أغلق علي منزلي بسبب وساوس أن الناس تتكلم عني!

2026-09-29 05:13:18 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا منذ صغري كنتُ منطوية، وأعتزل الناس، حتى إن جيراننا لم أكن أعرفهم، مع أنني عشتُ معهم أكثر من عشرين سنة، وكان شغلي الشاغل دراستي، وكنتُ أتفادى التجمعات.

ومنذ أكثر من ثلاث سنوات بدأت تظهر لدي علامات الوسواس القهري؛ حيث أصبحتُ أرى أن جميع الناس يتكلمون عني، ويشيرون إليّ بأصابعهم، ودخلتُ في نوبة بكاء شديدة، وكأن شخصًا في عقلي يحاورني ويأمرني وينهاني.

عرضتُ نفسي على الطبيبة، فقالت: إن لدي وسواسًا قهريًا، وأعطتني دواء "سوليان"، وبعدها بدأتُ آخذ "سوليان" و"بريزدال"، وما زلتُ إلى الآن آخذهما.

لكنني أشك في كل شيء، وأبدأ في تحليل جميع المسائل والحوارات التي خضتُها، على أن الكلام يكون موجهًا إليّ ويقصدني، وهذه الأفكار لا تفارقني، وأنا الآن لا أكلم أحدًا، وأغلق عليّ منزلي، ولا أتحدث إلَّا مع زوجي فقط، وأخاف جدًّا من الاختلاط بالناس ومحادثتهم، وأقول إنهم سيضحكون عليّ، ولم أعد أثق بأحد.

لقد فقدتُ الشغف في الحياة، ولا أحب أن يأتي اليوم التالي؛ لأنني أعرف أنني لن أكون مطمئنة.

كما تأتيني وساوس بأن الله لن يغفر لي ذنوبي؛ لأنني مقصرة في العبادة؛ ولأنني متهاونة في صلاة الفجر، فأصليها بكسل شديد بسبب الدواء الذي يؤثر فيّ ويسبب لي كثرة النوم.

• فما الحل في مسألتي؟


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ خديجة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بكِ -أختنا الفاضلة- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا بهذا السؤال.

إن ما وصفتِه في سؤالكِ -أختي الفاضلة- إنما يشير إلى حالةٍ ذهانيةٍ أكثر منها حالةً وسواسيةً، وخاصةً ما ذكرتِه من أنكِ أصبحتِ ترين أن الناس يتكلمون عنكِ، وأنهم يشيرون إليكِ بأصابعهم، وأيضًا ما وصفتِه من أنه وكأن هناك شخصًا يحاوركِ، ويأمركِ، وينهاكِ.

أختي الفاضلة، هذا ليس وسواسًا قهريًّا، وإنما هي أفكارٌ ذهانيةٌ غير منطقيةٍ وغير معقولةٍ، إلَّا أن الإنسان يشعر بأنها تحصل حقيقةً، ودواء الـ «سوليان - Solian» أو «أميسولبرايد - Amisulpride» عبارةٌ عن دواءٍ جيدٍ لهذه الحالة، ولكن كنتُ أتمنى لو ذكرتِ لنا الجرعة.

فعلاج الحالات الذهانية يحتاج إلى الدواء المناسب، وهذا موجودٌ، ولكن نحتاج إلى التأكد من الجرعة ومن المدة، فالتحسن يبدأ بعد شهرٍ أو شهرين من بداية تناول هذا الدواء، وأقول: يبدأ ولا ينتهي هذا التحسُّن؛ لذلك لا بد من الاستمرار على هذا الدواء.

وأنصحكِ بالمراجعة الدورية لهذه الطبيبة التي وصفت لكِ هذا الدواء؛ لتقوم بفحص الحالة النفسية، وتتأكد من هذه الأعراض ودرجة تحسنها أو تراجعها، ثم تقوم الطبيبة بعد ذلك بالإجراء المناسب، سواء بزيادة الجرعة، أو تخفيفها، أو حتى استبدال الدواء بدواءٍ آخر.

أختي الفاضلة، لا شك أن تحسُّن حالتكِ النفسية سينعكس إيجابيًّا على كل جوانب حياتكِ الزوجية، والأسرية، والاجتماعية، والإيمانية.

