علاقة الوالدين وأفراد الأسرة بما يعانيه مريض الرهاب الاجتماعي

2007-02-15 10:51:24 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا أريد أن أسأل عن سؤال يحيرني، ويتعلق بالشلل النفسي، وهو مرض الرهاب الاجتماعي الذي أحببت أن اسميه بهذا الاسم لأنه بالفعل شبيهٌ بالشلل؛ لأن الشخص المصاب به يكون معاقاً إعاقة نفسية، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً بسبب هذا المرض، والإعاقة الجسدية أرحم بكثير من هذا الداء.

ولقد قدر الله أن أكون أحد المصابين بهذا المرض، هذا بالإضافة إلى الوسواس القهري، ولكن هذا -ولله الحمد- تأقلمت معه كثيراً (ترتيب، نظافة، اهتمام زائد) أمور بسيطة يتأقلم عليها الإنسان وتصبح جزءاً منه، فهي ليست بالمشكلة الكبيرة حين نقارنها بمرض الرهاب الاجتماعي.

وأنا أعاني من الوسواس القهري منذ 10 سنوات تقريباً، ولكن -ولله الحمد- الأمور في تحسن -إن شاء الله-، ولكن مرض الرهاب أُصبت به منذ 8 سنوات، وهو الذي قصم ظهري، وأسأل الله أن يعافيني منه.

أنا لا أريد أن أتطرق إلى مسألة العلاج لأن من يريد العلاج عليه أن يتوجه إلى العيادة النفسية، وألا يهمل نفسه، ويطلب العلاج وهو جالس على كرسي يريد أن ينزل عليه الشفاء؛ لأن هذا مستحيل.

سؤالي: هل الوالدان لهما علاقة بما أعانيه من الرهاب الاجتماعي أو ما يعانيه غيري؟ وأرجوكم عدم الانحياز إلى الوالدين، فلا أحد يكره والديه مهما كانت الأسباب، ونحن نعلم أهمية الوالدين، والله -عز وجل- قد أولى الوالدين أهمية خاصة سواء في حياتهما أو بعد مماتهما، وأوجب حقهما، لذلك نحن نحترم الوالدين، وأنا أقول هذا الكلام لأن هناك بعض الاستشاريين النفسيين لا يجاوبون بطريقة علميه خوفاً من أن يؤلبوا الأبناء على الآباء، ويتسببوا في كره الأبناء لآبائهم، فنحن نعلم أن جميع الدراسات والنظريات تؤكد أن للوالدين سبباً مباشراً فيما يعانيه الأبناء من الرهاب الاجتماعي، يعني شخص كبير قارب على الزواج ويتجنب الذهاب إلى المناسبات أو إلى الأماكن العامة وهو لا يعلم ما هو الذي يدفعه إلى الخوف، الخوف من ماذا، منهم؟ هم بشر مثلك لا يأكلون، وهو مسكين يعاني ويموت باليوم مائة مرة.

هذا بالطبع سلوك اكتسبه الشخص منذ الطفولة، ولا أحد يستطيع أن ينكر هذا، وخصوصاً عندما لا يكون هناك أي أسباب جينية وراثية في الأسرة، ويتأكد هذا الشيء أكثر عندما يكون هذا الأب معروفاً بقسوته حتى بين أسرته وجماعته، فهو كان يضرب لأتفه الأسباب حتى لمجرد أن الابن أخطأ في صب الشاي للضيوف وسكب الشاي على الأرض فيضرب، وكذلك يُضرب أمام أقربائه، أليست كل هذه أسباب قوية تعزز من ظهور مرض الرهاب في الابن.

كيف نزل هذا المرض على الابن، أنزل عليه من السماء؟ بالطبع لا، لأننا نحن نعلم أن لكل شيء سبباً، وأذكر أني قرأت في كتاب له علاقة بالصحة النفسية قاعدة تقول: (Nothing comes from nothing)، أي لا شيء يأتي من لا شيء.

