القلق والوساوس يؤثرون على قراراتي في الزواج، فما العلاج؟

2026-09-28 01:03:29 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر حاليًّا (30) عامًا، وسأعرض قصتي، وأحتاج إلى المساعدة.

أنا شخصية حساسة وقلقة، ولديَّ شيء من الوسوسة، فعندما بلغتُ الثانية والعشرين من عمري تخرجتُ، ودخلتُ في حالة من الاكتئاب والقلق الشديدين، مع آلامٍ شديدة في القولون، وانخفض وزني كثيرًا، وكان السبب أنني لم أكن أرغب في العمل.

بعد ذلك وجدتُ عملًا يناسبني، فتحسنت حالتي جزئيًّا، وبعد سنةٍ خُطبتُ إلى ابن عمي، وبدأ يصيبني التوتر والقلق الشديدان، ولم تتم الخطبة، إذ انسحب هو، وبعد ذلك بسنتين، تقدم لخطبتي شاب، وبسبب طبعي القلق والتوتر أجبرني أهلي على قبول الخطبة، مع أنني كنت مترددة.

وبعد الخطبة، أصبحت أركز على عيوب الشاب، واكتشفت أنه يكذب في بعض الأمور، فأصررتُ على فسخ الخطبة، ولم أقبله، وأيَّد أهلي قراري، بعد ذلك تقدم لخطبتي شاب آخر، فعاد إليَّ شعور التوتر والقلق، وعاود أهلي الضغط عليَّ، لكنني لم أقبله ورفضته، مع أنه كان خاطبًا جيدًا، إلا أنه كان مسافرًا إلى أوروبا، وكان هذا أكثر ما يخيفني.

والآن، بعد مرور سنتين على ذلك الأمر، أشعر بالندم، وأعيش حالةً من التوتر والقلق الدائمين؛ خوفًا من أن يتقدم لي خاطب جديد، فأعيش التوتر نفسه وأضيِّع الفرص من يدي، علمًا بأنه لم يتقدم لي أحدٌ بعده.

لا أعلم ماذا أفعل، وما تشخيص حالتي، فأنا أضخِّم الأمور، وأتوقع الأسوأ، وأعيش أحيانًا حالةً من الهلع الخفيف، ولا سيما عند اتخاذ قرارٍ مصيري أو الإقدام على تغييرٍ كبير في حياتي، مع أن القلق أخف حاليًّا مما كان عليه عندما كنت في العشرين.

ومنذ شهر تقدمتُ لمسابقة توظيف، لكن إجراءاتهم بطيئة جدًّا، وأنا على أعصابي ومتوترةٌ جدًّا بسبب النتيجة، ولا أعلم هل سأوظف أم لا، فبدأ التوتر يسيطر عليَّ، وتشنجت معدتي، وقلَّ أكلي، وبدأت أتذكر الماضي، وأقول إنني السبب في عدم زواجي، فقد أضعتُ -بسبب شخصيتي- فرصةً جيدةً نوعًا ما.

وبدأت أتناول حبةً من «موتيفال» يوميًّا، لكنني لا أعلم هل كان هذا هو الخيار الصحيح؟ مع أنني تحسنت عليه.

فماذا أفعل؟ أشعر بالضياع، وأنا أعيش في بلدي، فهل يمكنكم نصحي بعلاجٍ معين؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جلنار حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركِ على تواصلكِ معنا وثقتكِ بموقعنا، ونسأل الله أن يجعل في هذه الاستشارة فرجًا وطمأنينةً لقلبكِ.

فهمنا من رسالتكِ -أختي الكريمة- أنكِ امرأةٌ تحمل قلبًا حساسًا رقيقًا، رافقه منذ سنواتٍ طويلةٍ قلقٌ وشيءٌ من الوسوسة، وأن هذا القلق ظهر بوضوحٍ في محطاتٍ مفصليةٍ من حياتكِ: من التخرج، والدخول إلى سوق العمل، إلى قرارات الخطبة المتكررة، وأنكِ اليوم تعيشين حالةً من الترقب والندم، تخافين أن يتكرر المشهد نفسه إن جاءكِ خاطبٌ جديدٌ، وتشعرين أن القلق كلفكِ فرصًا كنتِ تتمنينها، وهذا شعورٌ مؤلمٌ فعلاً، ونحن نقدر تمامًا ثقل ما تحملينه وحدكِ طوال هذه السنوات.

قصتكِ حين نتأملها نجدها تدور حول محورين:
• الأول: نمط تفكيرٍ يميل إلى التهويل وتوقع الأسوأ، وهو ما يجعل أي قرارٍ كبيرٍ يتحول في ذهنكِ إلى تهديدٍ لا إلى فرصةٍ.
• الثاني: قراراتٌ مصيريةٌ اتخذتها في لحظات ضغطٍ مزدوجٍ: ضغطٍ داخليٍّ من القلق نفسه، وضغطٍ خارجيٍّ من إلحاح الأهل؛ فجاءت بعض هذه القرارات وكأنها لم تكن خالصةً منكِ، ثم تركت في نفسكِ أثرًا من اللوم الذاتي لا يزال حاضِرًا حتى اليوم.

