زميلي في الجامعة يتقرب مني ..فكيف أبقي العلاقة في إطار الزمالة فقط؟
2026-09-24 02:04:43 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاةٌ مسلمة، محجبة، وأدرس في الجامعة في دولةٍ غربية، والحمد لله، أحاول جاهدةً الحفاظ على ديني وحجابي وحدودي الشرعية، لدرجة أنني لا أصافح الرجال باليد، وهدفي الأساسي من الجامعة هو التركيز على دراستي ومستقبلي، خاصةً أن المواد صعبةٌ جدًّا وتتطلب تركيزًا كاملًا.
مؤخرًا، لاحظت أن هناك زميلًا لي في الجامعة، وهو شابٌّ في أوائل الثلاثينيات من عمره، يصافح الجميع ويتحدث معهم، وكلامه لطيفٌ معي، في البداية بدا كل ذلكَ عاديًّا، لكنني أشعر أنه يحاول التقرب مني؛ حيث يتعمد الجلوس على مسافةٍ قريبةٍ أثناء المحاضرات، ويطيل النظر إليَّ وإلى كتبي، وبسبب صعوبة المواد والدراسة، طلبتُ مساعدته، فأبدى حماسًا شديدًا، وكان كلامه لطيفًا.
بالأمس، تكررت منه بعض التصرفات الغريبة التي سببت لي ارتباكًا وتوترًا شديدًا؛ مثل محاولة لفت انتباهي بإشاراتٍ وتلميحاتٍ أربكتني على وسائل التواصل الاجتماعي، علمًا بأنني لا أستطيع حذفه؛ لأسبابٍ جامعية، فهو معي في فريق العمل.
مرة طلبتُ منه مساعدتي في شرح إحدى المواد، فباغتني باتصالٍ هاتفيٍّ مفاجئ، رغم قولي إنني أريد منه مساعدةً كتابيةً فقط، فاتصل بي قائلًا: إنه يفضل شرح المسائل الدراسية بدلًا من كتابتها.
أما أنا، فقد حسمتُ أمري تمامًا؛ فهذا الشاب يرتدي ملابس غريبةً أقرب إلى ملابس الفنانين والممثلين الطائشين، مع إكسسوارات وخواتم وسلاسل وحلق، كما أن نمط حياته منفتحٌ جدًّا وحر؛ فهو يسهر، ويشرب الكحول -على ما أعتقد-، وهذا أمرٌ يتناقض تمامًا مع ديني ومبادئي وأخلاقي، فنحن من عالمين مختلفين تمامًا، ومن المستحيل أن يكون بيننا أي ارتباط، كما أنني لا أؤمن أصلًا بوجود صداقةٍ بين الفتاة والشاب.
أنا غاضبةٌ من نفسي قليلًا؛ لأن قربه المفاجئ وتصرفاته اللطيفة أحيانًا أحدثا عندي نوعًا من التوتر والاضطراب الداخلي الذي لا أريده، وأخشى أن يشتتني عن دراستي، أو يخدش حجابي الملتزم.
وسؤالي لفضيلتكم:
• كيف يجب عليَّ أن أتعامل مع هذا الشاب ابتداءً من الغد في ممرات الجامعة وقاعات الدراسة، لأقطع أي أملٍ له في التقرب مني دون إحداث مشكلات؟
• أريد إبقاء العلاقة في إطار الزمالة فقط؛ لأنه يساعدني حقًّا، ويشرح لي بكل صدقٍ وصبرٍ واحترام، فكيف أحقق ذلكَ؟
• كيف أحمي قلبي وعقلي من التفكير في هذه المواقف، وأتجاوز هذا الاضطراب، وأركز على دراستي؟
وجزاكم الله خيرًا، ونفع بكم وبموقعكم الكريم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ديمة، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
حيّاكِ الله، وشرح صدركِ، وثبّتكِ على دينكِ، ووفّقكِ في دراستكِ ومستقبلكِ.
فمن جميل ما ظهر في رسالتكِ أنكِ حريصةٌ على دينكِ وحجابكِ وحدودكِ الشرعية، وفي الوقت نفسه تسعين إلى النجاح الجامعي، وتحرصين على ألا تظلمي زميلكِ أو تسيئي التعامل معه ما دام يعينكِ في دراستكِ، وهذا يدل على وعيٍ وأمانةٍ وحسن تربيةٍ، فأسأل الله أن يحفظكِ ويزيدكِ ثباتًا وبصيرةً.
أختي الفاضلة، أود أولًا أن أطمئنكِ إلى أن شعوركِ بالارتباك أو التوتر بسبب بعض المواقف لا يعني أنكِ أخطأتِ أو فقدتِ ثباتكِ الديني؛ فالإنسان قد يتأثر بكلمةٍ لطيفةٍ، أو اهتمامٍ مفاجئٍ، أو موقفٍ غير معتادٍ، دون أن يكون قد اختار ذلكَ أو أراده، والمهم هو كيفية التعامل مع هذه المشاعر، وألَّا تتحول إلى استرسالٍ في التفكير أو تعلقٍ عاطفيٍّ.