أنا أتكلم عن سلوك مكتسب كالخوف ولا أتكلم عن وسواس قهري أو فصام أو أمراض أخرى؛ لأن هذه الأخيرة قد أشارت الدراسات إلى أنها قد تكون نتيجة عوامل بيولوجية.

كما أني أعلم علم اليقين أنه حتى عندما يعرف مريض الرهاب أن لوالديه -وخصوصاً الأب- علاقة بمرضه فهذا لن يحل المشكلة بل يزيدها تعقيداً لأنه حتى مع مرارة الألم النفسي والمعاناة النفسية التي يعاني منها المريض وتذكر طفولته الصعبة، وأن أباه كان يضربه ويحقره فهذا لن يغير شيئاً مما حدث، ويجب أن يمضي ويستمر في طريقه وينسى الماضي بكل آلامه إذا أراد فعلاً أن يتخلص من مرضه.

أرجو أن لا أكون قد أطلت عليكم، وأنتظر ردكم بخصوص هذا، وأتمنى أن يكون رأيكم علمياً، فوالله إني أثق فيكم وفي موقعكم.

جزاكم الله خيراً على جهودكم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ صالح حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فجزاك الله خيراً على سؤالك -يا أخي-، ونسأل الله أن نكون دقيقين ومنصفين وعلميين فيما نقول.

وبصفة عامة فإن الأمراض العصابية ومنها المخاوف القلق والوساوس القهرية هي في الحقيقة متعددة الأسباب، ويختصر الكثير من الأطباء والعلماء السبب في قولهم: إنه بيولوجي اجتماعي نفسي، وأن هذه العوامل الثلاثة حين تجتمع وتتكاتف تؤدي إلى حدوث هذه الحالة النفسية.

كما أن الأبحاث العلمية تدل على أن حوالي 30 إلى 35% من مرضى الرهاب الاجتماعي كانت لديهم مشاكل ومخاوف في زمن الطفولة وخاصة الخوف من المدرسة أو الخوف من الفراق وأمن وأمان البيت.

إذن؛ الطفولة تلعب دوراً في الإصابة بالرهاب الاجتماعي، وحين نقول 30 إلى 35% فهذا يعتبر نسبة مقدرة جداً، ولا شك أن الوالدين يمثل كل منهما جزءاً من حياة الطفل النفسية وتربيته الوجدانية.

إذن نقول: إن بعض مصابي الرهاب الاجتماعي ربما تكون التنشئة لعبت دوراً في حياتهم، ولا شك أن قسوة الأب -إذا جاز التعبير- تعتبر عاملاً مهماً من ناحية التكوين النفسي للطفل في مرحلة التنشئة، وعليه نقول لك بكل صراحة أن قسوة الأبوين كلاهما أو أحدهما تلعب دوراً في وجود الرهاب الاجتماعي إذا توفرت العوامل الأخرى، ومنها الاستعداد من ناحية التركيبة البيولوجية والنفسية للطفل، وأعتقد أن هذا الكلام كلام مقبول جداً لأن الكثير من الأطفال يتعرضون لقسوة شديدة جداً من جانب آباءهم من ناحية التربية، وبالرغم من ذلك لا يحدث لهم أي شيء في حياتهم المستقبلية، ولكن هنالك النسبة القابلة للإصابة بالخوف والرهاب يمكن أن يحدث لها ذلك.

واحدة من المشاكل التي تواجه الطب النفسي هي تعدد المدارس، فالمدرسة البيولوجية تركز بصفة عامة على المكونات البيولوجية، والمدرسة النفسية تركز على الأسباب النفسية، والمدرسة الاجتماعية تركز على أهمية المكونات الاجتماعية، ولكننا نعتقد بأن الوضع الأمثل والمكون الأساسي في نظرنا هو إذا اجتمعت هذه العوامل مع بعضها البعض تؤدي إلى إخراج الحالة المرضية.

