مهنة الطب للمرأة بقصد نفع المسلمات والجمع بينها وبين الحياة الزوجية

2013-06-23 05:57:58 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا طالبة في السنة الخامسة من كلية الطب، ولم تكن كلية الطب حلماً عابراً حلمت به عندما حصلت على مجموع مرتفع، وإنما هي هدف حياتي، أريد أن أصل من خلاله إلى مرضاة الله ورفع شأن الإسلام والمسلمين، وقد كان هذا الحلم يراودني منذ الطفولة، خاصة عندما كانت أمي تحكي لي عن طبيب جعله الله سبباً لتخفيف ألمها، وهي تدعو له منذ أكثر من عشرين عاماً.

علماً بأني أجد لذتي في مساعدة الناس والتخفيف عنهم، وقد كنت - على غير المعتاد من الأطفال - أحب مشاهدة العمليات الجراحية وأستغرب كيف يعرف الطبيب كل هذه الأشياء، وبعد أكثر من اثني عشر عاماً على الحلم دخلت كلية الطب، ورغم أني وجدتها صعبة وشعرت بعبء كبير وبأمانة عظيمة إلا أني كلفت نفسي عبء تحملها، وأتمنى أن أكون على قدر المسئولية.

ومنذ أن دخلت الكلية أعاني من صعوبة الدراسة والامتحانات، ولكني لم أكره الطب أبداً ولم أندم يوماً على دخولي هذه الكلية، ولكني فوجئت بكل من يتقدم لي يسألني: هل ستعملين طبيبة أم لا؟ ولماذا تعملين وهناك كثيرون من الرجال في هذا المجال؟ فأقول لهم: إني ما دخلت هذا المجال إلا من أجل أن أصون حرمات النساء، فيقولون: أليس مباحاً أن تذهب المرأة للطبيب الرجل؟ فلمَ تتعبين نفسك؟!

ومن يناقشني في ذلك متدينون، ويفخرون بأن أخواتهم يذهبون لطبيب النساء والولادة، وليس عندهم مانع في ذلك، وكثير من النساء لا يشعرن بأي حرج في كشف عورتهن أمام الرجل رغم وجود الطبيبة، وعندما أقنعتهم بضرورة وجود المرأة الطبيبة المسلمة قالوا: (اتركي ذلك لزميلاتك).

وقد تم عقد زواجي، وأحياناً يكلمني زوجي في كوني طبيبة، ويقول: إن أصدقاءه حذروه كثيراً من الزواج من طبيبة، وعندما أُخبره أن هذه رسالة وليست من أجل المال والشهرة، يقول: إن أكثر شيء يخيفه هو أنها رسالة، وأشعر أنني أنهار من داخلي ولا أصدق أن حلم عمري بالنسبة لزوجي هو مجرد شيء مخيف يتمنى أن لا يكون، وأخاف أن يطلب مني ترك الطب بعد أن نتزوج ويكون لدينا أسرة وأولاد لكي أعتني بالأولاد، ويشهد الله أني أعرف كثيراً من الطبيبات الماهرات اللائي يعشن حياة في قمة السعادة ولديهن أسر قوية ومتماسكة، فكيف يمكنني أن أقنعه بضرورة تعلم الطب لستر المسلمات؟! وكيف أُفهمه معنى الهدف والرسالة وأننا لم نخلق إلا لعبادة الله وأن خدمة الإسلام شرف عظيم لا يعطيه الله كل إنسان؟!

وإذا كنتم تعلمون بعض المعوقات التي ربما تقف أمامي في حياتي الزوجية بسبب الطب وكيفية التغلب عليها فأعلموني بها، وأود أن أعرف: أليس من حقي أن أحلم وأن تكون لي أحلامي التي لا يشاركني فيها أحد أم أني بعد زواجي يجب أن تكون حياتي كلها من أجل زوجي وأسرتي؟!

أفيدوني وأرشدوني وجزاكم الله خيراً.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ طبيبة مسلمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك استشارات الشبكة الإسلامية، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا اتصالك بنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأله تبارك وتعالى أن يبارك فيك وأن يُكثر من أمثالك، وأن يثبتك على الحق، وأن يهديك صراطه المستقيم، وأن يوفقك لخدمة الإسلام والمسلمين.

