كيف أثبت على التوبة ولا أستسلم بعد الانتكاس؟
2026-09-24 02:26:11 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب عمري 21 عامًا، أمرّ بمرحلة أشعر فيها بصراع شديد مع نفسي، فقد ابتُليتُ بالوقوع في ذنوب الخلوات، ولا سيما مشاهدة المحرَّمات وممارسة العادة السرية، كما ابتُليتُ بميول وأفكار مثلية، وأحاول جاهدًا الابتعاد عنها، والالتزام بالصلاة وقراءة القرآن، لكنني بعد فترة من الاستقامة أعود إلى المعاصي من جديد، وأحيانًا أعود إليها بصورة أقوى، ثم أندم وأرغب في التوبة والرجوع إلى الله، لكنني أشعر بثقل وصعوبة في البدء من جديد، وأخشى أن أصل إلى اليأس أو الاستسلام.
وفي الوقت نفسه، لم يتبقَّ أمامي سوى شهرين تقريبًا لاجتياز مباراة مهمة للولوج إلى مركز تكوين الأساتذة، وأتمنى أن أصبح معلّمًا بإذن الله، لكنني أعاني من التسويف وضعف الرغبة في الدراسة، رغم علمي بأن الوقت قصير، وأن المباراة تحتاج إلى مراجعة علوم التربية، ومواد التخصص، وفن تعليم مواد التعليم الابتدائي، وهي كثيرة ومتنوعة.
مشكلتي أنني أريد إصلاح كل شيء دفعة واحدة، فأريد أن أقوّي إيماني، وأترك المعاصي، وأطلب العلم، وأحفظ القرآن، وأراجع للمباراة، لكنني أشعر بأنني عاجز عن الجمع بينها، فأبدأ بحماس، ثم أتراجع.
لذلك أرجو منكم نصحي:
▪ كيف أبدأ من جديد بطريقة صحيحة ومتدرجة؟
▪ كيف أثبت على التوبة، ولا أستسلم عند الانتكاس؟
▪ كيف أتعامل مع ذنوب الخلوات، وهذه الأفكار والميول؟
▪ كيف أنظم الشهرين القادمين بين العبادة والمراجعة، دون أن أحمّل نفسي فوق طاقتها؟
▪ هل من الأفضل في هذه المرحلة أن أجعل النجاح في المباراة هدفي الدنيوي الأساسي، مع المحافظة على الفرائض، والقدر المستطاع من قراءة القرآن والطاعات، وأن أؤجّل التوسع في طلب العلم وحفظ القرآن إلى ما بعد المباراة؟
أريد نصيحة عملية تساعدني على الخروج من هذه الدائرة، وتقوية علاقتي بالله، واستثمار الوقت المتبقي فيما ينفعني، دون أن أقع في المثالية، ثم أعجز عن الاستمرار.
جزاكم الله خيرًا، ونفع الله بكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أمين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أولًا وقبل كل شيء، هنيئًا لك هذه النفس اللوّامة، وهذا الشعور بعدم الراحة بسبب تكرار الوقوع في المعصية، ولعلي ألخّص لك ما أود قوله في النقاط التالية:
1. خلق الله الموت والحياة ليبلوَنا، فيرى أيُّنا أحسن عملًا، فالابتلاء قدر الله على عباده، وليس لهم إلا مدافعته بما يحب الله، ومن صور الابتلاء وقوع الشخص في المعصية، ومدافعتها تكون بالتوبة، وأنت على خير ما دمت في حالة من عدم الرضا والاطمئنان، وتدافع هذه المعصية باستمرار، فإن حالة التعثّر ثم القيام بعدها ممَّا يحبه الله عز وجل؛ لأنها من مقامات العبودية له، وفيها من الانكسار والخضوع ما تُرجى به رحمته سبحانه وتعالى.
