أصبحت الصلاة ثقيلة عليَّ بعد أن كنت ملتزمة بالعبادة وقيام الليل

2026-10-13 01:19:14 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنتُ ملتزمة في صلاتي، وكان من المستحيل أن أنام وقد فاتتني إحدى الصلوات في اليوم، ثم أتت فترة أصبحت فيها أحلامي غريبة، وبعدها حاولتُ قراءة سورة البقرة كل يوم، ولكنني لم أستطع، فكنتُ أنام أو لا أقدر على إكمالها، وكنتُ أيضًا أقوم الليل.

ولكن مؤخرًا أصبح الالتزام بالصلاة صعبًا جدًّا بالنسبة لي، رغم أنني إذا فعلتُ أي ذنب أندم فورًا وأتحسر على حالي، وأصلي ركعتي التوبة، وقد التزمتُ في الأيام الثلاثة السابقة بقراءة سورة البقرة، ولكنني بدأتُ تدريجيًّا لا أستطيع أداء كل الصلوات، وغالبًا أنام قبل المغرب أو عند وقت المغرب.

اشتقتُ إلى العبادة وإلى قربي من الله، ولا أعلم ماذا يحدث معي، فكل ما أريده أن أكون قريبة من الله عز وجل، جربتُ الاستغفار وفعل كل شيء، ولكنني أشعر بأن هناك شيئًا يمنعني.

أنا منزعجة جدًّا من نفسي، فقد أذن الفجر اليوم ونمتُ بعد الأذان مباشرة، مع أنني كنتُ أصلي الفجر وأقرأ بعده سورة البقرة، أشعر أنني مقصرة جدًّا، علمًا أنني أمر بفترة نفسية سيئة، ولكنني كنتُ دائمًا إذا مررتُ بشيء كهذا أقوم الليل، وأصلي ركعات لوجه الله حتى أشعر بالطمأنينة والراحة.

لا أعلم ماذا يحدث معي الآن، فأنا متعبة جدًّا من شعور الذنب بسبب التقصير، ومتعبة من إلقاء اللوم على نفسي، ولا أعلم ماذا أفعل، فأنا أحاول، ولكن اليوم تحديدًا لا أعلم لماذا كلما فكرتُ في الصلاة أشعر بالخوف مع عدم القدرة عليها، وأخاف أن يكون الله يعاقبني بسبب ذنب، ولا يريد قربي.

أفيدوني رجاءً، هل عليَّ أن أذهب إلى شخص يرقيني؟ أو كيف أرقي نفسي؟ ماذا أفعل؟ وجزاكم الله خيرًا.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ وئام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدركِ، ويثبت قلبكِ على طاعته، ويردكِ إليه ردًّا جميلًا، ويذهب عنكِ الخوف والحزن.

أختنا الكريمة، أول ما ينبغي أن تنتبهي إليه أن الصلوات الخمس هي الأصل الذي لا يجوز التفريط فيه، وهي أحب إلى الله من قيام الليل، ومن قراءة سورة البقرة كل يوم، ومن سائر النوافل، ففي الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» ولذلك، فالمشكلة التي ينبغي علاجها الآن ليست أنكِ لم تعودي قادرة على قيام الليل أو إتمام سورة البقرة، وإنما أن التعب بدأ يصل إلى الصلوات المفروضة، وهنا يجب أن تعيدي ترتيب عبادتكِ من جديد، ولبيان الأمر بصورة أوضح التالي:

• أولًا: لا يجوز تعمد النوم عن الصلاة حتى يخرج وقتها، قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}، وقال النبي ﷺ: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» فإذا غلبكِ النوم من غير تفريط، ولم تستيقظي إلا بعد خروج الوقت، فصلّي حين تستيقظين، ولا إثم عليكِ في النوم نفسه، أما أن يكون الإنسان مستيقظًا بعد دخول الوقت، ثم يعلم أن نومه سيؤدي غالبًا إلى فوات الصلاة، وينام دون أن يصلي، فهذا تفريط ينبغي التوبة منه.

