أهلي يحبونني ولكنهم يقسون عليّ مما أفقدني الشعور بالأمان، فماذا أفعل؟

2026-10-11 02:44:02 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أشعر بأن قلبي مضطرب، وأخاف أن أفقد بوصلتي، فليتكم تستمعون إليَّ، جبر الله خاطركم.

أنا طالبة مجتهدة، وكان حلمي أن أصبح طبيبة؛ فقد اعتاد والدي ومن حولي أن ينادوني «الدكتورة»، وتعلَّق الطب بقلبي، كما أردت أن أبرَّ والديَّ وأحقق حلمهما. لكن وقت الاختبارات الوزارية مرَّ والدي بظرف صحي قاسٍ، وكان بين الحياة والموت، وحاولتُ أن أتماسك وأواصل دراستي، وأنا لا أعلم هل أبي بخير أم لا، وكنت أدعو: «يا رب، إن كان هذا ابتلاءً لأنك تحبني، فوسِّع صدري لتحمُّله، وإن كان لغضبك، فاغفر لي ولوالديَّ»، ومرَّت الأيام بلطف الله، والحمد لله أن والدي بخير الآن.

ثم جاءت النتائج، وكانت صدمة كبيرة، فقد رأيتُ في عيني والدي حزنًا وعتبًا؛ لأنه لن يراني الطبيبة التي حلم بها، ولم أستطع البكاء أو الحديث مع أحد، فقررت إعادة المرحلة حتى لا تبقى النتيجة جرحًا في داخلي أو في قلب والديَّ.

لكنني بحاجة إلى دعم نفسي؛ فقد بذلتُ جهدي حتى ذبلت، وها أنا أبذل مرة أخرى، ولا أجد الاحتواء الذي أحتاج إليه، فأحيانًا تجرحني أمي بكلامها، وهي تقول إنها لا تجيد التعامل معي، وهذا يحزنني.

وقد تمنيتُ أن تكون لي أخت، وكلما كبرتُ شعرتُ بحاجتي إلى أم حنون أو أخت تحتويني، وأبي، الذي كان حنونًا عليَّ، أصبح أكثر قسوة وغضبًا، حتى صرتُ أخاف الحديث معه، وأعلم أنهم يحبونني، لكنني لا أشعر بالأمان والاحتواء.

أنا كتومة جدًّا، وأخاف أن تنفجر مشاعري دون قصد، فأجرحهما أو أغضبهما، وأكون عاقة لهما، والعياذ بالله، ومن شدة وحدتي أصبح عقلي ينسج مواقف وشخصيات أتحدث إليها في خيالي لأشعر بالأنس، وكأنني أبحث عن الاحتواء الذي أفتقده.

وفي وسط كل هذا، أشعر بأن ما أريده هو الله، وأريد أن أكون ابنة صالحة، بارَّة بوالديَّ، حافظة لكتاب الله، ملتزمة بديني ولباسي الشرعي، لكنني لا أعيش في بيئة متدينة، وأعجز عن الحديث مع والديَّ في أمور ديني ولباسي، ولم أعد أطيق البعد عن الله لشدة حبي له.

وأغبط كل فتاة أراها ملتزمة بلباسها الشرعي ونقابها، ثم أقول: «يا رب، هب لي...»، وأدعو الله أن يأتيني بهم جميعًا، ويقرِّبني إليه. أنا أشعر بالانكسار، وأخاف أن أضيع بين إرضاء والديَّ وما أريده لديني وقلبي، لذلك أحتاج إلى كلمة صادقة ترشدني: كيف أقترب من الله أكثر في ظل هذه الحواجز، وأكون ابنة صالحة، وفي الوقت نفسه لا أُنهك نفسي أكثر؟

أعتذر عن الإطالة، وأسأل الله أن يكتب لكم أجر سماعي.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ راما حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يجبر قلبك، ويشفي والدك، ويعينك على بر والديك، ويهديك لما فيه خير دينك ودنياك.

أختنا الكريمة، من أجمل ما في رسالتك أنك رغم الألم والضغط والخذلان ما زلت تبحثين عن الله تعالى، وتخافين أن تخطئي في حق والديك، وتريدين أن تكوني بارة وحافظة لكتاب الله سبحانه؛ وهذه معانٍ عظيمة تدل على قلب حي، لا على قلب ضائع.

