الخوف من العقوق في ظل مرض الأم النفسي وأثره على الأسرة

2026-09-17 00:10:06 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعزكم الله.

أمي مريضة نفسيًا، ومرضها يجعلها مؤذية باللسان والفعل لإخوتي البنات وأبي ومن حولنا، وهي طيبة القلب، وأُشهدُ الله على هذا، لكنها مريضة نفسيًا، وهذا الأمر ليس بجديد، وقد تحمَّل أبي كثيرًا، وعندما كبرنا اكتشفنا مؤخرًا ذلك المرض، ونحن نعيش في تفكك أسري.

هي تؤذي أخواتي بالكلام في أعراضهن بغير وعي، وهن بنات، فماذا أفعل؟ هل أضعها في مصحة نفسية؟ أخاف أن نكون عاقين لها بذلك، ولكن أصبح تحملها أمرًا لا يطاق بسبب أفعالها، وأخواتي قد شارفن على الأربعين عامًا ولم يتزوجن بسبب كلامها وأفعالها، وقد تقدم إليهن الكثير، لكن أفعالها تجعلهم يبتعدون بعد ذلك، كما أنها تسبب لنا الإحراج.

ومرضها أصبح صعبًا، وهي تكاد لا تنام أصلًا، وبسبب لسانها تؤذي من حولها دائمًا، ولا أعرف ماذا أفعل، وأخاف -بل أنا مرعوب- من أن أكون عاقًا إذا وضعتُها في مصحة نفسية، ولا أعرف ماذا أفعل.

كما أن أخواتي يكرهنها كرهًا شديدًا بسبب ما يتعرضن له منها، فهي تؤذيهن دائمًا، وكأنها عدوة لهن، ولا تريد لهن أن يتزوجن، فتتكلم في أعراضهن بصوت عالٍ يسمعه الجيران، وهذا أمر يكاد يفقدنا عقولنا، ولا نعرف ماذا نفعل.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Ahmed حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكَ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يشفي أمكِ ويعافيها، وأن يعينكم على برها، ويحفظ أباكَ وأخواتكَ من الأذى، ويجمع شمل أسرتكم على خيرٍ، وبعد:

فما تصفه شديدٌ على الأسرة كلها؛ فأنتَ أمام أمٍّ تحبونها وتعرفون طيبة أصلها، وفي الوقت نفسه تصدر منها أقوالٌ وأفعالٌ ألحقت أذًى حقيقيًّا بأبيكَ وأخواتكَ، حتى وصل الأمر إلى الكلام في أعراضهن وإفساد فرص زواجهن وإيذاء من حولها، مع قلةٍ شديدةٍ في النوم.

وهنا ينبغي ألا تفهموا البر على أنه ترك الأم حتى تضر نفسها وأسرتها؛ فقد يكون من أعظم البر بها أن تتدخلوا لحمايتها وعلاجها، ولو كرهت ذلكَ في البداية، ولكي يزول عنكَ الخوف من العقوق، ينبغي التفريق بين أمورٍ عدةٍ:

• أولًا: إدخال أمكِ إلى جهةٍ متخصصةٍ للعلاج ليس عقوقًا إذا كانت حالتها تستدعي ذلكَ، وكان القصد علاجها وحمايتها وحماية من حولها، فالعقوق يكون بالإساءة والإهانة والتضييع ونحو ذلكَ، أما أن يأخذ الابن بيد أمه إلى ما ينفعها حين تعجز هي عن تقدير مصلحتها، فهذا من البر والإحسان، قال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}، والإحسان ليس أن نعطي الإنسان ما يريد، بل أن نفعل له ما يحتاج إليه.

• ثانيًا: لا تجعلوا المصحة أول صورةٍ في أذهانكم، وكأن الاختيار بين «تَرْكِهَا فِي الْبَيْتِ» و«حَبْسِهَا بَعِيدًا عَنْكُمْ» فالمطلوب أولًا تقييم حالتها بصورةٍ جادةٍ، ثم يقرر المختصون هل يمكن التعامل معها وهي بينكم، أم تحتاج إلى رعايةٍ أكثر انتظامًا، أم أن حالتها بلغت درجةً تستدعي بقاءها مدةً في مكانٍ متخصصٍ، فإن احتاجت إلى ذلكَ، فلا تترددوا بسبب الشعور بالذنب.