ولهذا، إذا أذن المغرب وأنتِ شديدة النعاس، فلا تقولي: سأرتاح قليلًا ثم أصلي، بل صلي المغرب أولًا ثم نامي، وإذا استيقظتِ للفجر ودخل وقته، فلا تؤخري الصلاة من أجل قراءة سورة البقرة، بل الصلاة أولًا، ثم ما استطعتِ من القرآن.

• ثانيًا: لا تجعلي سورة البقرة كل يوم عبئًا يزاحم الفرائض، فقراءة سورة البقرة عبادة عظيمة، وقد قال النبي ﷺ: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»، لكن لم يوجب الله عليكِ قراءتها كاملة كل يوم، فإذا أصبحت محاولة قراءتها يوميًّا تستنزفكِ حتى تضعف صلاتكِ أو يزيد نومكِ وإرهاقكِ، فخففي، واقرئي منها ما تيسر، ولو صفحات قليلة، واجعلي الأولوية للصلوات الخمس في أوقاتها، وكذلك قيام الليل نافلة عظيمة، لكنه لا يقدم على الفريضة، ومن الخطأ أن تحمل النفس برنامجًا كبيرًا من النوافل، ثم تعجز عن الواجب.

• ثالثًا: الأحلام الغريبة، والنوم عند قراءة سورة البقرة، والشعور بالثقل عند الصلاة، لا تثبت أنكِ مصابة بسحر أو عين أو مس، أو أن شيئًا يمنعكِ من العبادة، فهذه الأمور قد تقع لأسباب كثيرة، ولا يصح أن ننتقل منها مباشرة إلى تشخيص غيبي.

ومع ذلك، فنحثكِ على الرقية؛ لأنها نافعة للمسلم سواء عرف سببًا معينًا أم لم يعرف، لكن لا نريد أن تتحول الرقية إلى تفسير لكل ما يحدث لكِ، فتراقبين نفسكِ: نمتُ أثناء سورة البقرة، إذًا هناك مس، تثاقلتُ عن الصلاة، إذًا هناك سحر، رأيتُ حلمًا غريبًا، إذًا هناك شيء يطاردني، فهذا يفتح بابًا من الخوف قد يزيد حالكِ صعوبة.

• رابعًا: لا تحتاجين ابتداءً إلى الذهاب إلى شخص يرقيكِ، فتستطيعين أن ترقي نفسكِ، بل رقية الإنسان لنفسه مشروعة ونافعة، فاقرئي الفاتحة، وآية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، والمعوذتين، وحافظي على أذكار الصباح والمساء والنوم، وانفثي في يديكِ بالمعوذات، وامسحي بهما جسدكِ كما كان النبي ﷺ يفعل، وقولي من الرقية النبوية: «بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكِ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكِ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكِ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكِ»، و«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» ولا تحتاج الرقية إلى طقوس معقدة، ولا إلى البحث عمن يخبركِ ما الذي أصابكِ ومن الذي فعله.

• خامسًا: أخطر فكرة في رسالتكِ هي قولكِ: «أخاف أن الله يعاقبني بسبب ذنب، ولا يريد قربي»، فهذا قنوط لا يحل، فلا تحكمي على الله بهذا الظن، نعم، الذنوب تؤثر في القلب والطاعة، وعلى العبد أن يتوب منها، قال تعالى: {كَلَّا بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، لكن لا يجوز أن تعيني لنفسكِ حكمًا غيبيًّا فتقولي: الله لا يريدني أن أقترب منه، بل الله سبحانه يقول: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}، ويقول: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا}، وقال النبي ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ» (رواه مسلم) فكيف يكون الطريق الصحيح بعد الذنب أن تقولي: الله لا يريد قربي؟ بل الطريق أن تقولي: أخطأتُ، وربّي أمرني أن أرجع، وسأرجع.