ولا بد أن ننبهكِ بصدقٍ وأمانةٍ إلى أننا لا نستطيع من خلال رسالةٍ أن نضع لكِ تشخيصًا نفسيًّا دقيقًا؛ فهذا أمرٌ يحتاج تقييمًا مباشرًا من مختصٍّ يرى حالتكِ عن قربٍ، ولكن ما تصفينه من قلقٍ مزمنٍ ملازمٍ منذ سن العشرين، ووسوسةٍ، وتهيؤٍ لأسوأ الاحتمالات، وأعراضٍ جسديةٍ تصاحب الضغط النفسي -كتشنج المعدة وفقدان الشهية-؛ يقترب كثيرًا مما يعرف في علم النفس باضطراب القلق العام مع سمةٍ وسواسيةٍ مصاحبةٍ، ونذكر هذا لا لنجزم به، بل لنعينكِ على طلب المساعدة المناسبة باسمها الصحيح.

أختي الكريمة، إن اللجوء إلى الله -عز وجل- في مثل هذه الأحوال أمرٌ لا بد منه؛ فالدنيا كلها دار ابتلاءٍ، والقلق الذي تعانين منه قد يكون في جانبٍ منه وسوسةً من الشيطان يريد أن يشغلكِ عن طمأنينة قلبكِ، ويحول بينكِ وبين اتخاذ القرار السليم.

والنبي ﷺ علمنا في التعامل مع الوسوسة منهجًا واضحًا حين قال في الحديث الذي رواه الشيخان: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»؛ فالمبدأ هو الإعراض عن الفكرة المزعجة، وعدم الاسترسال معها ومحاورتها، لا محاولة إثبات براءتها أو خطئها.

أمَّا ما مضى من قراراتٍ ندمتِ عليها؛ فنذكركِ بقول الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}؛ فقد يكون في تعثر تلكَ الخطبات خيرٌ لكِ لم يظهر بعد، وقد يكون الذي انسحب أو الذي رفضتِه لم يكن قدرًا مكتوبًا لكِ أصلاً، فلا داعي لتحميل نفسكِ وِزْرًا لم تصنعيه وحدكِ؛ خاصةً أن بعض تلكَ القرارات جاءت تحت ضغط أهلكِ لا باختياركِ التام.

وأمَّا قلقكِ اليوم على نتيجة التوظيف؛ فحسن الظن بالله والتوكل عليه هو المخرج من دوامة الترقب؛ يقول الله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.

وقد بيَّن لنا النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلمٌ أن حال المؤمن كله خيرٌ؛ فقال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»؛ فسواءٌ جاءتكِ الوظيفة أو تأخرت، فالخير موجودٌ في الحالين إذا أحسنتِ التعامل معهما.

ومن الأمور التي سوف تعينكِ -إن شاء الله-:
• أولها: التعامل مع طريقة تفكيركِ؛ بأن تعتادي عند مواجهة قرارٍ مهمٍّ أن تكتبي الفكرة القلقة كما تخطر ببالكِ، ثم تسألي نفسكِ: "ما احتمال حدوثها فعلاً؟ وما الدليل عليها؟"؛ فهذا التمرين البسيط يكسر حدة التهويل، ويعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي.

• ثانيها: أن تؤجلي أي قرارٍ كبيرٍ حتى يهدأ انفعالكِ؛ فالقرار الذي يتخذ في ذروة القلق نادِرًا ما يكون قرارًا ترضي عنه لاحقًا.

• ثالثها: الجانب الروحاني؛ حافظي على الصلاة في وقتها، وأكثري من الاستغفار والذكر؛ فقد قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، واجعلي لنفسكِ وِرْدًا يوميًّا ولو يسيرًا من القرآن الكريم؛ فهو سكينة القلوب.

أمَّا بخصوص الدواء الذي بدأتِ تناوله؛ فننصحكِ بألا تستمري فيه، أو تعدلي جرعته بنفسكِ دون متابعة طبيبٍ مختصٍّ؛ فمثل هذه الأدوية تحتاج تقييمًا دقيقًا لحالتكِ، وجرعةً تناسبكِ، ومتابعةً دوريةً لأثرها عليكِ.

وتحسُّن حالتكِ عليه لا يغني عن هذه المتابعة، بل يجعلها أولى؛ فالأمانة تقتضي أن تراجعي طبيبًا نفسيًّا يقيم حالتكِ عن قربٍ، ونعلم أن الظروف في سوريا قد تجعل الوصول إلى مختصٍّ أمرًا شاقًّا؛ فإن تعذر عليكِ ذلكَ في مكانكِ فابحثي عن منصات استشاراتٍ نفسيةٍ موثوقةٍ عن بعدٍ؛ فكثيرٌ منها أصبح متاحًا اليوم بإشراف مختصين مرخصين، والعلاج المعرفي السلوكي تحديدًا فعالٌ جدًّا في التعامل مع التهويل، وتوقع الأسوأ، والوسوسة المرتبطة بالقرارات.