• ثالثًا: لا يجوز أن تتركوا أخواتكَن عرضةً للإيذاء المستمر بحجة بر الأم؛ فبرها واجبٌ، وكذلكَ دفع الضرر عنهنَّ واجبٌ بحسب الاستطاعة، فإذا بدأت في الصراخ والكلام في أعراضهن فلا تدخلوا معها في جدالٍ طويلٍ، وحاولوا إبعادها عن موضع الاحتكاك، وأغلقوا المواقف التي يكثر فيها الأذى، ولا تجعلوا الأخوات مكلفاتٍ بتحمل كل شيءٍ حتى يثبتن أنهن باراتٌ.

• رابعًا: ينبغي أن تساعد أخواتكَ على التفريق بين أمهن وبين ما يصدر عنها في حال اضطرابها، فقولكَ إنهن أصبحن يكرهنها كرًها شديدًا مفهومٌ من جهة تراكم الأذى، لكن لا تتركوا هذا الكره يتجذر حتى يتحول إلى إساءةٍ وانتقامٍ، وذكرهنَّ بأنها أمهنَّ التي لها حقها، وأنها في الوقت نفسه تعاني حالةً تؤثر في تصرفاتها؛ فيحمين أنفسهنَّ من أذاها دون سبها أو إذلالها أو مقابلة كلماتها بمثلها.

• خامسًا: أما كلامها في أعراض بناتها، فلا ينبغي لكم أن تسكتوا عن أثره أمام الناس؛ فإذا سمع قريبٌ أو جارٌ منها اتهامًا باطلًا، فيمكنكم توضيح الأمر بالقدر اللازم دون فضح أمكم، كأن تقولوا إن الوالدة تمر بحالةٍ تجعل بعض كلامها غير منضبطٍ، وإن ما تقوله عن بناتها غير صحيحٍ؛ فحفظ سمعة البنات لا يتعارض مع ستر الأم.

• سادسًا: اجتمع أنتَ وأبوكَ وإخوتكَ على خطةٍ واحدةٍ؛ لأن ترك الأمر لكل واحدٍ يتصرف وقت الأزمة سيزيد التفكك، فاتفقوا من يتولى شؤونها، وكيف تقللون احتكاكها بالمواقف التي تستفزها، ومن يكون معها، وكيف تحمى أخواتكَ عند اشتداد أذاها، والأهم ألا يصبح كل فردٍ في الأسرة وحده أمام المشكلة.

• سابعًا: لا تحمل نفسكَ وحدكَ ذنب عدم زواج أخواتكَ ولا ذنب ما حدث للأسرة؛ فعليك الآن أن تعمل فيما تستطيع إصلاحه، وإذا تقدم خاطبٌ مناسبٌ لإحدى أخواتكَ، فلا تجعلوا كل تفاصيل التواصل تحت تصرفات الوالدة، إذا كانت حالتها تجعلها تفسد الأمر دون وعيٍ؛ بل يمكن أن يتولى الأب أو الأخ -أو من تثقون به من الأسرة- التواصل وترتيب الأمور، بما يحفظ حقها وكرامة الأم في الوقت نفسه.

وأريد أن أطمئنكَ في النقطة التي ترعبكَ: إذا احتاجت أُمّكِ فعلًا إلى الإقامة في مكانٍ متخصصٍ، وتعذر العلاج إلَّا بذلكَ، وكانت النية أنها متى ما شفاها الله تعود إلى بيتها، ثم وضعتموها فيه بقصد العلاج والحماية، واخترتم لها مكانًا أمينًا، وتابعتموها وزرتموها باستمرارٍ ولم تهجروها أو تتخلصوا منها، فليس هذا عقوقًا، بل قد يكون تركها تتدهور أمامكم بينما تملك الأسرة طريقًا لعلاجها أقرب إلى التقصير من إدخالها للعلاج.

ولا تقولوا أمامها: «سَنَضَعُكِ فِي الْمَصَحَّةِ لِأَنَّنَا لَمْ نَعُدْ نُطِيقُكِ»، فهذه كلمةٌ تكسرها؛ خاطبوها بالرحمة، وأشعروها أنكم معها لا ضدها، وأنكم تريدون راحتها ونومها وهدوءهان وعودة علاقتها ببناتها كما كانت، فالإنسان إذا شعر أن أسرته تريد التخلص منه قاومهم، وإذا شعر أنهم يريدون إنقاذه كان قبول المساعدة أقرب.

نسأل الله أن يشفي أُمّكِ شفاءً تامًّا، ويذهب عنها ما تجد، ويعيد إليها سكينتها وعافيتها، ويجبر قلوب أبيكَ وأخواتكَ، ويرزق أخواتكَ أزواجًا صالحين وحياةً طيبةً، ويعينكم على بر أمكم من غير أن يلحق بكم ضررٌ، ويجعل ما تبذلونه في رعايتها وعلاجها من أعظم أبواب البر والأجر لكم، والله الموفق.

www.islamweb.net