• سادسًا: انتبهي ألا يتحول الندم المحمود إلى جلد مستمر للنفس، فكونكِ إذا أذنبتِ ندمتِ واستغفرتِ وصليتِ ركعتي التوبة أمر طيب، لكن التوبة ليست أن تعاقبي نفسكِ بقية اليوم، قال النبي ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»، فإذا وقعت معصية، فأقلعي عنها، واستغفري، واعزمي على عدم العودة، ثم امضي في الطاعة، ولا تبقي تسألين نفسكِ: هل قبلني الله؟ هل ما يحدث عقوبة؟ لماذا لا أشعر كما كنتُ؟ فالشيطان قد يعجز عن منع الإنسان من التوبة، فيحاول أن يحول التوبة نفسها إلى باب يأس وقلق.

• سابعًا: ما تمرين به من ضيق وتعب يدخل في ابتلاءات هذه الحياة، والمؤمن يؤجر على ما يصيبه إذا صبر واحتسب، قال النبي ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» لكن وقوع البلاء لا يعني بذاته أن الله غاضب عليكِ، أو أنه لا يريد قربكِ، فقد ابتُلي الأنبياء والصالحون، وليس كل ضيق عقوبة، كما أن الراحة والسعة ليستا دليلًا بمجردهما على رضا الله، فلا تجعلي حالتكِ النفسية الحالية ميزانًا لعلاقتكِ بالله.

• ثامنًا: لا تحاولي الآن استعادة صورتكِ القديمة من النوافل دفعة واحدة: سورة البقرة كاملة، وقيام الليل، وأذكار طويلة، واستغفار كثير، ثم تنهارين إذا لم تستطيعي ذلك كله، فقد قال النبي ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» ابدئي بالفرائض، واجعلي هدفكِ الأول ألا تضيعي الصلاة المكتوبة في وقتها، وتوضئي قبل اشتداد النعاس، واضبطي منبهًا، واطلبي ممن معكِ أن يوقظكِ، وبعد استقرار الفرائض، أضيفي أذكار الصباح والمساء، ثم وردًا مناسبًا من القرآن، ولو قليلًا، ثم ركعتين من الليل حين تستطيعين.

• تاسعًا: لا تقيسي قربكِ من الله بعدد صفحات سورة البقرة، ولا بعدد ركعات الليل، فقد تكونين في مرحلة سابقة تصلين كثيرًا وتشعرين بحلاوة العبادة، ثم تمر عليكِ أيام تثقل فيها الطاعة، والعبودية الحقيقية أن تعبدي الله في الحالين، حين تنشط النفس وحين تثقل، واشتياقكِ إلى الصلاة وإلى أيام قربكِ من الله ليس شيئًا ينبغي أن يزيد يأسكِ، بل اجعليه دافعًا للعودة، ولا تنتظري حتى يزول الخوف والثقل ثم تصلين، بل صلي وأنتِ خائفة، وصلي وأنتِ متعبة، وصلي ولو لم تجدي اللذة القديمة، فالثبات على باب الله وقت الثقل عبادة عظيمة.

• عاشرًا: إذا استمر النوم الشديد بصورة غير معتادة، أو أصبح التعب يمنعكِ من القيام بأمور حياتكِ الأساسية، فلا تحصري السبب في الرقية والسحر والعين، بل ابحثي أيضًا عن الأسباب الظاهرة، واستعيني بمن تثقين بهم من أهل الاختصاص، فالأخذ بالأسباب لا ينافي الرقية ولا التوكل.

نسأل الله أن يحبب إليكِ الإيمان ويزينه في قلبكِ، ويعينكِ على ذكره وشكره وحسن عبادته، ويغفر تقصيركِ، ويذهب عنكِ الخوف والهم، ويحفظكِ من كل سوء، ويرد إلى قلبكِ لذة الصلاة والقرآن، ويجعلكِ كلما تعثرتِ أسرع رجوعًا إليه وأحسن ظنًّا به، والله الموفق.

www.islamweb.net