وبخصوص ما ورد برسالتك، فإن ما ذكرته هو أمر جميل رائع، وليس من حق أحد أن يُجهض هذا الحلم الجميل الذي خططت له في حياتك الأولى حتى أكرمك الله بالوصول إليه، ومن حقك أن تحتفظي بهذا الحلم الجميل، خاصة أنه لا يتعارض مع الشرع، بل هو صورة من صور الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.

وعندما نص العلماء على جواز ذهاب المرأة المسلمة إلى الطبيب المسلم لعلاجها قيدوا ذلك بحالة الضرورة فقط، ولم يُبح العلماء أن تذهب المرأة للطبيب إذا وجدت طبيبة مسلمة، فإن لم توجد طبيبة مسلمة فتقدم الطبيبة الكافرة على الطبيب المسلم، فإذا لم توجد طبيبة مسلمة ولا كافرة كان لها أن تذهب للطبيب وأن يكون محرمها معها وأن يكشف بقدر الحاجة وأن لا يكشف موطناً بعيداً عن موطن العلة، فهذه كلها ضوابط وضعها أهل العلم.

وأما عن زوجك الذي لا يريدك أن تكوني طبيبة أو يتخوف من ذلك؛ فإن هذا الموقف يقفه الكثير من الإخوة بدافع الغيرة على الأعراض وأن تقر المرأة في بيتها، ولكن عملك كطبيبة تسترين عورات المسلمات وتتخصصين في قسم النساء والولادة يعتبر دعوة إلى الله، فكما أن هناك داعيات يعلمن القرآن ويُلقين الدروس والمواعظ فينبغي أن يوجد طبيبات؛ لأن ستر عورات المسلمات عن الرجال من أعظم أبواب الخير.

وإذا كان زوجك لا يريدك أن تعملي في عمل مختلط، خاصة في المستشفيات العامة، فما المانع أن تعملي في بعض المؤسسات الإسلامية كجماعة أنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية وغيرها من المؤسسات الإسلامية التي لديها مستشفيات لا يختلط فيها الرجال بالنساء، على أن تقومي بما يتعلق بأخواتك المسلمات من حيث النساء والولادة، وهذا مجال طيب، ويمكنك أن تفتحي عيادة مصغرة - ولو غرفة من بيتك - تستقبلين فيها أخواتك الملتزمات الصالحات اللائي لا يرغبن في أن يطلع على عوراتهنَّ الرجال.

ولذلك لا ينبغي لزوجك أن يتعسف في موقفه، وأريدك أن تكوني مرنة، فيمكنك العمل بدوام كامل حتى ترزقين بالأولاد ما دام البيت لن يتأثر بإذن الله، وبعد ذلك من الممكن أن يخفف الدوام، وهذا لن يتعارض في شيء، بل هو مأجور على ذلك بإذن الله، ومن الممكن أن تعملي في مؤسسات لا يوجد فيها اختلاط ولا يوجد فيها مبيت ليلي، وإنما دوام تستطيعين أن تضبطيه بضوابط الشرع، وتأخذين ولو راتباً قليلاً أو أجوراً رمزية، ما دمت تبتغين ما عند الله تعالى خدمة لأخواتك المسلمات.

وأرى أن تركك لهذه المهنة تضييع لطاقة من الممكن أن تستفاد في خدمة الإسلام والمسلمين، ولكن حتى لا تفقدين زوجك لابد أن تتوسطي في الأمر، فاجلسي معه جلسة مصارحة وبيني له أن هذه رغبتك منذ الصغر، وأنك لست من السهل أن تتنازلي عنها، خاصة أنها لا تتعارض مع الشرع، بل إنها من العبادات الكبرى التي يثيب الله تبارك وتعالى عليها، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)، وقال: (من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)، وقال: (من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).

نسأل الله عز وجل أن يثبتك على الحق، وأن يبارك فيك وأن يكثر من أمثالك، وأن يشرح صدرك للذي هو خير.

وبالله التوفيق.

www.islamweb.net