وأخيرًا: فيما يخص قرارات الزواج والعمل مستقبلاً؛ احرصي ألَّا يكون القرار محكومًا بخوفكِ وحده، ولا بضغط من حولكِ وحده، بل اجعلي لنفسكِ مساحةً تفكرين فيها بهدوءٍ، واستعيني برأي شخصٍ تثقين بحكمته لا بإلحاحه، وتذكري أن عمركِ اليوم لا يزال مبكِرًا لتصحيح المسار؛ فكل يومٍ جديدٍ فرصةٌ، ولعل ما جرى معكِ خيرٌ قدمه الله لكِ.

بيت شعريٌّ صادقٌ يقول:
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي رَدِّ مَا فَاتَ حِيلَةٌ *** فَإِنَّ الْفَتَى بِالصَّبْرِ أَحْرَى وَأَخْلَقُ

فاجعلي الصبر رفيقكِ فيما مضى، والتوكل رفيقكِ فيما هو آتٍ، ولا تدعي القلق يسرق منكِ فرحة الحاضر خوفًا من غدٍ لم يأتِ بعد.

ونذكركِ أن طلب المساعدة المتخصصة ليس ضعفًا، بل هو خطوةٌ من خطوات الشفاء، ونحن هنا إن احتجتِ لمزيدٍ من التوضيح، أو أردتِ مشاركتنا بما يستجد من أمركِ؛ فبابنا مفتوحٌ دائمًا لأسئلتكِ.

نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يرزقكِ القرار السديد، والزوج الصالح، والرزق الطيب، وأن يبدل خوفكِ أمنًا وتترقبكِ طمأنينةً.

------------------------------------------------
انتهت إجابة الشيخ/ فيصل العشاري، مستشار تربوي ومتخصص في العلاج المعرفي السلوكي.
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
------------------------------------------------

نرحب بكِ -أختنا الفاضلة- مجددًا عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا بهذا السؤال.

وقد أجابكِ عن سؤالكِ الأستاذ الفاضل/ فيصل العشاري، وفي رده نقاط مفيدة جدًّا، فأرجو أن تراعيها، ولكن دعيني أيضًا أضيف:

من الواضح من سؤالكِ وأسئلتكِ السابقة أن لديكِ قدرًا غير قليل من التوتر والقلق، وقلق المستقبل؛ إذ إنكِ تميلين إلى تضخيم الأمور بعض الشيء، وتتوقعين الأسوأ، وهذا ما ذكرتِه في سؤالكِ، والذي قد يصل أحيانًا إلى حالة من الهلع والخوف الشديدين، خاصة عندما تكونين في مواجهة اتخاذ قرار كبير في حياتكِ، وهذا أمر طبيعي إلى حد كبير.

أنصحكِ -أختي الفاضلة- بأمرين:

* الأمر الأول: ذكرتِ أنكِ بدأتِ بتناول حبة من عقار "موتيفال - Motival"، وهذا أمر جيد؛ فهو مضاد للاكتئاب والتوتر والقلق، ويمكن أن تكون الجرعة حبة أو حبتين أو ثلاث حبات، ولكن ما دمتِ قد بدأتِ تتحسنين على حبة واحدة، فأرجو أن تستمري عليها، وأعتقد أن هذا الدواء متوفر في بلدك، فلا حاجة إلى تغييره بدواء آخر، ولكننا عادة ننصح بأن يكون تناول الأدوية النفسية تحت إشراف الطبيب النفسي؛ لأسباب عديدة.

كذلك أنصحكِ -عندما تتحسنين بشكل جيد، وذلك بعد عدة أشهر من بداية التحسن- بألا توقفي الدواء دفعة واحدة، وإنما على مراحل بإنقاص الجرعة تدريجيًا، فإذا استمرت الأمور على ما يرام، فتابعي إنقاص الجرعة حتى تتوقفي عن الدواء، ولكن -كما ذكرتُ لكِ- ننصح بأن يكون ذلك تحت إشراف الطبيب النفسي.

* أما الأمر الثاني: فأنصحكِ بأن تتأكدي من أن نمط حياتكِ اليومي صحي ومتوازن، من ناحية النشاط البدني، والحصول على ساعات النوم المناسبة، والتغذية المتوازنة.

أدعو الله تعالى لكِ بتمام الصحة والعافية، وأن يرزقكِ العمل الذي تتطلعين إليه -ما دمتِ بانتظار نتائج التوظيف-، وبإذن الله تعالى تسير أموركِ بشكل طيب.

لا تنسينا -أختي الفاضلة- من دعوة في ظهر الغيب، وفقنا الله وإياك إلى كل خير.

www.islamweb.net