وقد جاء في الحديث القدسي أن عبدًا أذنب فقال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي»، فقال الله تعالى: «عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ»، ثم عاد فأذنب، ثم تاب، فقال الله مثل ذلك، حتى قال سبحانه: «فَلْيَعْمَلْ عَبْدِي مَا شَاءَ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَهُ»، أي ما دام كلما أذنب تاب ورجع، ولم يُصرّ على المعصية.
2. لكل معصية معزّزات تسهّل الوقوع فيها، وكلما خففت من هذه المعزّزات، كنت أقرب إلى السلامة والتخلّص منها، فمن معزّزات ذنوب الخلوات: ضعف الذكر، وكثرة الفراغ، وسرعة الصلاة وعدم الاعتناء بها، والنوم منفردًا، وغيرها من الأمور التي تساعد الشيطان على إغوائك، فإن أردت الخلاص من أصل المعصية، فحاصرها بالتخلّص من كل ما يدعو إليها ويسهّل أمرها.
3. حافظ على حسن نظرتك إلى نفسك، فإن احتقار الإنسان لنفسه من دواعي عدم حفظه لها من مواطن السوء، وكلما عظمت نفس الإنسان في عينه، شقّ عليه أن تكون في موطن المهانة، وسعى بها في مدارج النبل.
4. بدا لي أنك صاحب شخصية مثالية، تفترض في نفسك الكمال، وتسعى عند تصحيح أخطائك إلى تصحيحها جميعًا دفعة واحدة، فتقع في الإخفاق والعجز، ثم تعود شخصيتك المثالية إلى المزيد من التأنيب والتقريع لنفسك، وتبقى في سلسلة لا تنتهي من الخطأ واحتقار الذات، ويكون لذلك أثره النفسي السلبي عليك.
5. احرص على التخلّص من هذه المثالية، وخذ الأمور خطوةً خطوة، فالتدرّج إحدى سنن الله في كل شيء، وسيكون من المفيد لك أن تضع قائمة مجدولة بما تريد تحقيقه، وأن تقسّمها على مدة زمنية مناسبة وكافية، ولنفترض أنها سنة أو سنتان، وأن تلتزم بعدم تحميل نفسك مهمة في غير الوقت المخصّص لها، وكن حازمًا في ذلك، وستجد أثره -بعون الله تعالى- في نفسك.
6. سألت عن حالة الشتات التي تشعر بها، وذكرت جملة من الأمور الدنيوية والدينية المتزاحمة التي تنوي القيام بها، وأنصحك بأن توسّع دائرة قراءتك في هذا المجال، فالتركيز مهارة، إن أتقنتها اختصرت عليك الكثير من الوقت والجهد في حياتك، ولعلك تطّلع على كتاب «حتى لا تكون كلًّا»، ففيه إشارات نافعة، وقد كُتب بلغة بسيطة ومباشرة.
7. أما ما يتعلق بدخولك مباراة تكوين الأساتذة، ومعاناتك من التسويف والتأجيل، فهذا جزء من مشكلة الشتات الذي تعيشه، ومن تضخيم الآمال النظرية مع ضعف الواقع العملي، ونصيحتي لك أن تغيّر عاداتك السلبية، وأن تعيد النظر فيها، فإن الإنسان أسير عاداته، فقد تكون لديك عادات سيئة في التعامل مع الهاتف، أو النوم، أو العلاقات المفتوحة، أو عدم التركيز أثناء العمل، أو غير ذلك، فحاول أن تغيّرها بالتدريج، وسينعكس ذلك -بعون الله تعالى- على إنجازك واستعدادك لأمور أخرى كثيرة.
8. لا أعرف مدى استعانتك بالله، وإلحاحك عليه بالدعاء في كبير أمرك وصغيره، فإن هذا باب عظيم من أبواب العون، وإن لم تطرقه في حالة حاجتك وضعفك، فمتى تطرقه؟ ارجع إلى الأذكار النبوية، وخذ منها ما يتناسب مع حاجتك، وألحّ على الله فيها، فإن فرج الله قريب ممن طلبه ورجاه.
أسأل الله أن يلمّ شتات أمرك، وأن يجعل لك من كل همٍّ فرجًا.