ولا يوجد في الحقيقة أي مقاس علمي يحدد كيفية وكمّ قسوة الأبوين، ولم أمر أبداً على أي مقاس، ونحن نتكلم عن الأبحاث نتكلم عن المقاسات، فالاكتئاب له قياسات، والقلق له قياسات، والتدهور الاجتماعي له قياسات، والوساوس القهرية لها قياسات، والحرمان له قياسات ... وهكذا، ولكني لم أمر بأي مقياس يمكن الرجوع إليه ليؤكد أو ليقيس حجم هذه القسوة، ولكن القسوة من جانب الأبوين موجودة في بعض المجتمعات ... فهنالك من يسميها بالتنشئة والتربية الصارمة، والإشكال يأتي أحياناً أن يكون الأب قاسياً، وتكون الأم كثيرة العاطفة والوجدان، وهذا يجعل الطفل حقيقة بين مطرقة القسوة والشدة والعطف الزائد، وهذا في حد ذاته لا يعتبر أمراً صحياً من الناحية النفسية.

كما أن التربية الصارمة أو الشدة أو القسوة من جانب الوالدين هي كثيراً ما تكون لغة اجتماعية مقبولة في بعض المجتمعات، فهذا النوع من القبول أو الخضوع أو الإقرار من جانب المجتمع هو الذي يعطي بعض الآباء الحرية في الشدة في منهجهم التربوي، ويقال أنه إذا كان هنالك إقرار أو قبول اجتماعي لأي سلوك فإن المرد السلبي لهذا السلوك هو أقل بكثير إذا كان المجتمع لا يقر ذلك السلوك.

وإذا خرجنا قليلاً من نطاق الرهاب الاجتماعي ومن أجل تبادل المعرفة فقط نقول بأن هنالك دراسات أسرية كثيرة جداً تدل على أن الطريقة التي تتعامل بها الأسرة مع بعضها البعض، أو الطريقة التي يعبر بها أفراد الأسرة عن أنفسهم قد تلعب دوراً في إصابة أحد أفراد الأسرة بأي مرض نفسي .. فهنالك على سبيل المثال ما يعرف بالأمهات الفصَميات، أي الأمهات اللائي يلعبن دوراً في أن يصاب أحد أبنائهنَّ بمرض الفصام، فهذه الأم تكون كثيرة العطف والمودة ولكنها كثيراً التدخل وملتصقة بالطفل وتنتقده في نفس الوقت، فهذا نوع من أمثلة التدخل الأسري الضار الذي ربما يؤدي إلى نوع من المرض النفسي العقلي، والأسر التي تكثر في داخلها التحالفات تجد أن هنالك نوعاً من الأحلاف الداخلية في داخل الأسرة، فالأسر تكون في الظاهر جيدة جداً ولكن يوجد نوع من عدم التوافق بين الأفراد، وهذا يؤدي إلى تكوين أحلاف داخلية، فتجد الأم مع البنت، والأب مع الابن، أو أخت مع الأخ، يكونون جبهة أو حلفاً أو توجهاً داخلياً معيناً من أجل إثبات الذات والنصرة.

فهذه أنواع من الأسر التي ربما ينتج عنها اضطرابات نفسية، وكثيراً من الأسر لا تستشعر بذلك ولا تقصده بالطبع، فهذه أيضاً إشكالية أخرى.

وختاماً؛ أرجو من الله تعالى أن يشفيك ويعافيك، وأرجو ألا تستسلم للرهاب الاجتماعي، ونصيحتي لك هي ألا تركن للأسباب أو المسببات، فهذا الأمر قد انتهى في نظري، فعش اللحظة، وواجه الرهاب، وكلامك حقيقة يعتبر ممتازاً وطيب جداً وهو أن الإنسان لابد أن يبحث عن آليات الشفاء، وصدقني أنك كما انتصرت على الوساوس القهرية يمكن أن تنتصر على الرهاب الاجتماعي، وهنالك بالطبع ارتباطٌ كبير بين الاثنين حيث أن كلاهما يعتبر من الأمراض العصابية.

أسأل الله لك الشفاء، وبالله التوفيق.

www.islamweb.net