وفي الوقت نفسه، لا يمكننا الجزم بأن زميلكِ يريد الارتباط بكِ أو التقرب العاطفي منكِ؛ فقد تكون بعض تصرفاته من طبيعته الاجتماعية، وقد تكون بالفعل محاولاتٍ للتقرب.
لذلكَ لا أنصحكِ بالانشغال كثيرًا بتحليل نواياه، وإنما بوضع حدودٍ واضحةٍ ومحترمةٍ تحفظ دينكِ وراحتكِ، سواءً كانت نواياه عاديةً أم غير ذلكَ.
• أولًا: انتبهي إلى خطورة اتباع خطوات الشيطان:
أختي الكريمة، إن حرصكِ على حماية قلبكِ من التعلق أمرٌ محمودٌ، ولكن من المهم أن تدركي أن الانحراف عن الحدود الشرعية غالبًا لا يبدأ بعلاقةٍ كبيرةٍ أو قرارٍ واضحٍ، وإنما قد يبدأ بخطواتٍ صغيرةٍ تبدو في بدايتها عاديةً.
فقد يبدأ بحديثٍ متكررٍ، ومزاحٍ لطيفٍ، واهتمامٍ خاصٍّ، ثم رسائلَ شخصيةٍ، ثم تعلقٍ وانتظارٍ، وربما تجاوزاتٍ لم يكن الإنسان يتوقعها؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}، وقال سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} فتأملي قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا}؛ فالنهي لا يقتصر على الوقوع في الحرام نفسه، بل يشمل اجتناب الطرق والوسائل التي قد تقود إليه.
وليس معنى ذلكَ أن كل تعاملٍ بين الرجل والمرأة محرمٌ، وإنما أن المسلم مطالبٌ بالحذر من التوسع في العلاقات التي تتجاوز الحاجة المشروعة، أو تفتح باب التعلق والفتنة، وقد قال النبي ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»؛ متفقٌ عليه، من حديث أسامة بن زيدٍ -رضي الله عنهما- وهذا توجيهٌ إلى الحذر من الفتنة، لا إلى سوء الظن بكل امرأةٍ أو رجلٍ، ولا إلى اتهام الناس بغير دليلٍ.
• ثانيًا: ما حدود العلاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الزوجية؟
أختي الفاضلة، إن وجودكِ في جامعةٍ مختلطةٍ، أو عملكِ مع زملاءَ من الرجال، لا يعني أنكِ مطالبةٌ بالعزلة عن التعليم أو تعطيل مصالحكِ، ولكن العلاقة بين الرجل والمرأة خارج إطار الزوجية ينبغي أن تبقى منضبطةً بالحاجة المشروعة، والاحترام، والحياء، والوضوح، والبعد عن الخصوصية العاطفية، ومن أهم الضوابط العملية:
⯇ أن يكون الحديث بقدر الحاجة، وفي موضوع الدراسة أو العمل، دون التوسع في التفاصيل الشخصية التي لا تخدم الهدف.
⯇ أن يكون الكلام جادًّا ومهذبًا، بعيدًا عن المزاح المتكرر، أو التلميحات، أو العبارات التي تحمل معنى عاطفيًّا.
⯇ ألا تتحول المساعدة الدراسية أو المهنية إلى وسيلةٍ للتواصل المستمر أو الاهتمام المتبادل خارج نطاق الحاجة.
⯇ تجنب الخلوة، والحرص على أن يكون التعاون في الأماكن العامة أو ضمن مجموعاتٍ كلما أمكن.
⯇ عدم تبادل الصور الشخصية أو الرسائل الخاصة التي لا علاقة لها بالدراسة أو العمل.
⯇ غض البصر، وعدم تعمد إطالة النظر أو البحث عن فرص اللقاء والجلوس المتكرر.
⯇ احترام الحدود التي يضعها أحد الطرفين، وعدم الضغط عليه لتغييرها؛ قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ}.
وقال سبحانه مخاطبًا أمهات المؤمنين -وهو توجيهٌ يتضمن أدبًا عامًا في الخطاب-: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا}.
وقال ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فقال رجلٌ من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»؛ متفقٌ عليه، من حديث عقبة بن عامرٍ -رضي الله عنه- والمقصود أن الشريعة تحث على سد أبواب الفتنة، مع بقاء التعاملات المشروعة التي يحتاج إليها الناس في حياتهم.
• ثالثًا: كيف تتعاملين مع زميلكِ من الغد؟
بما أنكِ حسمتِ موقفكِ من أي ارتباطٍ عاطفيٍّ، فلا داعي إلى انتظار تصرفٍ واضحٍ منه حتى تبدئي بتنظيم العلاقة، فاجعلي التعامل من الآن زمالةً دراسيةً لا علاقةً شخصيةً:
• إذا احتجتِ إلى مساعدته، فأرسلي سؤالًا محددًا في مجموعة الفريق أو عبر رسالةٍ مكتوبةٍ، واطلبي منه شرح المسألة كتابةً.
