أخي الكبير يريد حرمان أرملة أبي حقها في الميراث، فكيف أتصرف؟
2026-05-31 02:09:21 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاكم الله خيرًا، وبارك الله فيكم.
أنا كنت مقصرًا في حق أبي وأمي قبل أن يُصلحني ربي إلى الحق، وقد توفيت أمي وأنا صغير، وتوفي أبي منذ سنة، رحمة الله عليهم جميعًا.
والآن أنا في صراع مع العائلة، حيث إن أخي الكبير يريد أن يتحكَّم في الإرث، وقد حصلت بيني وبينه مشكلة، حيث خاصمته لأنه حاول من خلال توزيع الإرث أن يضر زوجة الأب، وحاولت أن أمنعه من ذلك، لكنه أصر، وحتى الآن ما زال يُسيء إليها من خلال قسوة معاملته لها وعدم مراعاة ظروفها، على أساس أنها أرملة وليس لها أحد إلَّا الله عز وجل، وأُمُّها وأبوها متوفَّيان، وأخوها في دولة آسيوية.
وعلى العموم خاصمت هذا الأخ لأنه أحضر الشرطة إلى البيت لأخذ أوراق رسمية للوالد أثناء العِدة، وأنا متضايق من ذكر هذا الموضوع، لأنني أخاف أن يكون الله غاضبًا مني، ولا أعلم هل أنا على حق أم لا، وإخواني كلهم ضدي، وأنا ضدهم من أجل هذه المرأة الضعيفة، وهم يقولون إنني غبي لدفاعي عنها، وأنا أعمل ذلك (والله) لوجه الله، والحمد لله لست طامعًا في أي شيء، والله فتح عليّ من الرزق والمال والمسكن والعيال، ولله الحمد.
لكن لا أعلم، فهو من فترة إلى أخرى يكيد لها بشكل ظاهر، ولا أعلم ما في السرائر، والله أعلم بالنيات، وأنا في حيرة بصراحة، وعندما أنصحه لا يستمع لي، ومعظم الناس معه؛ لأنهم يميلون إلى مكيال الظلم والعادات والتقاليد التي تعطي الكبير دائمًا الحق، وأنا (والله) أراه طماعًا وظالمًا لها، ويبرر أفعاله بأنها كانت (تَوُزُّ / تُحِرِّض) الوالد علينا، ومرة يقول إنها سحرته، ومرة يقول إنها ظالمة، وأنا أقول إن الماضي انتهى، والحال الآن تغيّر.
أتمنى أن تشيروا عليّ ماذا أفعل؟ هل أستمر في مساندتها ومساعدتها، مع العلم أن الفضل لله تعالى أولًا وآخرًا، أم أترك الأمر، خاصة مع فقدي لإخواني الذين لم يسلم منهم حتى زوجتي وأطفالي؟
ولكم جزيل الشكر، والله ولي التوفيق.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فإننا نسأل الله تعالى أن يعفو عنك ما مضى من تقصير في حق الوالدين، ووصيتنا لك -أيها الأخ الحبيب- أن تسعى وتجتهد في بر والديك بعد وفاتهما، بكثرة الاستغفار لهما، والدعاء لهما، والصدقة عنهما، وصلة الأرحام التي لا تُوصل إلَّا من جهتهما كالأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ونحو ذلك؛ فهذا من بر الوالدين بعد الوفاة، فاجتهد في بر والديك بقدر طاقتك، وفي هذا إحسان إليهما، ورفعة وزيادة في درجاتك، نسأل الله أن يوفقك لكل خير.
وأمَّا في شأن زوجة أبيك؛ فقد أحسنت غاية الإحسان في إحسانك إليها، ومساندتك لها، ورحمتك بها؛ وهذا دليل على كريم خلقك، وصحة إيمانك، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يزيدك هدى، وتقى، وصلاحًا، وأن يكثر من أمثالك.
هذه المرأة لو لم يكن فيها من الأوصاف إلَّا أنها أرملة، لاستحقت أن يسعى الإنسان العاقل في قضاء حاجتها، والقيام بشؤونها، وابتغاء ذلك الأجر من الله، فإن النبي ﷺ يقول: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَالقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ الَّذِي لَا يُفْطِرُ»، فأي ثواب أعظم من هذا الثواب؟! «كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَالصَّائِمِ الَّذِي لَا يُفْطِرُ، وَكَالقَائِمِ – يعني قائم الليل – الَّذِي لَا يَفْتُرُ».
«السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ» وهذه أرملة تحتاج أن يُسعى عليها، ويُوفَّر لها حاجاتها، فنصيحتنا لك -أيها الحبيب- أن لا تضيع على نفسك هذه الفرصة، وأن تغتنم أيام الله تعالى وفرصه التي منحك إياها لاكتساب الأجر والثواب، فبادر إلى الإحسان لهذه المرأة بقدر الاستطاعة، ولا تلتفت إلى ما يقوله إخوانك من أنها كانت تفعل كذا وكذا؛ فهذه كلها أقاويل سوء مصدرها الشيطان ليصد المسلم عن عمل الخيرات، فلا تلتفت إليها، ولو كان ذلك صحيحًا، فإن العفو عما مضى، وعدم المجازاة به من أخلاق أهل الإيمان، وأصحاب الجنة وصفهم الله تعالى بأنهم: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
وأضف إلى ذلك -أيها الأخ الكريم- أن هذه المرأة مظلومة كما ذكرت أنت في استشارتك، والمظلوم لا ينبغي للإنسان المسلم أن يتركه، وأن يُسلمه لمن يظلمه، فقد قال النبي ﷺ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ»؛ لا يتولى ظلمه هو بنفسه، ولا يترك أحدًا يظلمه وهو يقدر على نصرته، «لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ»، فلا تُسلم هذه المرأة لمن يظلمها، وحاول إعانتها بقدر الاستطاعة، ولك في ذلك الأجر والمثوبة عند الله تعالى.
وأمَّا إخوانك، لاسيما الكبير منهم الذي يتولى هذا الظلم، فمن حقه عليك أيضًا أن تنصحه، وأن ترده عن هذا الظلم بقدر الاستطاعة، فإن النبي ﷺ يقول: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا»، ولَمَّا سأله الصحابة: كيف ينصر المسلم أخاه وهو ظالم؟ قال: «تَرُدُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ»، فحجزك أخاك عن الظلم، ومنعك له مرة بالنصيحة، ومرة بالاستعانة بالإخوان والأقارب الآخرين، وما شابه ذلك من الصور، رده عن الظلم هو نصر له، وإحسان إليه، فإن عواقب الظلم وخيمة على الإنسان في نفسه، وماله، وولده، وفي آخرته، فبادر إلى القيام بحق أخيك من النصيحة، وردعه عن الظلم بكل ما تقدر عليه، وفي ذلك الثواب الكثير.
ولا تخشَ أبدًا حصول الفرقة بينك وبين إخوانك بسبب نصيحتك إليهم، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، فإن الله سبحانه وتعالى سيجعل لك حبًّا ومودة في قلوب خلقه الذين يحبهم، فقد وعد الله -سبحانه وتعالى- المؤمنين العاملين الصالحات بأن يجعل لهم وُدًّا في قلوب المؤمنين، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا}.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُقدِّر لك الخير حيث كان، وييسره لك، وبالله التوفيق.