ابتلاءاتي ورسوبي القديم وتعبي في العمرة جعلتني أوسوس أن الله غاضب علي!

2026-10-14 01:32:20 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

البدايةُ منذ صغري وأنا مواظبٌ على الصلاة والصيام والقرآن، وأحب ديني، حتى جاءت السنة الثالثة من الثانوية، فنجحت في السنة الأولى بمجموعٍ قليلٍ، فقدمتُ للشرطة ورُفِضتُ، فدخلتُ المسجد لأصلي وخرجتُ ولم أصلِّ، وحاولتُ تحسين مجموعي في الثانوية أكثر من سنةٍ، ودخلتُ الجامعة فرسبتُ أيضاً، فقلتُ في إحدى المرات: "لِمَ هكذا يا رب؟" وكان عدد سنوات الرسوب خمس سنواتٍ، وكنتُ أتعامل مع والدي بجفاءٍ؛ لأني كنتُ الابن الأصغر، ثم سافرتُ إلى السعودية، ثم نزلت إلى مصر وتزوجتُ.

وفي بداية زواجي جاءتني حالةٌ من الخوف الشديد، وجعلتُ أقول: "أنا كافرٌ، أنا سأخلد في النار بسبب ذنبٍ فعلتُه في رمضان"، وكان وسواساً قهرياً دينياً، فدخلتُ مستشفى خاصاً سبعة أيامٍ وخرجتُ، واستمر التعب سنتين، ثم فجأةً شفاني الله، واستمر الزواج 18 سنةً على نحوٍ جيدٍ جداً.

ثم نزلتُ من السعودية عام 2022، وقلَّ الدخل، فاستلمتُ وظيفتي في مصر مدرساً، وكان الأمر عادياً، ثم علمتُ أن زملائي عرفوا موضوع فشلي في التعليم، فجاءتني حالةٌ من الخوف وكره المدرسة، ثم قررتُ السفر في زيارةٍ إلى السعودية سنةً للهروب من المدرسة، فذهبتُ في بداية شهر رمضان، وجلستُ طوال الشهر أدعو الله ليلاً ونهاراً أن أجد عملاً، وبعد شهر رمضان مباشرةً جاءتني حالةٌ من الخوف الشديد، فنزلتُ إلى مصر ورجعتُ إلى الوظيفة مرةً أخرى.

ومنذ أربع سنواتٍ انتابني شعور الخوف الشديد وعدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة، وبدأتُ أخاف من الصلاة والصيام والقرآن، واسترجعتُ الفشل في التعليم على أنه كان عقاباً بسبب الخروج من المسجد، أو لقولي: "لِمَ هكذا يا رب؟"، أو بسبب معاملتي لأبي.

وجاءني أيضاً إمساكٌ شديدٌ دائمٌ، وانعدام للرغبة تماماً، وجفافٌ في العين، ونقصٌ شديدٌ في الوزن، وجاءتني أفكار الكفر والعذاب والخلود في النار، وبكاءٌ وصراخٌ دائمٌ، والخوف من الله، ولا أستطيع الذهاب إلى المدرسة، ونفور زوجتي مني، ونظرات الآخرين إليَّ، وذهبتُ إلى العمرة ولكن تعبتُ هناك أيضاً، فتصورتُ أن هذا غضبٌ من الله وأنه لن يغفر لي، وأتخيل النار فأصرخ.

وأصبحت حياتي الأسرية صعبةً جداً: حالةٌ من الفقر، وخوفٌ من الكفر والعذاب، أرجو أن تطمئنوني، لأني أقول: لو كان ربنا رافضاً لي فلماذا لم يقبضني إليه؟ ويا رب أن يكون ابتلاءً لا غضباً.

وأعتذر عن الإطالة.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويذهب عنك الخوف، ويثبت قلبك على الإيمان، ويعينك على عبادته، وعملك وأهلك، ويرزقك حسن الظن به.

فأول ما نريد أن نطمئنك إليه: أن ما ذكرته من قولك في وقت الضيق: «لِمَ هكذا يا رب؟»، أو خروجك من المسجد وتركك الصلاة في فترة من حياتك، أو تقصيرك في حق والدك، ذنوب وتقصير يحتاج ما كان منها محرماً إلى توبة واستغفار، ورد الحقوق والإحسان إلى الوالد ما أمكن، لكن ليس في شيء مما ذكرت ما يسوغ لك أن تحكم على نفسك بأن الله لن يغفر لك أو أنك مخلد في النار، بل هذا اليأس نفسه هو الباب الذي ينبغي إغلاقه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وهنا ينبغي أن نفصل بين أمور اختلط بعضها ببعض عندك:

أولاً: لا يصح أن تجمع أحداث أربعين سنة في سلسلة واحدة ثم تقول: خرجت من المسجد، فرسبت، ثم فشلت في الدراسة، ثم ضاق رزقي، ثم كرهت المدرسة، ثم تعبت في العمرة؛ إذن كل هذا عقوبة من الله بسبب ذلك الذنب! ليس عندنا وحي يخبرنا بهذا، فقد يعاقب الله العبد ببعض ذنوبه، وقد يبتليه ليرفع درجته أو يكفر سيئاته، وقد تقع المصيبة لأسباب دنيوية معتادة، أما تعيين حادثة بعينها والقول: هذه عقوبة ذلك الذنب، فلا يجوز الجزم به بلا دليل، وأنت الآن تعود إلى وقائع قديمة جداً وتعيد تفسير حياتك كلها من خلالها، وهذا يزيد خوفك ولا يعطيك علماً بحكم الله عليك.

ثانياً: ما تمر به من خوف وضيق وتعطل في بعض شؤون حياتك يدخل في جملة ابتلاءات الدنيا التي تمر على كل الناس بصور مختلفة، والمؤمن مع الأخذ بكل الأسباب مأجور على صبره واحتسابه، قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» فلا يضيع عند الله ما تصبر عليه من ألم.

والبلاء ليس دليلاً بذاته على غضب الله، كما أن سعة المال والصحة والراحة ليست دليلاً بذاتها على رضاه، فالأنبياء وهم أحب الخلق إلى الله كانوا أشد الناس بلاء، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ولذلك فتعبك في العمرة لا يعني أن الله رفضك، وضيق رزقك لا يعني أنه أبغضك، وتعسرك في الدراسة لا يعني أنه حكم عليك بالشقاء.

ثالثاً: الأفكار التي تقتحم عليك قلبك في شأن الكفر والنار وعدم المغفرة، ثم تفزع منها وتبكي وتصرخ خوفاً، ليست في ذاتها اختياراً للكفر، بل هذا من تلبيس الشيطان عليك، الصحابة أنفسهم -وهم من هم فضلاً ورفعة- شكوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- خواطر عظيمة يستثقلون حتى الكلام بها، فَقَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» أي إن نفورهم منها وكراهتهم لها دليل على أنها ليست اعتقاداً اختاروه ورضوا به، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» والوسواس يقتحم على الإنسان أكثر الأبواب استقراراً عنده ثم يطالبه بأن يثبتها مرة بعد مرة، ومن هنا دخل عليك من الباب الذي تحبه وتخاف عليه: دينك وعلاقتك بالله.

ولهذا لا تناقش كل فكرة كفر تأتيك، ولا تجدد إسلامك كلما خفت، ولا تستخرج من ذاكرتك كلمات قلتها منذ ثلاثين سنة لتقرر هل أخرجتك من الدين، فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْوَسْوَاسِ: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ».

رابعاً: قولك: «لو كان ربنا رافضاً لي فلماذا لم يقبضني إليه؟» هو قول لا يحل ولا يجوز، فالله يفعل ما يشاء ولا معقب لحكمه، لكنها كذلك لا تدخل في هذه المحاكمة أصلاً! أنت لا تحتاج إلى علامة خفية تعرف بها هل الله «رافضك» أم لا؛ فقد أخبرك الله بنفسه ماذا تفعل إذا أذنبت: تتوب إليه، وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ» رواه مسلم.

فإذا تبت من تقصيرك في الصلاة، واستغفرت مما بدر منك، وأحسنت إلى أبيك إن كان حياً، أو دعوت له وتصدقت عنه إن كان قد مات؛ فقد فعلت ما أمرك الله به، وبعد ذلك لا تجعل وظيفتك أن تفتش في الغيب: هل غفر الله لي؟ هل هذه المصيبة عقوبة؟ هل تعبي في العمرة علامة رفض؟

خامسا: علاقتك بالصلاة تحتاج إلى تصحيح مهم؛ فأنت تقول: إنك أصبحت تخاف من الصلاة والصيام والقرآن، فلا تفسر هذا بأن الله يطردك من عبادته، بل حافظ على الفرائض ولو كنت خائفاً، ولا تنتظر أن يعود الشعور القديم حتى تصلي؛ فالصلاة ليست امتحاناً لمشاعرك، وإنما فريضة تؤديها لله، قم فتوضأ وصلِّ، فإذا جاءت أثناء الصلاة فكرة: «أنت كافر، لن تقبل منك»، فلا تناقشها، وأكمل صلاتك، وإذا جاءك الخوف أثناء القرآن فأكمل ما تيسر دون مراقبة قلبك: هل خشعت؟ هل قبلني الله؟ هل أشعر بالقرب؟

سادساً: المدرسة كذلك أصبحت عندك مرتبطة بذكريات الرسوب ونظرات الآخرين وما تعتقد أنهم يعرفونه عن ماضيك، لكن رسوب الإنسان في مرحلة من تعليمه ليس عاراً يطارده بقية عمره، أنت الآن مدرس، ولك وظيفة ومسؤولية وأسرة، فلا تجعل الطالب الذي رسب قديماً يحكم حياة الرجل الذي أصبحت عليه اليوم.

