يتخلل حياتي الخوف والقلق وحب العزلة، فكيف أجد السكينة؟
2026-09-16 03:48:18 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
منذ فترات طويلة، وحتى هذه الأيام، ألاحظ عندما أقوم من النوم أنني أجد شعرةً طويلةً واحدةً فوق رأسي، رغم أنني أنام بمفردي على السرير، ورغم تأكدي من نظافة الوسائد والسرير تمامًا قبل النوم، وتكون الشعرة طويلةً وواحدةً فقط، وناعمة، ويتراوح لونها بين الأسود والبني الفاتح، ولا أستطيع التمييز بينهما.
وهذا الأمر مستمر منذ سنوات، وأحيانًا ألاحظه، وأحيانًا أخرى أتجاهله، وأحيانًا أنساه أو أتناسى أمره، ولكن المؤكد أنه يتكرر في الفترة الأخيرة بشكل يومي أو شبه يومي، ولا أدري هل هو يومي أو شبه يومي، وربما يكون يوميًا وتسقط الشعرة دون أن أشعر بها، لكنها تتكرر في الفترة الأخيرة.
أود أن أعرض على فضيلتكم نبذة عن حياتي منذ صغري، فقد كان يتخللها القلق، والتوتر، والخوف، وكثرة التفكير، وعدم الثقة بالنفس، والخوف من مجهول لا أدري ما هو، وعدم الثقة في معظم الآخرين، كما أنني أفضل الجلوس وحيدًا، وأستمتع بالعزلة، ولا أدري: هل أنا طيب أم شرير؟ وهل أحب الخير أم أنا منافق؟ وهل أنا صالح أم فاسد؟ وهل أنا صادق أم كاذب؟ ولا أدري: هل أنا منافق أم مراءٍ؟
أحيانًا يطمئن قلبي بالله، وتكون لديَّ طاقة إيجابية، وروحانيات عالية، وأحيانًا أخرى أحبط، وتقل عبادتي، ويقل ذكري لله، ولا أعرف السبب، وأحيانًا يحدث ذلك بسبب عدم فهم الآخرين لتصرف معين قمتُ به، أو بسبب رد فعلهم السيئ تجاهي، فيصيبني الإحباط والنفور من العبادة، وتقل طاقتي، ويقل ذكري لله، وبعدها أعود أفضل، ثم أعود أسوأ بكثير، وبعدها أعود أفضل نسبيًا، ثم أعود أسوأ بقليل، فأنا في حلقة مفرغة، يا فضيلة الشيخ.
وأحيانًا أشعر أنني أريد أن أذهب بعيدًا، وأكون في صحراء، وبها ماء وبيت أو خيمة، بعيدًا عن الناس، وأذكر الله وأتعبد في ملكوت الله، بعيدًا عن الناس والفتن والموبقات، وأحيانًا أخرى أرجع عن رأيي، ولكن تظل فكرة الذهاب بعيدًا ملازمةً لتفكيري، وشاغلةً لي على الدوام، ليلًا ونهارًا.
ولا أدري: هل خوفي الشديد على المقربين مني مبرر لانفعالي الدائم عليهم في الصغيرة والكبيرة؟ إنني مرتبك، ولا أعرف هل أنا محسود أم مسحور، وهل الشعرة الطويلة التي أجدها كل يوم تقريبًا على رأسي تشير إلى شيء آخر؟!
وشكرًا جزيلًا لفضيلتكم، والرجاء الرد؛ لأنني أحتاج إلى من يفسر لي هذه الأمور التي تربكني.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بكَ -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكَ تواصلكَم بالموقع.
قرأتُ استشارتكَ كلمةً كلمةً، وبدايةً أقول -أيها الحبيب-: نصيحتي لكَ ألَّا تعير ملاحظة هذه الشعرة أي اهتمامٍ واعتناءٍ، وأن تحمل أمرها على الأمور الطبيعية المعتادة؛ فالشعرة ربما تسقط منكَ، وربما تكون موجودةً ولم تُدقِّق النظر قبل النوم، وربما، وربما، فالاحتمالات قائمةٌ، فينبغي أن تحمل هذا الأمر على أحد هذه الاحتمالات؛ لتريح نفسك من عناء هذا التفكير.
هذا التوتر والخوف والقلق لن يزيله إلا التجاهل له، وهو أمرٌ في حقيقته يحتاج إلى هذا التجاهل، فكل هذه الأفكار التي تأتيكَ والتساؤلات دؤاؤها ألا تتجاوب معها، وألَّا تتفاعل مع أسئلتها؛ فأنتَ مسلمٌ كغيركَ من المسلمين، تحب دينكَ، وتؤدي أعمالكَ.
فحاول أن تُجاهد نفسكَ لإحسان عملك وإتقانه؛ فتؤديه على الوجه الذي شرعه الله تعالى، وتُخلص فيه النية لله تعالى أنكَ تريد بذلكَ مرضاته هو، وثوابه، وخوف عقابه، واكتفِ بهذا. واصرف قلبكَ عن التفكير بعد ذلكَ في كونكَ منافقًا أم لا، صالحًا أم فاسدًا، إلى غير ذلكَ من الأسئلة التي تُداهمكَ، واستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم عندما تُداهمكَ هذه الأسئلة والأفكار، وأعرض عنها تمامًا.
