المناسبة فحسب، وإنما قبل ذلك ببذل النصيحة، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فليس كل معصية أو مخالفة شرعية قد جعل الشارع لها حدًّا مقدرًا؛ فالحدود عقوبات مخصوصة ورد الشرع بتحديدها، وأما المعاصي التي لم يرد فيها حدٌّ مقدر، فقد تدخل ـ بحسب نوعها وظروفها وآثارها ـ في باب التعزير، وهو عند الفقهاء تأديب غير مقدر بعقوبة معينة في أصل الشرع، يُرجع في تقديره إلى ولي الأمر أو الجهة المختصة، وفق الضوابط الشرعية والمصلحة المعتبرة.
وعلى هذا؛ فالتبرج المحرم وإشاعة الفاحشة والترويج للمنكرات ليست لها عقوبة حدية معينة كحد السرقة أو الزنا. وإنما الأصل فيها النهي عن المنكر والدعوة إلى العفة والالتزام بالآداب الشرعية، وقد يرى ولي الأمر ـ في نطاق اختصاصه وما تقرره الأنظمة المرعية ـ اتخاذ تدابير أو عقوبات تعزيرية إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك.
وقد تكلم الفقهاء في مسؤولية ولي الأمر عن صيانة الآداب العامة والحد من المجاهرة بالمنكرات، وذكروا صورًا متعددة للتعزير كانت مرتبطة بأحوال مجتمعاتهم وأعرافهم ووسائل الضبط المعروفة في أزمنتهم.
ومن ذلك ما ذكره ابن القيم ـ رحمه الله ـ في الطرق الحكمية عند حديثه عن مسؤولية ولي الأمر في هذا الباب؛ فذكر وجوب منع ما يراه الشرع من أسباب الفتنة والمجاهرة بالمحرمات، ونقل عن بعض الفقهاء صورًا من العقوبات والتدابير التعزيرية التي كانت معروفة في عصرهم.
والمقصود من الاستشهاد بكلام الفقهاء تقرير أصل الحكم الفقهي، وهو أن هذه المخالفات لا حدَّ مقدرًا لها، وأن ما يحتاج منها إلى عقوبة أو إجراء ملزم فهو من باب التعزير والسياسة الشرعية التي مردُّها إلى ولي الأمر والجهات المختصة، وليس إلى آحاد الناس؛ لأن إقامة العقوبات واتخاذ الإجراءات الإلزامية ليست حقًّا للأفراد، بل تخضع للسلطة المختصة والضوابط الشرعية والنظامية.
والله أعلم.
بحث عن فتوىيمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني
فتاوى إسلام ويب