وحتى لو عرف زملاؤك أنك تعثرت في تعليمك قديماً، فما الذي يترتب على ذلك الآن؟ لقد مضى الأمر وانتهى، والعبرة الآن بما أنت فيه لا بما مضى، فلا تترك عملك لمجرد الخوف من نظرات الناس، ولا تحاول أن تعرف ماذا يفكر كل واحد منهم فيك بل ولا يشغلك ذلك أصلاً، أدِّ عملك بما تستطيع، وليكن معيارك أمانتك اليوم، لا صورتك القديمة في أذهان الآخرين.

سابعاً: لا تجعل الفقر وضيق الحياة ونفور زوجتك وبعض ما طرأ عليك دليلاً جديداً تضيفه إلى «ملف غضب الله عليك» فالحياة الزوجية لها أسبابها، والرزق له أسبابه، والعمل له مشكلاته، وما يصيب الإنسان من تعب له أسبابه، وتجميع كل ذلك تحت تفسير واحد هو: «الله غاضب علي» سيجعل كل حادثة تقع لك حجة جديدة على خوفك؛ وهذا ما يريده الشيطان منك، فانتبه وأصلح ما تستطيع إصلاحه منفرداً: أحسن إلى زوجتك، وأدِّ عملك، ونظم نفقتك، وصل رحمك، وأصلح علاقتك بمن ظلمته، وحافظ على صلاتك، واترك ما لا تستطيع تغييره لله.

ثامناً: لا نريد منك الآن برنامجاً شاقاً من العبادة لإثبات أنك مؤمن، ولا تذهب إلى العمرة لتختبر: هل سأرتاح أم لا؟ ولا تقرأ القرآن لتختبر: هل ذهب الخوف؟ ولا تكرر الاستغفار آلاف المرات حتى تحصل على شعور معين بالقبول.

صلِّ الصلوات الخمس، واقرأ كل يوم شيئاً من القرآن، وحافظ على أذكارك، وأكثر من الدعاء، واستغفر الله من غير عد قهري، واجعل لك صحبة صالحة ومسجداً تألفه، وأحسن إلى أهلك ووالديك، والعبادة طريقك إلى الله، وليست اختباراً لمعرفة هل الله يحبك.

وأخيراً: أنت تقول إن حياتك كانت مستقرة ثمانية عشر عاماً بعد المرحلة الأولى من هذا الخوف، وهذه حقيقة مهمة: الحالة التي تقول لك الآن «ستبقى هكذا إلى الأبد» سبق أن مرت عليك ثم زالت سنوات طويلة، فلا تجعل شدة اللحظة الحالية حكماً على مستقبلك كله.

وأما خوفك من لقاء الله، فاجعله خوفاً يدفعك إليه لا خوفاً يطردك منه، المؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء؛ يخاف ذنبه، لكنه يرجو ربه، ولا يجعل ذنبه أعظم في قلبه من رحمة الله، قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾، فهذا هو التوازن: لا أمن من مكر الله مع الإصرار على المعصية، ولا قنوط من رحمته مع التوبة والرجوع.

فلا تقل بعد اليوم: «الله رافضني»، قل: «أنا عبد أخطأت، وربّي فتح لي باب التوبة، وكلما تعثرت عدت إليه» وإذا جاءك الوسواس يقول: ولكن ماذا عن ذلك الذنب؟ وماذا عن الرسوب؟ وماذا عن العمرة؟ فلا تبدأ المحاكمة من جديد؛ استعذ بالله، واقطع الفكرة، وافعل ما عليك في يومك.

نسأل الله أن يغفر لك ما مضى، ويتقبل توبتك، ويبرئ قلبك من الخوف واليأس، ويرزقك السكينة في الصلاة والقرآن، ويصلح ما بينك وبين زوجتك، ويبارك لك في عملك ورزقك، ويعينك على بر والديك، ويجعل ما أصابك رفعة وتكفيراً، ويفتح لك من رحمته ورجائه ما يطفئ عنك نار الخوف، ويحسن خاتمتك ولقاءك به، والله الموفق.

www.islamweb.net