هذا هو الدواء القالع لهذه الأفكار أيها الحبيب، لا تظن أبدًا أن تفاعلكَ معها واهتمامكَ بها سيؤدي إلى معالجتها، بل ستدور في دائرةٍ مغلقةٍ من هذه الأفكار والوساوس والأسئلة؛ فكلما أجبتَ عن سؤالٍ ظهر لكَ سؤالٌ جديد، وهكذا.
والعلاج القالع -كما يقول العلماء- هو التجاهل الكامل لها، وأن تدرك تمام الإدراك أن الله تعالى يحب منكَ أن تتجاهل هذه الأفكار تمامًا.
احرص على التواصل مع الصالحين والطيبين من الناس، وحاول الاستفادة منهم، وحاول الإكثار من ذكر الله تعالى خلال يومكَ وليلتكَ، واقرأ من القرآن، وحافظ على طهارتكَ، واستعذ بالله تعالى كثيرًا من الشيطان الرجيم عندما تداهمكَ هذه الأفكار، وستجد نفسكَ -بإذن الله تعالى- تسير في اتجاه التخلص من هذه الأفكار، والتحسن، والراحة من عنائها.
ادفع عن نفسكَ الشعور بأنكَ محسودٌ أو مسحورٌ؛ فهذا الشعور بحد ذاته لا يزيدكَ إلا ضعفًا، ووهنًا، وقلقًا، واعلم أن تحصنك بالأذكار الشرعية سيدفع عنكَ كل هذه الشرور لو كانت موجودة.
نسأل الله تعالى أن يصرف عنكَ كل سوءٍ، وكل مكروهٍ.
-------------------------------------------
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
-------------------------------------------
نرحب بكَ -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكَ تواصلكَ معنا بهذا السؤال.
أولًا -أخي الفاضل-: موضوع الشعر الذي تجده عندما تستيقظ من النوم:
لا أدري إن كنتَ تعلم أن معدل تساقط شعر الإنسان يوميًا من (50) إلى (100) شعرة يوميًا، وهذا أمر طبيعي، ودليل حياة الجلد والبصيلات الشعرية، وهي تتجدد باستمرار، وكونكَ تجد شعرة أو أكثر ليس مؤشرًا على شيء، إلَّا على الدورة البيولوجية التي خلقنا الله تعالى عليها، وهذا الشعر يجب أن ينمو ويتجدد كغيره من خلايا الجسم.
الجانب الآخر -أخي الفاضل-: موضوع ثقتك في نفسك، وترددك فيما إذا كنتَ خيرًا أو شريرًا، طيبًا أو غير ذلك:
أخي الفاضل، أنتَ -بإذن الله عز وجل- إنسان خيِّر وطيب، ومؤمن بالله تعالى، إلَّا أن الشيطان يأتي أحيانًا ليوسوس لنا أننا على غير ذلك، كلنا -أخي الفاضل- يسدد ويقارب، وعندنا في مذهب أهل السُّنَّة أن الإيمان يزيد وينقص، ولكن نسعى جهدنا، مُتحلِّين بقوله ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، وقال: «سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا».
أمَّا -أخي الفاضل- ما ذكرته من أنكَ تتمنى أن تذهب إلى الصحراء، وتجد الماء والبيت أو الخيمة بعيدًا عن الناس، وبعيدًا عن الفتن والموبقات، فإذا وجدتَ مثل هذا المكان فأخبرني لأرافقكَ في هذه الرحلة؛ لأن الحياة أحيانًا تُشعرنا بضرورة الانعزال عن الناس، إلَّا أن الأولى مخالطة الناس والصبر على ما يمكن أن يأتي منهم، وكما قال ﷺ: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ».
ربما هذه الفكرة التي تراودكَ أحيانًا متعلقة بميلكَ إلى ما ورد في سؤالكَ، من أنكَ تميل إلى الوحدة والانفراد، وليس في هذا عيب أو خلل؛ فالناس نوعان بشكل عام: نوع اجتماعي يحب الاختلاط بالناس، ونوع يميل إلى العزلة والوحدة، ويمكن أن يبدع من خلال هذه الوحدة، وفي كلٍّ خير، ليس هناك نمط معين هو الأسلم، وإنما ما يناسب الشخص، وما يناسب غيرك قد لا يناسبك، والعكس صحيح.
فتوكل على الله -أخي الفاضل-، وطمئن نفسك أنك بخير -إن شاء الله تعالى-، وممَّا يمكن أن يساعدك للوصول إلى هذا: أن يكون نمط حياتك صحيًا من حيث النشاط البدني، والهوايات المفيدة، وخاصة أنك تعمل مديرًا، ولا شك أن هذا يسبب لك بعض التوتر والقلق، فدومًا احرص على ممارسة ما يمكن أن يخفف هذا التوتر والقلق من بعد العبادات؛ كالرياضة، والهوايات المفيدة، والاختلاط بمن ترتاح إليهم.
أدعو الله تعالى لك بتمام السلامة والصحة، والله الموفق.