• إذا اتصل بكِ دون اتفاقٍ مسبقٍ، فيمكنكِ عدم الرد، ثم إرسال رسالةٍ مثل: «أعتذر، أفضل أن يكون التواصل كتابيًّا وفي حدود الدراسة؛ فهذا يساعدني على التركيز».
• إذا أطال الحديث في موضوعاتٍ شخصيةٍ، فقولي بلطفٍ: «أشكرك، لكنني أفضل أن يقتصر تواصلنا على أمور الجامعة».
• إذا حاول الجلوس قريبًا منكِ بصورةٍ تزعجكِ، فاختاري مكانًا آخر بهدوءٍ، دون حاجةٍ إلى مواجهةٍ أو إظهار غضبٍ.
• اجعلي التعاون في مكانٍ عامٍّ أو ضمن مجموعةٍ من الزملاء، واستعيني بزميلاتكِ في المذاكرة حتى لا يصبح اعتمادكِ على شخصٍ واحدٍ.
• إذا أرسل تلميحاتٍ أو رسائلَ شخصيةً، فلا تدخلي في نقاشٍ طويلٍ معها، بل تجاهليها أو ضعي حدًّا واضحًا ومحترمًا.
• إذا استمر في تجاوز حدودكِ أو سبب لكِ ضيقًا أو ملاحقةً، فاستعيني بالمشرفة الأكاديمية أو الجهة المختصة في الجامعة.
وتذكري أن شكره على مساعدته لا يعني فتح باب علاقةٍ شخصيةٍ معه، والاستفادة من علمه لا تعني منحه حقًّا في التواصل الخاص أو الاهتمام العاطفي.
• رابعًا: لا تستهيني بالمشاعر العابرة، ولا تجعليها سببًا لجلد نفسكِ:
قد يكون ما شعرتِ به ناتجًا عن اهتمامٍ مفاجئٍ، أو ضغط الدراسة، أو اختلاف البيئة الاجتماعية من حولكِ، وربما يكون مجرد ارتباكٍ طبيعيٍّ أمام سلوكٍ غير معتادٍ، فلا تلومي نفسكِ على مجرد الشعور، ولكن لا تغذّيه بالمتابعة والتفكير والانتظار؛ فقد تبدأ خطوات الشيطان من استرسالٍ بسيطٍ: لماذا نظر إليَّ؟ لماذا اتصل؟ هل يقصد شيئًا؟ هل ينتظر ردي؟ ثم يصبح هذا الشخص حاضرًا في الذهن أكثر مما ينبغي، ولهذا جربي الآتي:
• لا تراجعي حساباته، ولا تبحثي عن تفسيرٍ لكل منشورٍ أو إشارةٍ.
• لا تجعلي مساعدته الدراسية سببًا للتواصل اليومي أو غير الضروري.
• عندما يطرأ الموقف على ذهنكِ، قولي: «لقد عرفت حدودي، ولا أحتاج إلى تحليل هذا الأمر»، ثم عودي إلى دراستكِ.
• نظمي وقتكِ الدراسي، واجعلي لكل جلسةٍ هدفًا محددًا؛ حتى لا يترك الفراغ مساحةً للتفكير المتكرر.
• أكثري من الذكر والصلاة والدعاء، واستحضري أن حفظ القلب من أعظم ما يعين على الثبات؛ قال الله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، وقال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ»؛ رواه مسلمٌ عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
• خامسًا: لا تجعلي الورع يتحول إلى خوفٍ يعطلكِ عن حياتكِ:
أختي العزيزة، إن المحافظة على الدين لا تعني أن تعيشي في قلقٍ دائمٍ من كل تعاملٍ مع الرجال، كما لا تعني أن تتهمي نفسكِ بالضعف كلما شعرتِ بارتباكٍ عابر؛ إنما المطلوب أن تكوني واعيةً وواضحةً ومتزنةً، وأن تعرفي متى يكون التعامل لحاجةٍ مشروعةٍ، ومتى يتحول إلى علاقةٍ خاصةٍ ينبغي إيقافها. فاجعلي شعاركِ في الجامعة: أتعامل بأدبٍ، وأتعاون بقدر الحاجة، وأحفظ قلبي وحدودي، ولا أفتح بابًا لا أريده.
وإذا وجدتِ أن وجود هذا الزميل أو التواصل معه يسبب لكِ تشتتًا مستمرًّا، فليس من الضروري أن تستمري في طلب مساعدته، بل ابحثي عن بدائل تعليمية أخرى، كالمحاضرين، والمصادر الجامعية، والزميلات، والمجموعات الدراسية.
نسأل الله تعالى أن يحفظكِ من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يثبتكِ على دينه، ويطهر قلبكِ، ويشرح صدركِ، ويعينكِ على دراستكِ، ونسأله سبحانه أن يبارك لكِ في علمكِ ومستقبلكِ، ويرزقكِ الحكمة والحزم وحسن الخلق، ويصرف عنكِ كل ما يشتت قلبكِ أو يضر دينكِ ودنياكِ.