أختنا الكريمة، أول ما أريد أن أطمئنك إليه: أنتِ لستِ مطالبة بأن تحملي كل هذه الأعباء دفعة واحدة، مرض والدك، وضغط الاختبارات، والنتيجة، وإعادة السنة، وتوقعات الأسرة، وحاجتك للاحتواء، ورغبتك في الثبات على دينك؛ كل ذلك كثير على قلب واحد، ولا تفسري ما حدث في دراستك بأنه دليل على أن الله تعالى تخلى عنك، فقد كنتِ في ظرف استثنائي، وبذلتِ ما استطعتِ، ووالدك -بحمد الله- عوفي، والنتيجة الدراسية لا تختصر قيمتك، ولا تحدد منزلتك عند الله تعالى، ولا تجعلي تحقيق حلم «الطب» هو الطريق الوحيد لبر والديك.

أمَّا والدك، فلعله يتألم لأن حلمًا كبيرًا بناه معك لم يتحقق كما تصور، لكن حزن الوالد لا يعني أن ابنته خيبت ظنه أو أنها فقدت قيمتها عنده، وأنتِ مأجورة على بره، لكن ليس مطلوبًا فوق الطاقة، قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وقال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

أما علاقتك بالله تعالى، فلا تجعليها متوقفة على موافقة الناس أو توفر البيئة المثالية، فاقتربي من الله تعالى بما تستطيعين الآن: الصلاة في وقتها، ورد ثابت من القرآن، الدعاء، الذكر، حفظ ما تيسر، والابتعاد عمَّا تعلمين أنه حرام، ولا تنتظري أن يصبح قلبك مرتاحًا تمامًا حتى تبدئي؛ فأحيانًا تكون أعظم العبادة أن تطيعي الله تعالى وأنتِ متعبة، ويمكنك أن تكوني هادئة ومحترمة، وأن تختلفي في بعض اختياراتك، وأن تطلبي ما تحتاجينه من غير صدام مع والديك.

وإذا كان الحديث مع والدك في بعض الأمور يثير غضبه، فاختاري الوقت المناسب، واستعيني بأمك أو بشخص حكيم يحبه ويثق به.

وفي مسألة اللباس والدين: لا تجعلي الغيرة من الفتيات الملتزمات تتحول إلى جلد لنفسك، وخذي الأمر بالتدرج والثبات والعلم، واسألي أهل العلم الموثوقين عن التفاصيل التي تحتاجينها، ولا تتخذي قرارات كبيرة وأنتِ في حالة إنهاك وانكسار، وما كان من طاعة الله تعالى فافعليه بحكمة واستطاعة، مع المحافظة على البر والحوار الهادئ.

وأمَّا حديثك مع شخصيات تتخيلينها، فلا تخيفي نفسك منه ما دام مجرد خيال تلجئين إليه للشعور بالأنس، وليس شيئًا تفقدين معه السيطرة على الواقع، لكنه أيضًا إشارة إلى أنك بحاجة فعلية إلى احتواء إنساني حقيقي، وليس من العدل أن تتركي نفسك وحيدة، فابحثي عن امرأة ناضجة مأمونة: معلمة، قريبة حكيمة، مرشدة تربوية، أو أخصائية نفسية موثوقة؛ تتحدثين معها بانتظام وتجدين عندها مساحة آمنة للتعبير.

وأهم شيء الآن: لا تعيدي السنة بعقلية العقوبة، وكأنك مطالبة بأن تثبتي لوالديك أنك تستحقين حلمهما، بل أعيديها -إن كان قرار الإعادة مناسبًا لك فعلًا- بعقلية جديدة: أتعلَّم، وأبذل وأجتهد، وأتوكل، وأقبل أن النتيجة بيد الله تعالى، قال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ» [رواه مسلم].

وتذكري أن الله تعالى لا يريد منك أن تكوني ابنة مثالية بلا ألم، ولا طالبة مثالية بلا تعب، ولا عابدة لا تمر عليها فترات ضعف، بل يريد منك أن تصدقي معه وتسيري إليه كلما تعثرتِ، فلا تختاري بين الله تعالى ووالديك؛ فبر والديك طريق من طرق طاعة الله تعالى، وطاعة الله تعالى لا تعني أن تهملي نفسك أو تحطميها.

وخذي من كل جانب حقه: دينك، والداك، دراستك، وصحتك النفسية، وأرجوك لا تحملي هذا كله في صمت، فأنتِ كتومة، لكن الكتمان الطويل قد يجعل الألم أكبر من حجمه، فابحثي عن إنسانة أمينة واحدة على الأقل، وافتحي لها باب قلبك بالتدريج.

أسأل الله تعالى أن يجبر كسرك جبرًا يليق بكرمه، وأن يشفي والدك شفاءً تامًا، وأن يلين قلب والديك لكِ، ويرزقك برهما، ويثبتك على دينه، ويكتب لك الخير في دراستك ومستقبلك، ويجعلك من أهل القرآن، ويقرّبك إليه قربًا يملأ قلبك أمنًا وسكينة. آمين.

www.islamweb.net