أمَّا ما ورد في آخر سؤالكِ من أنكِ تعتقدين أن الله لن يغفر ذنوبكِ؛ لأنكِ مقصرةٌ في العبادة، فمن منا -أختي الفاضلة- غير مُقصِّرٍ في عبادته؟

ندعو الله تعالى لنا جميعًا بالمغفرة والثبات، ونسأله تعالى لكِ تمام الصحة والعافية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
--------------------------------
انتهت إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
--------------------------------
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يُعجِّل لكِ بالعافية والشفاء، وأن يصرف عنكِ هذه الوساوس.

بدايةً نقول -ابنتنا العزيزة-: قد أحسنتِ حين أخذتِ بالأسباب وعرضتِ نفسكِ على الطبيبة النفسية، ونأمل -إن شاء الله- أن تعاودي الكرّة، وتتابعي حالتكِ بانتظام، وتصفي للطبيبة كل ما ذكرتِه في هذا السؤال من الأعراض التي تعانين منها؛ فإن الله تعالى (ما أنزل داءً إلَّا وأنزل له الدواء)، كما نطق بذلك رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً».

وما يصيب الإنسان من المكروهات، من أمراضٍ ونحوها، هي أقدارٌ؛ الله تعالى حين قدّرها، قدّرها بلطفٍ ورحمةٍ وحكمةٍ، فلا يصيب الإنسان شيءٌ من المكروهات إلَّا وجعله الله تعالى تكفيرًا لسيئاته، ورفعةً لدرجاته، كما يجعله سببًا للجوء هذا الإنسان إلى ربه، والإكثار من ذكره ودعائه.

فتبدو لنا بعض الأقدار أنها مؤلمةٌ مكروهةٌ، ولكنَّ الله تعالى يرسل من خلالها ألطافه ونِعَمه ورحمته بعبده، فاجعلي من هذا الحال الذي أنتِ فيه سببًا للإكثار من ذكر الله، والرجوع إليه، والإكثار من دعائه.

ومن الناحية الشرعية: كوني مطمئنةً إلى أن هذه الوساوس لا تُؤثِّر على دينكِ وإيمانكِ، وأن الله تعالى لا يحاسبكِ عليها؛ فهي ليست باختياركِ ولا بكسبكِ، وقد قال الرسول ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ».

وقد جاء بعض الصحابة يشكو إلى النبي ﷺ وساوس منكرةً يجدها في قلبه، ويخاف من النطق بها، فقال له النبي ﷺ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»، فالوساوس لا تُؤثِّر على دينكِ، وإنما المطلوب منكِ أن تُدافعي هذه الوساوس بالأسباب المادية والأسباب الشرعية الروحية، فلا تلتفتي إلى هذا الوسواس الذي يُوحي إليكِ بأن الله تعالى لا يغفر لكِ لأنكِ مُقصِّرةٌ.

أحسني ظنكِ بالله، فالله تعالى غفورٌ رحيمٌ، وقد قال جل شأنه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، كلما دهمتكِ هذه الفكرة الوسواسية، قولي (الله غفورٌ رحيمٌ)، واستعيذي بالله تعالى من الشيطان الرجيم حينما تداهمكِ هذه الأفكار، وأعرضي عنها تمام الإعراض، واشتغلي بغيرها، وتحصَّني بذكر الله تعالى؛ فهذه هي الخطوات التي ينبغي أن تتبعيها.

أمَّا كسلكِ عن صلاة الفجر بسبب الدواء، فلا يؤاخذكِ الله تعالى بذلك؛ فإن الله يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، والرسول ﷺ يقول: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، وهناك بشرى نبوية عظيمة؛ فقد قال الرسول ﷺ: «إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا».

فالله تعالى يعلم ما في نيتكِ وما في قلبكِ من الحرص على الطاعة والخير، فيجازيكِ بذلك، فلا تدعي الوسواس يتسلط عليكِ، ويُوهمكِ بأنكِ وقعتِ في غضب الله، أو فرّطتِ في عبادتكِ، أو غير ذلك.

جاهدي نفسكِ على القيام بعباداتكِ كما أمركِ الله تعالى بذلك، وأحسني ظنكِ بالله؛ فهو -سبحانه وتعالى- غنيٌّ عن عباداتنا وطاعاتنا، ولكنه يبتلينا ويختبر امتثالنا لأوامره.

إذا غلبكِ النوم عن صلاة الفجر، فلا إثم عليكِ في ذلك؛ فقد قال الرسول ﷺ: «إِنَّهُ لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ»، وقال: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً، أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا».

نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يمنّ عليكِ بالعافية والشفاء.

www.islamweb.net