أثر علي موقف وجعلني منعزلاً بعد أن كنت اجتماعياً ولدي صداقات كثيرة!

2026-09-24 01:10:42 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شكرًا لما تقدمونه من خدمة مفيدة للأمة.

أبلغ من العمر 18 عامًا، وكنتُ في المرحلة المتوسطة شخصًا اجتماعيًّا، وكانت لديَّ صداقات كثيرة، وكنتُ أتحدث وأضحك مع الجميع، لكن في إحدى المرات دعاني بعض الأشخاص، وبينما كنتُ مارًّا بجوارهم وهم يلعبون كرة القدم، نادوني، فلعبتُ معهم.

وفي نهاية اللعب حدثت مشكلة، فقلتُ لهم إنني جئتُ خصيصًا لألعب معكم، وأستطيع أن ألعب مع فلان، لكنني أريدكم أنتم، وقد أتيتُ من أجلكم، فبدأ أحدهم ينظر إلى الآخر نظرات تعني: «أنت لم تأتِ من تلقاء نفسك، نحن دعوناك فقط»، ومنذ تلك اللحظة تكوّنت لديَّ نظرة سلبية، مفادها أنني أصبحتُ غير مرغوب بينهم.

بعد ذلك، وفي فترة الانتقال بين نهاية المرحلة المتوسطة وبداية المرحلة الثانوية، دخلتُ في حالة انعزال شديدة جدًّا، فلم أكن أختلط بأحد، ولا أذهب مع أحد، ولا أخرج إلى أي مكان، بل كنتُ حبيس البيت بين أربعة جدران في غرفتي.

وعندما دخلتُ المرحلة الثانوية، واجهتُ صعوبة بالغة في تكوين العلاقات والصداقات؛ لأنني كنتُ أوهم نفسي بأن الناس جميعًا ليسوا صالحين، ولا جيدين، وأنه لا يمكنني إيجاد شخص وفيٍّ، وما شابه ذلك.

وأعتقد أنني كنتُ أوهم نفسي بهذه الطريقة؛ لأنني في الحقيقة لم أكن أعرف كيف أفتح موضوعًا أو أتواصل بشكل صحيح مع الناس؛ ولهذا السبب، مررتُ بفترة اتسمت بتدين شديد ومبالغ فيه، كنتُ أصنّف فيه الناس وأحكم عليهم بمجرد أن يصدر عن الشخص تصرف غير سوي أحيانًا، أو كلمة عابرة، فكنتُ آخذ انطباعًا مباشرًا بأنه شخص سيئ، بناءً على شكله فقط، أو لمجرد النظر إليه، أو بناءً على الإحساس الذي كان ينتابني في تلك اللحظة.

تعرّفتُ على شخص في السنة الأولى من المرحلة الثانوية، وكان هو الآخر يعاني من مشكلات في تكوين العلاقات، مما زاد الأمر صعوبة وتعقيدًا؛ لأن كلينا لم يكن يمتلك مهارات التواصل.

وكنا نعجز عن التحدث مع بعضنا بعضًا، رغم محبتنا المتبادلة، فلم نكن نعرف كيف نفتح المواضيع أو نتجاذب أطراف الحديث، وكنا نلجأ مضطرين إلى هواتفنا لننشغل بها، فينصرف كلٌّ منا إلى عالمه الخاص.

وفي منطقتي ملاعب كرة قدم كثيرة، ويرتادها الشباب في عمري للعب وتكوين الصداقات والعلاقات، بينما أنا لا أجيد لعب كرة القدم أساسًا.

وعلى صعيد التواصل الشخصي، كنتُ أسير في المدرسة وحيدًا؛ لعدم قدرتي على التحدث مع أحد، وعدم تمكني من فتح موضوع.

فكيف يمكن حل مشكلتي؟ شكرًا لكم على ما تقدمونه من خدمة.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ منتظر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

الابن الكريم، بدايةً: نشكر لك ثقتك وحرصك على طلب الاستشارة، ورغبتك الصادقة في فهم ما تعانيه والبحث عن سبيلٍ لتغييره، وهذه بداية طيبة ومبشرة بإذن الله، ونحن نشعر بما سببته لك ذكريات الطفولة وموقفك القديم من صعوبةٍ في الانخراط مع الآخرين والتكيف معهم.

واعلم ابننا العزيز: أن المرحلة العمرية التي تمر بها – وأنت في الثامنة عشرة – مرحلة انتقالية تتقلب فيها المشاعر والأفكار، وقد يفتقر الإنسان فيها إلى الخبرة التي تساعده على تفسير المواقف بصورةٍ موضوعيةٍ؛ وربما كان لطريقة التنشئة داخل الأسرة أثر غير مقصودٍ في ذلك، ولذلك نوصيك بالتقرب من والديك وأفراد أسرتك، والبدء معهم بأحاديث بسيطةٍ في شؤون الحياة اليومية.

