زوجتي لا تريدني أن أزور أهلي وتصاب بالانهيار إن زرتهم، فكيف أتصرف معها؟
2026-09-30 23:32:07 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا متزوج منذ سبع سنوات، وأب لولد وبنت، والحمد لله.
مشكلتي أن زوجتي تقول إنها تعرف أن ما تفعله خطأ، لكنه ليس بيدها، حتى إنها تصل إلى مرحلة الانهيار والعصبية، وتوجه إليَّ كلامًا جارحًا بمجرد أن تعرف أنني زرت أهلي، أو تواصلت مع أخواتي! كما أنها تقول إن كل ما يحدث في حياتنا سببه أهلي، مع العلم أنني أسكن في منطقة بعيدة عنهم، لكنني اعتدت زيارتهم بين الحين والآخر، وأنا أزورهم من أجل إخوتي ووالدي المتوفى.
حاليًا، تقيم زوجتي عند أهلها منذ أكثر من شهر، وهم يريدون الانفصال؛ لأنها متعبة نفسيًا جدًا، ولا تتحمل أن تكمل بقية حياتها بهذه الحال، عرضت عليها أن نذهب إلى طبيب نفسي، لكنها رفضت، وقالت: إنها ليست مريضة.
وهي تعترف بأن هذا التصرف غير صحيح؛ لأنها أيضًا لديها أهل وتزورهم، لكنها تقول: إنها لا تتحمل أن أزور أهلي بهذه الطريقة، أو أن أتأخر خارج المنزل، وتقول: إنه لا بد أن يكون لي أهل.
أنا حاليًا محتار بينها وبين الانفصال، ولا أجد حلًا، فقد عجزت، وأهلها يقولون: «لا علاقة لنا بها»، مع أنها متعبة نفسيًا، وهذا حالها منذ سنوات زواجنا.
أرشدوني، جزاكم الله خير الجزاء.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حسن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله:
إن ما تمر به زوجتك -باعترافها وتصريحها بأنه ليس بيدها- يشير بوضوح إلى أنها تعاني من عارض خارج عن إرادتها، وهذا التناقض بين إدراكها العقلي للخطأ، وانهيارها النفسي يدل على احتمالية إصابتها بعارض نفسي كالقلق الوسواسي القهري، أو عارض روحي كالعين أو الحسد.
والواجب عليك شرعًا الاستمرار في بر أهلك وصلة رحمك، فقد قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ}، وقال النبي ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (متفق عليه)، إلَّا أن هذا يتطلب منك حكمة ومراعاة لمرضها في الوقت ذاته.
بما أن زوجتك ترفض زيارة الطبيب النفسي، وتصر على أنها غير مريضة، فإن المدخل الأنسب لعلاجها هو "الرقية الشرعية"، فهي شفاء للقلوب والأبدان من الأمراض النفسية والروحية، وغالبًا ما يتقبلها من يرفض الطب النفسي، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}. فشجعها بلطف على قراءة سورة البقرة في بيتها أو الاستماع إليها، لقوله ﷺ: «اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» (رواه مسلم).
وفي هذه المرحلة الحرجة، ولتجنب استثارة عصبيتها، يجوز لك شرعًا اللجوء إلى التورية والكتمان فيما يخص زياراتك لأهلك، ولا يلزمك إخبارها بكل تفاصيل تواصلك معهم، ما دام ذلك يسبب لها انهيارًا ويهدد استقرار الأسرة. والشريعة الإسلامية جاءت بدرء المفاسد، وقال النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» رواه ابن ماجه وصححه الألباني، وإخفاؤك بعض الزيارات ليس من الكذب المحرم، بل هو حكمة مشروعة لحفظ بيتك من الانهيار حتى يمن الله عليها بالشفاء.
أما خيار الانفصال، فاحذر من التعجل فيه، خصوصًا مع وجود طفلين؛ ولأن زوجتك في قرارة نفسها تعترف بخطئها، مما يدل على طيب معدنها، وأنها مغلوبة على أمرها. والصبر عليها في هذا الابتلاء له أجر عظيم، قال تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}، وتواصل مع عقلاء أهلها لتهدئة الموقف، وامنحها فرصة للراحة بعيدًا عن الضغوط.
ولأنك في كرب وحيرة وضيق، وعجزت عن إيجاد الحل، أوصيك بما يلي:
▪ أولًا: لزوم الاستغفار والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».
▪ ثانيًا: الإكثار من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وسؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، ومنها أن يرفع عنك البلاء، مع تحين أوقات الإجابة، كما بين الأذان والإقامة، للحديث: «الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ». وأثناء السجود، للحديث: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»، ومعنى قمن: أي حري أن يستجاب لكم، وفي الثلث الأخير من الليل، لحديث: «يَنْزِلُ رَبُّنَا فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُنَادِي: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ...».
▪ ثالثًا: الإكثار من دعاء ذي النون: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله ﷺ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ».
▪ رابعًا: عليك بدعاء الكرب، وهو: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»، فما دعا به أحد إلَّا نفّس الله كربه وفرج همه.
أخيرًا: اجتهد -أخي الكريم- في التعامل مع زوجتك بالرفق والحكمة، ولا تجعل ما تمر به سببًا في كثرة الخصام بينكما، بل اختر الأوقات المناسبة للحوار معها، وأشعرها بمحبتك واهتمامك، مع الاستمرار في القيام بحقوق أهلك وصلتهم، دون أن تجعل الخلاف حولهم يؤثر في استقرار بيتك وطفليك.
نسأل الله تعالى أن يصلح زوجتك، ويشرح صدرها، ويذهب عنها ما تجد، وأن يؤلف بين قلبيكما، ويحفظ بيتكما وطفليك من كل سوء، ويرزقك الصبر والحكمة وحسن التصرف، ويجعل لك من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا.
وبالله التوفيق والسداد.