ومن الجميل أنك كنت في طفولتك اجتماعيًا، ولك أصدقاء وتتحدث وتضحك مع الآخرين؛ وما حدث أثناء لعب كرة القدم لا يعدو أن يكون موقفًا عابرًا واختلافًا يمكن أن يقع بين الأصدقاء، لكنك أعطيته معنىً أكبر، وفسرت نظراتهم بأنها دليل على أنك غير مرغوبٍ فيك، ثم ترسخ هذا الاعتقاد حتى أصبح سببًا في الانسحاب من الناس.

ومع استمرار العزلة في المرحلة الثانوية، ضعفت خبرتك الاجتماعية، وأصبحت تفسر ابتعاد الآخرين عنك بأن الناس لا يحبونك أو أنهم غير صالحين، مع أن هذه الأفكار قد لا تكون حقيقةً، وإنما نتيجةً للخوف وقلة الاحتكاك وعدم امتلاك مهارات التواصل.

كما أن التدين إذا صاحبه الحكم السريع على الناس من مظهرٍ أو كلمةٍ أو نظرةٍ عابرةٍ، فقد يزيد العزلة؛ فاحرص على أخذ العلم الشرعي من العلماء الموثوقين؛ لتتعلم الفهم المتوازن للدين وحسن الظن بالناس، مع مخالطتهم والصبر على ما قد يقع منهم.

إن تعرفك على صديقٍ أمر إيجابي، غير أن معاناتكما المشتركة من الخجل وضعف التواصل جعلت كل واحدٍ منكما يحتاج إلى الآخر دون أن تتطور مهاراته الاجتماعية؛ فحاول أن توسع دائرة معارفك تدريجيًا، واختر من أهل الدين والخلق من يعينك على الخير، وشاركهم في نشاطٍ تطوعيٍ أو اجتماعي.

ولا يشترط أن تجيد كرة القدم؛ بل يمكنك الذهاب إلى الملاعب لممارسة الركض منفردًا ثم المشاهدة والتشجيع، وبدء حديثٍ بسيطٍ مع الموجودين، واجعل لنفسك تدريبًا يوميًا مثل: السلام والابتسامة، ثم سؤالٍ عن الدراسة أو العمل أو الهواية، ولا تنتظر أن تكون المحادثة طويلةً أو مثالية.

واجعل لنفسك هدفًا أسبوعيًا بسيطًا، كأن تتحدث مع شخصٍ جديد، أو تجلس مع مجموعةٍ ولو لفترةٍ قصيرة، أو تشارك في نشاطٍ جماعي، ثم ترفع مستوى المشاركة تدريجيًا، وإذا شعرت بالتوتر فلا تهرب مباشرةً، بل ابقَ دقائق إضافيةً حتى يهدأ القلق؛ فالمواجهة المتدرجة هي التي تبني الثقة.

واستكمل طريقك بالبدء بأهلك وأقاربك، ثم زملائك، واحرص على حضور المناسبات الاجتماعية كالأفراح والعزاء؛ فقد تشعر بالرهبة في البداية، لكن التدرج والتكرار يخففانها بإذن الله، ولا تبحث منذ البداية عن صداقاتٍ عميقة، وإنما اجعل هدفك أن تتعلم مخالطة الناس وتقبل اختلافهم.

ويمكنك الاستفادة من الأنشطة التطوعية أو الجماعية التي تتطلب التعاون مع الآخرين؛ لأنها توفر موضوعاتٍ مشتركةً للحديث وتقلل الحرج من بدء التواصل، واحرص كذلك على تقليل الانشغال بالهاتف أثناء وجود الآخرين، واستبدله بالنظر إليهم والاستماع والمشاركة ولو بكلماتٍ قليلة.

وتذكر أن موقفًا قديمًا لا يحدد قيمتك ولا مستقبلك، وأن التواصل مهارة تُكتسب بالتدريب والممارسة، فلا تحكم على نفسك بالفشل لمجرد أنك لا تعرف كيف تبدأ الحديث الآن، وإنما أعطِ نفسك فرصةً للتعلم خطوةً بعد خطوة.

وإذا طال بك الانعزال، فغيّره تدريجيًا؛ ابدأ بالأسرة، ثم الأقارب والزملاء، ثم شارك في نشاطٍ جماعيٍ أو تطوعي، ولا تشترط كثرة الحديث، فالحضور والسلام والاستماع وبداية الحوار خطوات مهمة، ومع تكرار هذه المواقف ستخف الرهبة تدريجيًا، وتزداد ثقتك بنفسك ومهاراتك في التواصل بإذن الله.

نسأل الله أن يشرح صدرك، ويؤنس وحدتك، ويرزقك الصحبة الصالحة، ويعينك على مخالطة الناس بالخير، ويكتب لك السداد والتوفيق، والله الموفق.

www.islamweb.net